ظهرت عناية ابن عقيل باللغة العربية من جوانب منها: الاستشهاد بالشعر العربي، ونقل أقوال العرب من أمثال ونحوها.
قال الزركشي (^١): (الثالث: - يعني لطالب التفسير - الأخذ بمطلق اللغة؛ فإن القرآن نزل بلسان عربي مبين، وقد ذكره جماعة، ونص عليه أحمد بن حنبل في مواضع، لكن نقل الفضل بن زياد عنه: وقد سئل عن القرآن تمثل له رجل ببيت من الشعر؟ فقال: ما يعجبني، فقيل: ظاهره المنع، ولهذا قال بعضهم في جواز تفسير القرآن بمقتضى اللغة: روايتان عن احمد، وقيل: الكراهة تحمل على من يصرف الآية عن ظاهرها إلى معان خارجة محتملة يدل عليها القليل من كلام العرب، ولا يوجد غالبًا إلا في الشعر ونحوه، ويكون المتبادر خلافها) (^٢).
ومن الأمثلة المستنبطة من كلام ابن عقيل ما يلي:
- قوله تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ [البقرة:١٧٧].
قال ابن عقيل: (رجل عدل ورضًا، بمعنى: عادل ومرضي، كما أنشدونا:
تَرْعَى إذا غَفَلت حتَّى إذا ادَّكَرَتْ فإنَّما هيَ إقْبالٌ وإدْبارُ (^٣)
_________________
(١) هو أبو عبدالله بدر الدين محمد بن بهادر المصري الزركشي الشافعي، فقيه، أصولي، محدث، أديب، من تصانيفه: البرهان في علوم القرآن، مات سنة ٧٩٤ هـ، له ترجمة في: الدرر الكامنة ٣/ ٣٩٧، شذرات الذهب ٦/ ٣٣٥.
(٢) البرهان ٢/ ١٦٠.
(٣) هذا البيت للخنساء ضمن قصيدة ترثي بها أخاها صخرًا، وهو في وصف ناقة ثكلت ولدها، وروايته في الديوان: تَرتعُ ما رتَعَتْ حتَّى إذا ادَّكَرَتْ فَإنَّما هيَ إقْبَالٌ وإدْبارُ، يعني: لا تنفك تقبل وتدبر، كأنها خلقت منهما، ينظر: ديوانها: ص ٣٩.
[ ٦١ ]
يعنون: فإنما هي مقبلة مدبرة، قال سبحانه: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ [البقرة:١٧٧] والمراد به: البار، أو البر بر من آمن بالله اهـ) (^١).
- قوله تعالى: ﴿وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ (٤٦)﴾ [يونس:٤٦].
قال ابن عقيل: (قال الله سبحانه: ﴿فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ (٤٦)﴾ [يونس:٤٦]، والمراد: والله شهيد، إذ شهادة الله لا يتقدمها شيء، فتترتب عليه، وقال الشاعر:
كَهَزِّ الرُّدَينِيِّ تَحتَ العَجاجِ جَرى في الأنَابيبِ ثم اضطَرب (^٢)
ومعلوم أن الاضطراب لا يتأخر عن الاهتزاز، ولا يترتب عليه، وإنما أراد به: واضطرب) (^٣).
- قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء:٢٢].
_________________
(١) ينظر: الواضح ١/ ٢٠٧.
(٢) هذا البيت لأبي دؤاد الإيادي ضمن قصيدة يصف فيها فرسه، وقوله: الرديني، قال ابن منظور: (والرمح الرديني: زعموا أنه منسوب إلى امرأة السمهري، تسمى ردينة، وكانا يقوّمان القنا بخط هجر) ينظر: لسان العرب ١٣/ ١٧٨، والمعنى أنه متى جرى الهز في أنابيب الرمح يعقبه الاضطراب دون تراخ، ينظر البيت في: مغني اللبيب ص ١٢٧.
(٣) الواضح ٣/ ٣٠٢.
[ ٦٢ ]
قال ابن عقيل: (﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾، هو حقيقة في الوطء؛ بدليل أنه يستعمل في موضع لا يجوز فيه العقد، مثل قوله: " ملعون ناكح البهيمة "، " ناكح يده ملعون " (^١) ولا عقد وقولهم: أنْكَحْنا الفَرَا فسَنَرى. ثم استعمل في العقد، فيحرم عليه أن يتزوج من تزوجها أبوه، وإن لم يوجد منه الوطء اهـ) (^٢).
- قوله تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ﴾ [النحل:٩].
قال ابن عقيل: (الجور هو الميل عن الحق، ومنه قوله سبحانه: ﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ﴾، وتقول العرب: جار السهم، إذا مال اهـ) (^٣).
- قوله تعالى: ﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا﴾ [الكهف:٣٣].
قال ابن عقيل: (والظلم هو الانتقاص قال سبحانه: ﴿وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا﴾، وتقول العرب: من أشبه أباه فما ظلم، أي: ما انتقص من حق الشبه، ومن قال: إنه وضع الشيء في غير موضعه، فما خرج بهذا عن الانتقاص اهـ) (^٤).