الإجماع: هو اتفاق علماء العصر من أمة محمد - ﷺ - على أمر من أمور الدين (^٦).
ولا ريب أن نقل الإجماع لا يكون إلا ممن تضلع في العلم واستقرأ وتتبع أقوال العلماء، وقد كان لابن عقيل نصيب من هذا النقل، ومن الأمثلة على هذا ما يلي:
- قوله تعالى: ﴿قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (١٢)﴾ [الأعراف:١٢].
_________________
(١) ذيل طبقات الحنابلة ١/ ١٥٦.
(٢) ذيل طبقات الحنابلة ١/ ١٥٠.
(٣) ذيل طبقات الحنابلة ١/ ١٥٧.
(٤) ينظر: ذيل طبقات الحنابلة ١/ ١٥٧، فقد ذكر عددًا من المسائل التي تفرد بها.
(٥) الفنون ١/ ٢٣٧.
(٦) ينظر: روضة الناظر ١/ ٣٣١.
[ ٦٩ ]
قال ابن عقيل: (فأثبت أمره له بالسجود، ولم يقع منه السجود، وقد أجمع المسلمون على أنه عالم بامتناعه قبل وقوع الامتناع منه اهـ) (^١).
- قوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (٢٩)﴾ [التوبة:٢٩].
قال ابن عقيل: (يعني: حتى يبذلوها، وينزلوا على حكمنا فيها؛ للإجماع بأن السيف يرتفع عنهم قبل العطاء وبعد الإلزام اهـ) (^٢).
- قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة:٢]، ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا﴾ [الجمعة:١٠].
قال ابن عقيل: (وذلك لا يعطي عندي مذهبًا في مسألتنا (^٣)؛ لأن المختلفين في هذه المسألة مجمعون على أن هذه الآيات للإباحة والإطلاقِ بحسب دلالة الإجماع اهـ) (^٤).
- قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق:٦].
قال ابن عقيل: (اقتضى ذلك أن البوائن الحوامل لا نفقة عليهن، وعلى هذا لغة العرب لا نعرف سوى ذلك اهـ) (^٥).
- قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء:١١٥].
_________________
(١) الواضح ٣/ ١٨٨.
(٢) التذكرة ص ٣٢٤.
(٣) أي مسألة: هل الأمر بعد الحظر للوجوب أو غيره؟.
(٤) الواضح ٢/ ٥٢٤، الجدل ص ٣.
(٥) الواضح ٣/ ٢٧٢.
[ ٧٠ ]
قال ابن عقيل: (والسبيل ههنا هو الطريق، ولا طريق يحصل الوعيد على سلوك غيره إلا ما يوجبه اجتهادهم؛ إذ كان ما أوجبه نص القرآن، أو تواتر السنة، فذاك سبيل الله ورسوله، أخص به من الإضافة إليهم، والمؤمنون ها هنا هم العلماء، إذ قد أجمعنا على أن العوام والجهال لا سبيل لهم يتبع، فلم يبق إلا العلماء، وقد تواعد على اتباع غير سبيلهم، فثبت أن سبيلهم حق متبع ودليل مرشد، والمخالف له مستحق للعقاب بالوعيد المنصوص في الآية، إذ ليس بين سبيلهم وبين سبيل غيرهم قسم ثالث، فتعين اتباع سبيلهم حيث حصل الوعيد على اتباع غير سبيلهم اهـ) (^١).