وصل ابن عقيل مرتبة عليَّة، حتى عده العلماء من أهل الرأي والاجتهاد والاستنباط
قال عنه ابن رجب: (وكان ابن عقيل ﵀ من أفاضل العالم، وأذكياء بني آدم، مفرط الذكاء، متسع الدائرة في العلوم، وكان خبيرًا بالكلام، مطلعًا على مذاهب المتكلمين، وله بعد ذلك في ذم الكلام وأهله شيء كثير) (^١).
ويقول الذهبي: (وكان بحر معارف، وكنز فضائل، لم يكن له في زمانه نظير) (^٢).
وبين ابن عقيل عدم جواز تفسير القرآن بالرأي والاجتهاد الخالي من العلم والنقل؛ للنهي عن ذلك بالأدلة الصريحة، منها: ما روي عن ابن عباس - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: " من قال في القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار " (^٣).
وأما التفسير بالرأي ممن توفر فيه العلم بالأدلة وكيفية استنباط الأحكام منها لغة وشرعًا فلا حرج عليه.
قال ابن عقيل: (فأما نقل التفسير عن الرواية فقربة وطاعة، وقد فسر أحمد وأول كثيرًا من الآي، على مقتضى اللغة) (^٤).
وقال ابن تيمية بعد ذكر جملة من الآثار التي تدل على تحرج السلف من التفسير: (وهذه الآثار الصحيحة وما شاكلها عن أئمة السلف محمولة على تحرجهم عن الكلام في التفسير بما لا علم لهم به، فأما من تكلم بما يعلم من ذلك لغة وشرعًا فلا حرج عليه، ولهذا روي عن هؤلاء وغيرهم أقوال في التفسير، ولا منافاة؛ لأنهم تكلموا فيما علموه وسكتوا عما جهلوه، وهذا هو الواجب على كل أحد) (^٥).
وأما ما توصلت إليه من منهج ابن عقيل في الاستنباط عمومًا فأقول فيه ما يلي:
_________________
(١) ذيل طبقات الحنابلة ١/ ١٥١.
(٢) سير أعلام النبلاء ١٩/ ٤٤٥.
(٣) أخرجه الترمذي في كتاب تفسير القرآن باب ما جاء في الذي يفسر القرآن برأيه (٢٩٥٠)، وقال: هذا حديث حسن صحيح.
(٤) ينظر: الواضح ٤/ ٦٣.
(٥) مجموع الفتاوى ١٣/ ٣٧٠.
[ ٧٢ ]
١ - أنه فتح لنفسه العنان في طلب العلم دون تمحيص لنوع العلم والمعلم. قال ابن كثير: (وكان يجتمع بجميع العلماء من كل مذهب، فربما لامه بعض أصحابه فلا يلوي عليهم فلهذا برز على أقرانه، وبزَّ أهل زمانه في فنون كثيرة) (^١). وقال ابن رجب: (كان أصحابنا ينقمون على ابن عقيل تردده إلى ابن الوليد، وابن التبان شيخي المعتزلة، وكان يقرأ عليهما في السر علم الكلام، ويظهر منه في بعض الأحيان نوع انحراف عن السنة، وتأول لبعض الصفات، ولم يزل فيه بعض ذلك إلى أن مات ﵀) (^٢).
٢ - أنه لما توسعت معارفه واطلاعاته مع ما وهبه الله من الذكاء كثرت آراؤه فأعمل عقله، ولذلك قد يعتقد فيبني على اعتقاده الأدلة، ومن ذلك قوله: (قال سبحانه: ﴿فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾ [النحل:٦٩] وقال: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ [الشعراء:٨٠]، فالأحق أن يكون الشفاء حقيقة مضافًا إلى الخالق سبحانه، والعسل عنده الشفاء، والماء يوجد عند نزوله الإنبات، والمنبت حقيقة هو الله سبحانه، فإنه سبحانه يقول: ﴿فَأَحْيَيْنَا بِهِ﴾ [فاطر:٩]، ﴿يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ﴾ [النحل:١١]، وقال: ﴿فَأَنْبَتْنَا بِهِ﴾ [النمل:٦٠] يعني: أنبتنا لكم عنده، وقد أضاف الله سبحانه الإضلال إلى الأصنام والسامري، والضلال فيهم لا بهم) (^٣).
_________________
(١) البداية والنهاية ١٦/ ٢٤٢.
(٢) ذيل طبقات الحنابلة ١/ ١٤٤.
(٣) الواضح ١/ ١٨١.
[ ٧٣ ]
٣ - أنه اجتهد في كثير من المسائل وانفرد بأقوال كثيرة عن مذهبه، وبيَّن أنه يتبع الدليل دون الأشخاص، قال عنه ابن رجب: (وكان ﵀ بارعًا في الفقه وأصوله، وله في ذلك استنباطات عظيمة حسنة، وتحريرات كثيرة مستحسنة، وكانت له يد طولى في الوعظ والمعارف، وكلامه في ذلك حسن، وأكثره مستنبط من النصوص الشرعية، فيستنبط من أحكام الشرع وفضائله معارف جليلة وإشارات دقيقة) (^١).
٤ - اهتم ابن عقيل بالاستدلال على استنباطاته بالإجماع، أو بالقرآن، أو بالسنة، أو بأقوال الصحابة، أو بأقوال أهل اللغة، أو بالقياس، وقد سبقت الإشارة إلى شيء من ذلك (^٢).
٥ - أنه يتلذذ حينما يجتهد في المسائل، ويستنبط الصواب فيها، حيث يقول عن نفسه: (عندي أن من أكبر فضائل المجتهد أن يتردد في الحكم عند تردد الحجة والشبهة فيه، وإذا وقف على أحد المترددين دله على أنه ما عرف الشبهة، ومن لا تعترضه شبهة لا تصفو له حجة، وكل قلب لا يقرعه التردد، فإنما يظهر فيه التقليد والجمود على ما يقال له، ويسمع من غيره) (^٣).
٦ - أنه يُقدِّر من يهتم بالاستنباط على غيره، ويوصي بعدم التقليد والجمود في مسائل العلم المتنوعة.
٧ - السرعة في الاستنباط، واستحضار الأدلة في المسائل التي يسأل عنها، مما جعله يشتهر أيضًا بالمناظرات مع كبار العلماء. قال ابن الجوزي: (وأفتى ابن عقيل، ودرَّس، وناظر الفحول) (^٤).
٨ - ذكر ابن عقيل من وجوه ترجيح إحدى القراءات على الأخرى: كثرة من عليها من القراء، أو شهادة الأصول لها، أو كونها في اللغة أظهر، أو كونها موجِبة والأخرى مسقطة، أو كون إحدى القراءتين أعم بحيث تدخل القراءة الأخرى في معناها (^٥).
_________________
(١) ذيل طبقات الحنابلة ١/ ١٥٢.
(٢) ينظر كذلك: الواضح ٣/ ٢٧٦، التذكرة ص ٣٠٨، الجدل ص ٢٠.
(٣) ذيل طبقات الحنابلة ١/ ١٥٨.
(٤) المنتظم ٩/ ٢١٣.
(٥) ينظر: الجدل ص ٢١.
[ ٧٤ ]
٩ - أنه يستنبط من الآيات أبعد من المعاني الظاهرة التي تتبادر لمن قرأ الآية، حيث يقول عند قوله تعالى: ﴿وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً﴾ [يونس:٨٧]: (قبلة: جهة للطاعات ومستقبلًا لله سبحانه في العبادات، ومن كان مأمورًا أن يجعل بيته قبلة، وهو موضع الغفلة ومناخ البطالة، أولى أن يعقل عن الله أن يجعل مواطن العبادات محترمة عن تبديلها بأمور الدنيا، وأرى أهل زماننا جعلوا مساجدهم متاجر وأسواقًا، وجعلوا بيوتهم قبورًا) (^١). وقال في قوله تعالى: ﴿مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ﴾ [الملك:٣]: (وقد نفى سبحانه التفاوت عن أفعاله، فكان ذلك تنبيهًا على نفي النقائص عن صفاته اهـ) (^٢).
١٠ - يستنبط أحيانًا ضوابط يدخل تحتها كثيرًا من المسائل حيث يقول: (إذا كنى الله سبحانه عن العبادة ببعض ما فيها من أركانها وتوابعها دل على وجوبه فيها، وكون ذلك الشيء من لوازمها وفروضها، مثل قوله تعالى: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ [الإسراء:٧٨] قال ابن عقيل: (لما كنى عن الصلاة به، دل على وجوبه فيها) (^٣).
_________________
(١) الفنون ١/ ٢٨٣.
(٢) الواضح ٢/ ٣٧٧.
(٣) الواضح ٣/ ٢١٣.
[ ٧٥ ]