كان أصحاب ابن عقيل من الحنابلة ينهونه عن مجالسة المعتزلة (^٢)، بل بلغ الأمر أن أهدروا دمه لما رأوا منه كتابة فيها تعظيم المعتزلة سنة ٤٦١ هـ، إلى أن أعلن توبته، بل كتبها بخطه سنة ٤٦٥ هـ، وشهد عليه جماعة من الشهود والعلماء، إضافة إلى أنه ألف في الرد عليهم ونقض شبههم بما آتاه الله من العلم والحجة.
_________________
(١) ينظر: المقدمة للكتاب ص ٤.
(٢) ينظر: سير أعلام النبلاء ١٩/ ٤٤٧، والمعتزلة: اسم يطلق على فرقة ظهرت في أوائل القرن الأول الهجري، وسلكت منهجًا عقليًا متطرفًا في بحث العقائد الإسلامية، وهم أتباع واصل بن عطاء الذي اعتزل مجلس الحسن البصري ﵀، ومن عقائدهم: أن مرتكب الكبيرة في منزلة بين المنزلتين، وأن الإنسان يخلق فعله، ونفي الصفات عن الله تعالى، ينظر: الفصل في الملل والنحل والأهواء ٣/ ١٢٨، الملل والنحل للشهرستاني ١/ ٣٩.
[ ٢٠ ]
وإليك نص كلامه، يقول ابن رجب: (فمضى ابن عقيل إلى بيت الشريف (^١) وصالحه وكتب خطّه: يقول علي بن عقيل بن محمد: إني أبرأ إلى الله تعالى من مذاهب مبتدعة الاعتزال وغيره، ومن صحبة أربابه، وتعظيم أصحابه، والترحم على أسلافهم، والتكثر بأخلاقهم، وما كنت علقته، ووجد بخطي من مذاهبهم وضلالتهم فأنا تائب إلى الله تعالى من كتابته، ولا تحل كتابته، ولا قراءته، ولا اعتقاده، وإنني علقت مسألة الليل في جملة ذلك، وإن قومًا قالوا: هو أجساد سود. وقلت: الصحيح ما سمعته من الشيخ أبي علي، وأنه قال: هو عدم ولا يسمى جسمًا، ولا شيئًا أصلًا، واعتقدت أنا ذلك، وأنا تائب إلى الله تعالى منهم. واعتقدت في الحلاج (^٢) أنه من أهل الدين والزهد والكرامات، ونصرت ذلك في جزء عملته، وأنا تائب إلى الله تعالى منه، وأنه قتل بإجماع علماء عصره، وأصابوا في ذلك، وأخطأ هو، ومع ذلك فإني أستغفر الله تعالى، وأتوب إليه من مخالطة المعتزلة، والمبتدعة، وغير ذلك، والترحم عليهم، والتعظيم لهم؛ فإن ذلك كله حرام، ولا يحل لمسلم فعله؛ لقول النبي - ﷺ -: " من عظم صاحب بدعة فقد أعان على هدم الإسلام " (^٣)،
_________________
(١) هو عبدالخالق بن عيسى الشريف أبو جعفر الهاشمي العباسي، مات سنة ٤٧٠ هـ، له ترجمة في: المقصد الأرشد في ذكر أصحاب الإمام أحمد ٢/ ١٤٤، سير أعلام النبلاء ١٨/ ٤٢٣.
(٢) هو الحسين بن منصور بن محمي أبو عبدالله ويقال أبو مغيث المقتول على الزندقة سنة ٣٥٩ هـ بعد أن أباح العلماء دمه، له ترجمة في: سير أعلام النبلاء ١٤/ ٣١٣، لسان الميزان ٢/ ٣٥٩.
(٣) أخرجه الطبراني في الأوسط ٧/ ٣٥ بلفظ: " من وقر صاحب بدعة " (٦٧٧٢) من حديث عبدالله بن بسر وقال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن هشام بن عروة إلا الحسن بن يحيى الخشني، وأخرجه ابن عدي في الكامل ٢/ ٢٢٤، والذهبي في المجروحين ١/ ٢٣٥ وقال بأنه باطل، وينظر: ضعيف الجامع ص ٨٤٨ (٥٧٨٨).
[ ٢١ ]
وقد كان الشريف أبو جعفر، ومن كان معه من الشيوخ، والأتباع، سادتي وإخواني - حرسهم الله تعالى - مصيبين في الإنكار علي؛ لما شاهدوه بخطي من الكتب التي أبرأ إلى الله تعالى منها، وأتحقق أني كنت مخطئًا غير مصيب، ومتى حفظ عليّ ما ينافي هذا الخط وهذا الإقرار، فلإمام المسلمين مكافأتي على ذلك، وأشهدت الله وملائكته وأولي العلم على ذلك، غير مجبر ولا مكره، وباطني وظاهري - يعلم الله تعالى - في ذلك سواء، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ (٩٥)﴾ [المائدة:٩٥]، وكتب يوم الأربعاء عاشر محرم سنة خمس وستين وأربعمائة) (^١)، وبهذا يتبين رجوع ابن عقيل عما كان عليه أهل الضلال، وقد ذكر هذه القصة ابن قدامة (^٢) مسندة، وبعدها توقيع عدد من الشهود (^٣)، ومن تاب تاب الله عليه، ولله الحمد من قبل ومن بعد.
_________________
(١) ينظر: الذيل على طبقات الحنابلة ١/ ١٤٤ - ١٤٥.
(٢) ابن قدامة هو موفق الدين أبو محمد عبدالله بن أحمد بن قدامة المقدسي ثم الدمشقي الحنبلي تبحر في علوم كثيرة ومن أشهر مؤلفاته المغني في الفقه، مات سنة ٦٢٠ هـ، له ترجمة في: الذيل على طبقات الحنابلة ٢/ ١٣٣، سير أعلام النبلاء ٢٢/ ١٦٥.
(٣) ينظر: تحريم النظر في علم الكلام ص ٣٣ وما بعدها.
[ ٢٢ ]