قال تعالى: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا (٣٧)﴾ [الأحزاب:٣٧].
١١٤/ ١ - قال ابن عقيل: (فأخبر أنه إنما أباحه ذلك ليكون مبيحًا لجميع الأمة، ولو كان الأمر يخصه لما انتفى عنهم الحرج بنفي الحرج عنه، فصار كأنه يقول: أرخصنا لك في تزويج أزواج أدعيائك؛ لنرخص لأمتك بذلك اقتداء بك، ونزولًا على ما شرع لك، فثبت بهذا أنهم مشاركوه في الحكم الذي يخاطب به اهـ) (^٣).
_________________
(١) الجامع لأحكام القرآن ١٣/ ٣٤١.
(٢) ينظر: تفسير السمرقندي ٢/ ٦٣١، الوجيز ٢/ ٨٣٢، تفسير السمعاني ٤/ ١٧٧، معالم التنزيل ٣/ ٤٠٠، الكشاف ٣/ ٤٥٦، الجامع لأحكام القرآن ١٣/ ٣٤١، تفسير البيضاوي ٤/ ٣١٤.
(٣) الواضح ٣/ ١٠٢.
[ ٤٠٤ ]
الدراسة:
أشار ابن عقيل إلى مسألة: أن الخطاب للنبي - ﷺ - في أمور الشرع خطاب لأمته إلا إذا دل الدليل على تخصيصه، وهذه مسألة أصولية مشهورة تكلم فيها الأصوليون (^١).
وقول ابن عقيل هو قول الحنفية (^٢) وبعض المالكية (^٣) وبعض الشافعية (^٤): أن الله تعالى إذا أمر نبيه - ﷺ - فإن أمته يشاركونه في ذلك الأمر (^٥)، ومن أدلتهم هذه الآية التي استدل بها ابن عقيل: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا (٣٧)﴾ [الأحزاب:٣٧] (^٦)، ووجه الاستدلال بها: أنه لو كان الأمر يخص النبي - ﷺ - في تزوج زوجة الدعي لما انتفى الحرج عن المؤمنين بانتفائه عنه - ﷺ - (^٧)، وكان التعليل به عبثًا (^٨).
وهو ما ذهب إليه جمع من المفسرين:
قال الجصاص: (قد حوت هذه الآية أحكامًا ) إلى أن قال: (والثالث: أن الأمة مساوية للنبي - ﷺ - في الحكم إلا ما خصه الله تعالى به؛ لأنه أخبر أنه أحل ذلك للنبي - ﷺ - ليكون المؤمنون مساوين له) (^٩).
_________________
(١) ينظر: العدة ١/ ٣١٨، المحصول ٢/ ٣٧٩، البرهان للجويني ١/ ٢٥٠، شرح مختصر روضة الناظر ٢/ ٤١٢.
(٢) ينظر: التقرير والتحبير ١/ ٢٢٤.
(٣) ينظر: أحكام القرآن لابن العربي ٤/ ٢٧٠.
(٤) ينظر: البرهان للجويني ١/ ٢٥٠، روضة الناظر ٢/ ١٠٠، التفسير الكبير ٢٥/ ١٨٤، شرح الكوكب المنير ٣/ ٢١٨.
(٥) ينظر: العدة ١/ ٣١٨، المسودة ١/ ١٣٤.
(٦) ينظر غيره من الأدلة: روضة الناظر ٢/ ١٠٠، التأسيس في أصول الفقه ص ٣٤٢.
(٧) ينظر: تفسير أبي السعود ٥/ ٢٢٨.
(٨) ينظر: شرح مختصر روضة الناظر ٢/ ٤١٣.
(٩) أحكام القرآن ٣/ ٤٧٢.
[ ٤٠٥ ]
وقال البيضاوي: ﴿لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا﴾ [الأحزاب:٣٧] علة للتزويج، وهو دليل على أن حكمه وحكم الأمة واحد إلا ما خصه الدليل) (^١).
وقال ابن تيمية: (قوله: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ الآية [الأحزاب:٣٧] دليل على أن ما أبيح له كان مباحًا لأمته؛ لأنه أخبر أن التزويج كان لمنع الحرج عن الأمة في مثل ذلك التزويج، فلولا أن فعله المباح له يقتضي الإباحة لأمته لم يحسن التعليل وهذا ظاهر) (^٢).
وذهب بعض الشافعية (^٣) وغيرهم (^٤): إلى أن الخطاب لا يعمهم إلا بدليل.
قالوا: لأن اللغة تقتضي أن خطاب المفرد لا يتناول غيره.
قال الغزالي (^٥): (وإنما يشاركه غيره بدليل لا بموجب هذا اللفظ) (^٦).
ولذا قال الآمدي: (إن رفع الحرج عن النبي - ﷺ - كان لمقصود رفع الحرج عن المؤمنين، وذلك حاصل بقياسهم عليه بواسطة دفع الحاجة وحصول المصلحة) (^٧). فحكم بدخول الأمة مع النبي - ﷺ - في الآية لكن بدليل القياس.
_________________
(١) تفسير البيضاوي ٤/ ٣٧٧.
(٢) مجموع الفتاوى ١٥/ ٤٤٣.
(٣) ينظر: الإحكام للآمدي ٢ ا/ ٢٦٠، المستصفى ٢/ ٦٥.
(٤) كالمعتزلة ومن وافقهم، ينظر: المعتمد ١/ ١٤٨.
(٥) هو أبو حامد محمد بن محمد الطوسي الغزالي الشافعي، فقيه أصولي متكلم، من تصانيفه: المستصفى في أصول الفقه، مات سنة ٥٠٥ هـ، له ترجمة في: سير أعلام النبلاء ١٢/ ٧٥، شذرات الذهب ٤/ ١٠.
(٦) المستصفى ٣/ ٢٧٧.
(٧) الإحكام ٢/ ٢٦٢.
[ ٤٠٦ ]
وأقول: ما دام أن خطاب النبي - ﷺ - يشعر بقصد خطاب العموم، وهذا هو المتعارف عليه شرعًا لاشتراكهم في التشريع، والله ﷾ أمر في غير ما آية باتباعه - ﷺ - (^١) فلا حاجة إلى تكلف القياس.
والخلاصة أنه لا خلاف بين القولين في العمل؛ فالجميع متفق على أن خطاب الواحد لا يطلق على الجماعة في اللغة، وكذلك متفقون أن الوقائع الشرعية الخاصة التي استدل بها أصحاب القول الأول عدي حكمها إلى الأمة مع نبيها - ﷺ - (^٢).
قال الطوفي: (وكأن الخلاف لفظي ) ثم قال: (وحينئذ يكون التقدير: أن اللغة تقتضي أن الخطاب لواحد معين يختص به، ولا خلاف فيه بينهم، والواقعة الشرعية الخاصة، إذا قام دليل على عمومها عمت، ولا خلاف أيضًا فيه بينهم، فعاد النزاع كما قلنا لفظيًا) (^٣).
وقال أيضًا: (أجمع الصحابة - ﵃ - على الرجوع في قضاياهم العامة إلى قضايا النبي - ﷺ - الخاصة، كرجوعهم في حد الزاني إلى قصة ماعز (^٤) ) (^٥).
وبهذا يتبين أن ما قاله ابن عقيل في تفسير هذه الآية هو قول عامة العلماء على وجه الإجمال (^٦). والله أعلم.
_________________
(١) مثل قوله تعالى: ﴿وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف:١٥٨].
(٢) شرح مختصر روضة الناظر ٢/ ٤١٨، شرح الكوكب المنير ٣/ ٢٢١.
(٣) شرح مختصر روضة الناظر ٢/ ٤١٨.
(٤) سبق تخريجه، ينظر: ص ١٨٢.
(٥) شرح مختصر روضة الناظر ٢/ ٤١٥.
(٦) ينظر للاستزادة: الإحكام للآمدي ٢/ ٢٦٠، روضة الناظر ٢/ ١٠٠، المحصول ٢/ ٣٧٩، شرح الكوكب المنير ٣/ ٢١٨، نهاية الوصول في دراية الأصول ٤/ ١٣٨١، إتحاف ذوي البصائر بشرح روضة الناظر ٥/ ٣٥٢.
[ ٤٠٧ ]
قال تعالى: ﴿مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا (٣٨)﴾ [الأحزاب:٣٨].
١١٥/ ٢ - قال ابن عقيل: (﴿فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ﴾ [الأحزاب:٣٨]، أي: أوجب اهـ) (^١).
وقال في موضع آخر: (يعني: أحل له اهـ) (^٢).
الدراسة:
ذهب بعض المفسرين إلى أن معنى فرض الله له في هذه الآية: أي أوجب.
وهو قول لابن عقيل وبه فسرها الزمخشري (^٣)، والبيضاوي (^٤)، وابن جزي (^٥)، وأبو السعود (^٦).
قال الزمخشري: (فرض الله له: قسم له وأوجب من قولهم فرض لفلان في الديوان كذا، ومنه: فروض العسكر لرزقاتهم) (^٧).
وفسرها ابن عقيل أيضًا: بأحل له، وهو تفسير الطبري (^٨)، والسمرقندي (^٩)،
والواحدي (^١٠)، والسمعاني (^١١)، والبغوي (^١٢)، وابن عطية (^١٣)، وغيرهم (^١٤)، وذكره الطبري والنحاس عن قتادة (^١٥).
قال الطبري: (فيما أحل الله له من نكاح امرأة من تبناه بعد فراقه إياها) (^١٦).
_________________
(١) الواضح ١/ ١٢٥.
(٢) الواضح ٣/ ١٦٥.
(٣) الكشاف ٣/ ٥٥٢.
(٤) تفسير البيضاوي ٤/ ٣٧٧.
(٥) التسهيل ٢/ ١٩٠.
(٦) تفسير أبي السعود ٥/ ٢٢٨.
(٧) الكشاف ٣/ ٥٥٢.
(٨) جامع البيان ١٩/ ١١٩.
(٩) تفسير السمرقندي ٣/ ٥٩.
(١٠) الوجيز ٢/ ٨٦٧.
(١١) تفسير السمعاني ٤/ ٢٨٩.
(١٢) معالم التنزيل ٣/ ٤٥٩.
(١٣) المحرر الوجيز ٤/ ٣٨٧.
(١٤) ينظر: تذكرة الأريب ٢/ ٨٦، تفسير النسفي ٣/ ٣٠٥، تفسير ابن كثير ٦/ ٢٨١٩، البرهان ٣/ ٣٤١.
(١٥) جامع البيان ١٩/ ١١٩، معاني القرآن ٥/ ٣٥٤.
(١٦) جامع البيان ١٩/ ١١٩.
[ ٤٠٨ ]
ولا تعارض بين القولين فأصل الفرض في اللغة: الحز في الشيء، ومنه كان اشتقاق الفرض للواجب؛ لأن له معالم وحدودًا، ومنه اشتقاقه للتقدير والحل كذلك وغيره من المعاني (^١).
فلما كان الفرض محتملًا لهذه المعاني كان المختار منها هو ما يحدده السياق، وهو الحل والإباحة والتقدير دون الوجوب لقوله تعالى في أول الآية: ﴿مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الأحزاب:٣٨]، ويدل على ذلك تعدية فعل: [فرض] [باللام] الذي يفيد هذا المعنى بخلاف تعديته بحرف [على] كقوله تعالى: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [الأحزاب:٥٠] (^٢).
وهنا سؤال: ما سبب اختيار لفظ الفرض دون غيره؟.
والجواب: أنه في مقابل تحريم النبي - ﷺ - على نفسه فعل هذا الأمر، فجاء بصيغة الفرض، لأنه متضمن لحل ذلك له والأمر به. والله أعلم.
قال الراغب: (﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ﴾ [القصص:٨٥] أي: أوجب عليك العمل به، ومنه يقال لما أَلزَم الحاكمُ من النفقة: فرض، وكل موضع ورد: فَرَضَ الله عليه ففي الإيجاب الذي أدخله الله فيه، وما ورد من: فرض الله له، فهو في أن لا يحْظُرَه على نفسه نحو: ﴿مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ﴾ [الأحزاب:٣٨]) (^٣).
وقد جمع ابن كثير في تفسير الآية ما ذكرته آنفًا فقال: (أي: فيما أحل الله له وأمره به من تزويج زينب التي طلقها دعيه زيد بن حارثة) (^٤). والله أعلم.
_________________
(١) ينظر: معجم مقاييس اللغة ٤/ ٤٨٨، ٤٨٩، الصحاح ٣/ ٩٢١.
(٢) ينظر: التحرير والتنوير ٢٢/ ٤٠.
(٣) المفردات ص ٤٢١.
(٤) تفسير ابن كثير ٦/ ٢٨١٩.
[ ٤٠٩ ]
قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا (٥٧)﴾ [الأحزاب:٥٧].
١١٦/ ٣ - قال ابن عقيل: (﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ﴾، المراد: أنبياء الله وأولياء الله، وهذا لغة العرب ودأبهم في حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه اهـ) (^١).
الدراسة:
ذكر العلماء في معنى قوله تعالى: ﴿يُؤْذُونَ اللَّهَ﴾ [الأحزاب:٥٧] قولين:
القول الأول: أن المراد: يؤذون أولياء الله، فهو من حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، وهو ما قاله ابن عقيل، واختاره الجصاص (^٢)، وذكره النحاس (^٣)، والسمعاني (^٤)، والبغوي (^٥) وغيرهم (^٦).
قال الجصاص: (قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ المراد: يؤذون أولياء الله) (^٧).
القول الثاني: أن المراد يؤذون الله بالكفر وغيره من المحرمات، وهذا هو قول الجمهور (^٨).
قال الطبري: (يعني بقوله تعالى ذكره: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ﴾ إن الذين يؤذون ربهم بمعصيتهم إياه، وركوبهم ما حرم عليهم) (^٩).
وقال ابن عطية: (قال الجمهور معناه: بالكفر ونسبة الصاحبة والولد والشريك إليه ووصفه بما لا يليق به) (^١٠).
_________________
(١) الواضح ٢/ ٣٨١.
(٢) أحكام القرآن ١/ ٢٩.
(٣) معاني القرآن ٥/ ٣٧٦.
(٤) تفسير السمعاني ٤/ ٣٠٦.
(٥) معالم التنزيل ٣/ ٤٦٨.
(٦) ينظر: الجامع لأحكام القرآن ١٦/ ١٠٢.
(٧) أحكام القرآن ١/ ٢٩.
(٨) ينظر: المحرر الوجيز ٤/ ٣٩٨.
(٩) جامع البيان ١٩/ ١٧٨.
(١٠) المحرر الوجيز ٤/ ٣٩٨، وينظر: الوجيز ٢/ ٨٧٣.
[ ٤١٠ ]
والذي يظهر لي إمكان الجمع بين القولين، بأن يكون المعنى: أن إيذاء الله يكون بانتقاصه أو مخالفة أمره أو ارتكاب نهيه، ومن هذا الإيذاء إيذاء أوليائه، لحديث أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: " إن الله تعالى قال: من عادى لي وليًا فقد آذنته بالحرب " (^١).
فيكون من قال بالقول الأول فسر الآية بالمثال، ولكن لا ريب أن التفسير بالعموم أقوى وأولى وأسلم؛ لأن هذا هو ظاهر الآية وتخصيصه بأحد المعاني يحتاج إلى دليل، والأدلة تؤيد القول بالعموم: فقد جاء في الصحيحين أن النبي - ﷺ - قال: " قال الله ﷿: يؤذيني ابن آدم يسب الدهر وأنا الدهر بيدي الأمر أقلب الليل والنهار " (^٢).
وعن ابن عباس - ﵁ - عن النبي - ﷺ -: " قال الله: كذَّبني بن آدم ولم يكن له ذلك، وشتمني ولم يكن له ذلك؛ فأما تكذيبه إياي: فزعم أني لا أقدر أن أعيده كما كان، وأما شتمه إياي: فقوله لي ولد فسبحاني أن أتخذ صاحبة أو ولدًا " (^٣).
ففي هذا الحديث تفسير للشتم والتكذيب بأنه: نسبة النقص إلى الله تعالى الله عن ذلك.
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب الرقاق باب التواضع (٦٥٠٢).
(٢) أخرجه البخاري في كتاب التفسير باب تفسير سورة حم الجاثية (٤٨٢٦)، ومسلم في كتاب الألفاظ من الأدب وغيرها باب النهي عن سب الدهر (٢٢٤٦) من حديث أبي هريرة - ﵁ -.
(٣) أخرجه البخاري في كتاب التفسير باب ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ﴾ [البقرة:١١٦] (٤٤٨١).
[ ٤١١ ]
وفي الصحيحين أن النبي - ﷺ - قال: " ما أحد أصبر على أذى سمعه من الله يدعون له الولد ثم يعافيهم ويرزقهم " (^١).
قال ابن كثير: (يقول تعالى متهددًا ومتوعدًا من آذاه بمخالفة أوامره وارتكاب زواجره وإصراره على ذلك، وأذَى رسوِله بعيب أو نقص، عياذًا بالله من ذلك ) إلى أن قال: (والظاهر أن الآية عامة في كل من آذاه بشيء، من آذاه فقد آذى الله، كما أن من أطاعه فقد أطاع الله) (^٢).
وقال السعدي: (﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [الأحزاب:٥٧]، وهذا يشمل كل أذية، قولية أو فعلية، من سب وشتم، أو تنقص له، أو لدينه، أو ما يعود إليه بالأذى) (^٣).
والله منزه عن وصول إيذاء أحد له ﷾، وليس أذاه من جنس أذى المخلوقين، ولذا قال البغوي: (ومعنى الأذى: هو مخالفة أمر الله تعالى وارتكاب معاصيه، ذكَرَه على ما يتعارفه الناس بينهم، والله ﷿ منزه عن أن يلحقه أذىً من أحد) (^٤).
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب التوحيد باب قول الله ﵎: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات:٥٨] (٧٣٧٨)، ومسلم في كتاب صفة القيامة والجنة والنار باب لا أحد أصبر على أذى من الله ﷿ (٢٨٠٤) من حديث أبي موسى الأشعري - ﵁ -.
(٢) تفسير ابن كثير ٦/ ٢٨٥٩، ٢٨٦٠.
(٣) تفسير السعدي ٦/ ٢٤٦.
(٤) معالم التنزيل ٣/ ٤٦٨.
[ ٤١٢ ]
وقال ابن جزي: (﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [الأحزاب:٥٧]: إذاية الله هي بالإشراك به، ونسبة الصاحبة والولد له، وليس معنى إذايته أنه يضره الأذى؛ لأنه تعالى لا يضره شيء ولا ينفعه شيء، وقيل: إنها على حذف مضاف تقديره يؤذون أولياء الله، والأول أرجح؛ لأنه ورد في الحديث: " يقول الله تعالى: يشتمني ابن آدم وليس له أن يشتمني، ويكذبني وليس له أن يكذبني، أما شتمه إياي: فقوله إن لي صاحبة وولدًا، وأما تكذيبه إياي: فقوله لا يعيدني كما بدأني " (^١» (^٢).
وقال ابن القيم: (وليس أذاه سبحانه من جنس الأذى الحاصل للمخلوقين، كما أن سخطه وغضبه وكراهته ليست من جنس ما للمخلوقين) (^٣). والله أعلم.
سورة يس
قال تعالى: ﴿يَاحَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٣٠)﴾ [يس: ٣٠].
١١٧/ ١ - قال ابن عقيل: (﴿يَاحَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٣٠)﴾ [يس:٣٠] راجع إلى حسرتهم على أنفسهم يصدقه قوله: ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَاحَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾ [الزمر:٥٦] اهـ) (^٤).
_________________
(١) سبق تخريجه، ينظر: ص ٤٥٠.
(٢) التسهيل ٢/ ١٩٦.
(٣) الصواعق المرسلة ٤/ ١٤٥١.
(٤) الواضح ٢/ ٣٨١.
[ ٤١٣ ]
الدراسة:
أبان ابن عقيل أن الحسرة إنما هي من العباد واستدل على هذا المعنى بآية الزمر، وهو ما عليه عامة العلماء، قال الطبري: (القول في تأويل قوله ﷿: ﴿يَاحَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٣٠)﴾ [يس:٣٠] يقول تعالى ذكره: يا حسرة من العباد على أنفسها، وتندمًا وتلهفًا في استهزائهم برسل الله، ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ﴾ من الله، ﴿إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾، وذُكِر أن ذلك في بعض القراءة: (يا حسرة العباد على أنفسها) (^١). وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل) (^٢).
وقال السمرقندي: (قوله ﷿: ﴿يَاحَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [يس:٣٠]، يعني: يا ندامة على العباد في الآخرة، يعني: يقولون يا حسرتنا على ما فعلنا بالأنبياء ﵈) (^٣).
وقال البغوي: (﴿يَاحَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [يس:٣٠] قال عكرمة: يعني يا حسرتهم على أنفسهم والحسرة: شدة الندامة، وفيه قولان: أحدهما / يقول الله تعالى: يا حسرة وندامة وكآبة على العباد يوم القيامة حين لم يؤمنوا بالرسل، والآخر / أنه من قول الهالكين، قال أبو العالية: لما عاينوا العذاب قالوا يا حسرة) (^٤).
ويؤيد هذا قوله جل وعلا: ﴿لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ﴾ [آل عمران:١٥٦]، وقوله تعالى: ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَاحَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾ [الزمر:٥٦].
_________________
(١) نسبها لأبي بن كعب - ﵁ - النحاس في معاني القرآن ٥/ ٤٨٩، وعدها ابن جني في المحتسب ٢/ ٢٠٨ من الشواذ.
(٢) جامع البيان ١٩/ ٤٢٩.
(٣) تفسير السمرقندي ٣/ ١١٥، وينظر: الوجيز ٢/ ٨٩٩.
(٤) معالم التنزيل ٤/ ٨.
[ ٤١٤ ]
- فإن قيل: ما الفائدة من نداء الحسرة وهي لا تعقل؟
أجاب على ذلك الزجاج بقوله: (﴿يَاحَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [يس:٣٠] وقرئت: (يا حسرةَ العبادِ) (^١) بغير على، ولكني لا أحب القراءة بشيء خالف المصحف البتة، وهذه من أصعب مسألة في القرآن، إذا قال القائل ما الفائدة في مناداة الحسرةِ، والحسرةُ مما لا يجيب؟ فالفائدة في مناداتها كالفائدة في مناداة ما يعقل (^٢)؛ لأن النداء باب تنبيه، إذا قلت: يا زيد، فإن لم تكن دعوته لتخاطبه لغير النداء فلا معنى للكلام، إنما تقول: يا زيد؛ فتنبهه بالنداء، ثم تقول: فعلت كذا وافعل كذا، وما أحببت مما له فيه فائدة، ألا ترى أنك تقول لمن هو مقبل عليك: يا زيد ما أحسن ما صنعت، ولو قلت له: ما أحسن ما صنعت، كنت قد بلغت في الفائدة ما أفهمت به، غير أن قولك: يا زيد، أوكد في الكلام، وأبلغ في الإفهام) (^٣).
وقال السمعاني: (والجواب عنه: أن معنى قول القائل: يا حسرة، مثل قوله: يا عجبًا، وكذلك قوله: يا حسرتاه، مثل قوله: يا عجباه، والعرب تقول هذا على طريق المبالغة، والنداء عندهم بمعنى التنبيه، فيستقيم فيمن يعقل وفيمن لا يعقل) (^٤). والله أعلم.
_________________
(١) ينظر: المحتسب ٢/ ٢٠٨.
(٢) في معاني القرآن وإعرابه المطبوع: (ما لا يعقل)، والأولى المثبت، ينظر: لسان العرب ٤/ ١٨٩.
(٣) معاني القرآن وإعرابه ٤/ ٢٨٤.
(٤) تفسير السمعاني ٤/ ٣٧٥.
[ ٤١٥ ]