قال تعالى: ﴿يَاقَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (٣١)﴾ [الأحقاف:٣١].
١٢٨/ ١ - قال ابن عقيل: (فليس غفرانه مقصورًا على التوبة، فالطاعات مكفِّرة، توبةً أو غيرَ توبة اهـ) (^٢).
الدراسة:
استدل ابن عقيل بالآية على أن الطاعات مكفرة للذنوب سواء كانت توبةً أو غيرها.
ووجه الاستدلال أن الله تعالى رتب المغفرة للذنوب على إجابة أمره والإيمان به ولم يقيد الغفران بالتوبة.
والنصوص الدالة على هذا صريحة صحيحة كثيرة، منها:
حديث عثمان بن عفان - ﵁ - أنه توضأ لهم ثم قال: رأيت رسول الله - ﷺ - يتوضأ، وقال: " من توضأ نحو وضوئي هذا، ثم صلى ركعتين لا يحدث فيهما نفسه، غفر له ما تقدم من ذنبه " (^٣).
وعن أبي هريرة - ﵁ - عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: " أرأيتم لو أن نهرًا بباب أحدكم يغتسل فيه كل يوم خمسًا، ما تقول ذلك يُبْقِي من دَرَنِه؟ " قالوا لا يُبْقِي من دَرَنِه شيئًا، قال: " فذلك مثل الصلوات الخمس يمحو الله بها الخطايا " (^٤).
_________________
(١) شرح العقيدة الطحاوية بتصرف ٢/ ٦٨٦.
(٢) الواضح ٣/ ٢٣.
(٣) سبق تخريجه، ينظر: ص ٣١٦.
(٤) سبق تخريجه، ينظر: ص ٣١٦.
[ ٤٤٣ ]
وعن أبي هريرة - ﵁ - قال: سمعت النبي - ﷺ - يقول: " من حج لله فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه " (^١).
وعن حذيفة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: " فتنة الرجل في أهله وماله وولده وجاره تكفرها الصلاة والصوم والصدقة والأمر والنهي " (^٢).
وعن أبي قتادة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: " صيام يوم عرفة أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله والسنة التي بعده، وصيام يوم عاشوراء أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله " (^٣).
ويتفرع على هذه المسألة مسألة: هل الحسنات والأعمال الصالحة تكفر الكبائر أم هي خاصة بالصغائر؟:
اختلف العلماء فيها على قولين:
القول الأول: أن الأعمال الصالحة لا تكفِّر سوى الصغائر؛ قالوا لأن بعض الأحاديث قيدت باجتناب الكبائر؛ فيحمل المطلق على المقيد، كحديث أبي هريرة - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: " الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة مكفرات ما بينهن إذا اجتنبت الكبائر " (^٤).
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب الحج باب فضل الحج المبرور (١٥٢١)، ومسلم في كتاب الحج باب في فضل الحج والعمرة ويوم عرفة (١٣٥٠).
(٢) أخرجه البخاري في كتاب الصلاة باب الصلاة كفارة (٥٢٥)، ومسلم في كتاب الإيمان باب بيان أن الإسلام بدأ غريبًا وسيعود غريبًا وأنه يأرز بين المسجدين (١٤٤).
(٣) أخرجه مسلم في كتاب الصيام باب استحباب صيام ثلاثة أيام من كل شهر، وصوم يوم عرفة وعاشوراء والاثنين والخميس (١١٦٢).
(٤) سبق تخريجه، ينظر: ص ٣١٨.
[ ٤٤٤ ]
وحديث عثمان - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: " ما من امرئ مسلم تحضره صلاة مكتوبة، فيحسن وضوءها وخشوعها وركوعها إلا كانت كفارة لما قبلها من الذنوب ما لم يؤت كبيرة، وذلك الدهر كله " (^١)، قالوا: فالكبائر لا بد لها من التوبة؛ لأن الله أمر العباد بالتوبة، وجعل من لم يتب ظالمًا، واتفقت الأمة على أن التوبة فرض، والفرائض لا تؤدى إلا بنية وقصد، ولو كانت الكبائر مكفَّرة بالوضوء، والصلاة، وأداء بقية أركان الإسلام لم يحتج إلى التوبة، وهذا باطل بالإجماع (^٢)، وهذا قول الجمهور، وصوبه ابن رجب (^٣).
القول الثاني: أن الأعمال الصالحة تكفِّر الصغائر والكبائر جميعًا، واستدلوا بما يلي:
قوله تعالى: ﴿إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ [الأنفال:٢٩].
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [التغابن:٩].
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا (٥)﴾ [الطلاق:٥]. وغيرها كثير (^٤).
قال ابن رجب مورِدًا على هذه الآيات: (لم يبين في هذه الآيات خصال التقوى، ولا العمل الصالح، ومن جملة ذلك: التوبة النصوح، فمن لم يتب، فهو ظالم، غير متقٍ) (^٥).
_________________
(١) أخرجه مسلم في كتاب الطهارة باب فضل الوضوء والصلاة عقبه (٢٢٨).
(٢) ينظر: جامع العلوم والحكم ١/ ٤٢٥.
(٣) جامع العلوم والحكم ١/ ٤٢٩.
(٤) وكذلك الأحاديث السابقة مما لم يقيد بالصغائر.
(٥) جامع العلوم والحكم ١/ ٤٣٠.
[ ٤٤٥ ]
والقول بأن الأعمال الصالحة تكفر الصغائر والكبائر هو قول ابن حزم الظاهري، ورجحه ابن تيمية، وأجاب على من قيدها بالكبائر بخمسة وجوه حيث قال: (أحدها: أن هذا الشرط - يعني ما اجتنبت الكبائر - جاء في الفرائض، كالصلوات الخمس، والجمعة، وصيام شهر رمضان، وذلك أن الله تعالى يقول: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [النساء:٣١]، فالفرائض مع ترك الكبائر مقتضية لتكفير السيئات، وأما الأعمال الزائدة من التطوعات فلا بد أن يكون لها ثواب آخر؛ فإن الله سبحانه يقول: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾ [الزلزلة:٧ - ٨].
الثاني: أنه قد جاء التصريح في كثير من الأحاديث بأن المغفرة تكون مع الكبائر، كما في قوله - ﷺ -: " غفر له وإن كان فر من الزحف " (^١).
وفي الصحيحين من حديث أبي ذر - ﵁ -: " وإن زنى وإن سرق " (^٢).
_________________
(١) أخرجه أبو داود في كتاب الصلاة باب في الاستغفار (١٥١٧)، والترمذي في كتاب الدعوات باب في دعاء الضيف (٣٥٧٧) من حديث زيد بن حارثة - ﵁ -، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود ١/ ٢٨٣.
(٢) أخرجه البخاري في كتاب الجنائز باب ومن كان آخر كلامه: لا إله إلا الله (١٢٣٧)، ومسلم في كتاب الإيمان باب من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة ومن مات مشركا دخل النار (٩٤).
[ ٤٤٦ ]
الثالث: أن قوله لأهل بدر ونحوهم: " اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم " (^١) إن حُمل على الصغائر، أو على المغفرة مع التوبة لم يكن فرق بينهم وبين غيرهم، فكما لا يجوز حمل الحديث على الكفر؛ لما قد عُلم أن الكفر لا يُغفر إلا بالتوبة لا يجوز حمله على الصغائر المكَفَّرة باجتناب الكبائر.
الرابع: أنه قد جاء في غير حديث أن أول ما يحاسب عليه العبد من عمله الصلاة، فإن أكملها وإلا قيل: انظروا هل له من تطوع، فإن كان له تطوع أكملت به الفريضة، ومعلوم أن ذلك النقص المكمل لا يكون لترك مستحب ) إلى أن قال: (الخامس: أن الله لم يجعل شيئًا يحبط جميع الحسنات إلا الكفر، كما أنه لم يجعل شيئًا يحبط جميع السيئات إلا التوبة ) (^٢).
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب الجهاد وسير أعلام النبلاء باب الجاسوس (٣٠٠٧)، ومسلم في كتاب فضائل الصحابة - ﵃ - باب من فضائل أهل بدر - ﵃ - وقصة حاطب بن أبي بلتعة - ﵁ - (٢٤٩٤) من حديث علي - ﵁ -.
(٢) ينظر: مجموع الفتاوى ٧/ ٤٨٩ وما بعدها.
[ ٤٤٧ ]
وبعد هذا يتبين لي قوة القولين، لكن ما أجمل قول ابن رجب في الجمع بين القولين حيث قال: (والأظهر والله أعلم في هذه المسألة أعني مسألة تكفير الكبائر بالأعمال: إن أريد أن الكبائر تمحى بمجرد الإتيان بالفرائض وتقع الكبائر مكفَّرة بذلك كما تكفر الصغائر باجتناب الكبائر فهذا باطل، وإن أريد أنه قد يوازن يوم القيامة بين الكبائر وبين بعض الأعمال فتمحى الكبيرة بما يقابلها من العمل ويسقط العمل فلا يبقى له ثواب فهذا قد يقع) إلى أن قال: (وظاهر هذا أنه يقع المقاصة بين الحسنات والسيئات ثم يسقط الحسنات المقابلة للسيئات وينظر إلى ما يفضل منها بعد المقاصة وهذا يوافق قول من قال بأن من رجحت حسناته على سيئاته بحسنة واحدة أثيب بتلك الحسنة خاصة، وتسقط باقي حسناته في مقابلة سيئاته، خلافًا لمن قال: يثاب بالجميع وتسقط سيئاته كأنها لم تكن، وهذا في الكبائر أما الصغائر فإنه قد تمحى بالأعمال الصالحة مع بقاء ثوابها) (^١).
وقال الطبري في تفسير قوله تعالى: ﴿إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ [الأنفال:٢٩]: (يمحو عنكم ما سلف من ذنوبكم بينكم وبينه ويغطيها فيسترها عليكم، فلا يؤاخذكم بها) (^٢).
وقال ابن كثير عندها: (فإن من اتقى الله بفعل أوامره وترك زواجره، وفِّق لمعرفة الحق من الباطل، فكان ذلك سبب نصره ونجاته ومخرجه من أمور الدنيا، وسعادته يوم القيامة. - وتكفيرُ ذنوبه وهو محوها، وغفرُها: سترها - سببًا لنيل ثواب الله الجزيل ..) (^٣) والله أعلم.
_________________
(١) جامع العلوم والحكم ١/ ٤٣٨ - ٤٤٠.
(٢) جامع البيان ١١/ ١٢٧.
(٣) تفسير ابن كثير ٤/ ١٥٧١.
[ ٤٤٨ ]