قال تعالى: ﴿وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ (٧٧)﴾ [الأنبياء:٧٧].
١٠٠/ ١ - قال ابن عقيل: (﴿وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ (٧٧)﴾، أي: على القوم اهـ) (^٢).
الدراسة:
فسر ابن عقيل [من] بـ[على]؛ لأن [نصر] إنما يعدى بـ[على]، وهذا أحد الأقوال في تفسير هذه الآية، وهو قول الجوهري (^٣)، والثعالبي (^٤).
قال ابن قتيبة: (قال الله تعالى: ﴿وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ﴾ [الأنبياء:٧٧]، أي: على القوم) (^٥).
والقول الثاني: أن [من] على معناها الأصلي، وقوله تعالى: ﴿وَنَصَرْنَاهُ﴾ [الأنبياء:٧٧] مضمن معنى آخر، وهو قول النسفي (^٦)، وابن كثير (^٧).
_________________
(١) البرهان ٤/ ٣٠٣.
(٢) الواضح ١/ ١٢٢.
(٣) الصحاح ٥/ ١٧٧٠.
(٤) تفسير الثعالبي ٣/ ٥٩، وهو أبو زيد عبدالرحمن بن محمد بن مخلوف الثعالبي الجزائري المالكي، من تصانيفه: الجواهر الحسان في تفسير القرآن، والذهب الإبريز في غريب القرآن العزيز، مات سنة ٨٧٥ هـ، له ترجمة في: طبقات الأدنه وي ص ٣٤٢، الأعلام ٣/ ٣٣١.
(٥) تأويل مشكل القرآن ص ٣٠٢.
(٦) تفسير النسفي ٣/ ٨٥.
(٧) تفسير ابن كثير ٥/ ٢٣٢٦.
[ ٣٥٨ ]
قال ابن تيمية: (قوله: ﴿وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ [الأنبياء:٧٧]، ضمن معنى: نجيناه وخلصناه، وكذلك قوله: ﴿يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾ [الإنسان:٦]، ضمن: يروى بها، ونظائره كثيرة) (^١).
وكلا القولين صحيح؛ لأن الجميع قالوا بالتضمين في الآية (^٢)، فأصحاب القول الأول ضمنوا [من] معنى [على]، وأصحاب القول الثاني ضمنوا [النصر] معنى يناسب تعديته بـ[من] كالإنجاء والتخليص ونحوها، وليس أحد التضمينين بأولى من الآخر.
ولذا لم أجد من جزم بترجيح أحد القولين، بل جمع الطبري بينهما حيث قال: (يقول: ونصرنا نوحًا على القوم الذين كذبوا بحججنا وأدلتنا، فأنجيناه منهم، فأغرقناهم أجمعين) (^٣).
والذي عليه أكثر المفسرين وغيرهم: ذكر القولين دون ميل لأحدهما مما يدل على تساويهما (^٤).
قال السمرقندي: (﴿وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ﴾ [الأنبياء:٧٧]، أي: على القوم الذين كذبوا بآياتنا، يعني: كذبوا نوحًا بما أنذرهم من الغرق، ويقال: نصرناه من القوم، أي: نجيناه من القوم الذين كذبوا بآياتنا) (^٥).
وقال ابن الجوزي: (قوله تعالى: ﴿وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ﴾ [الأنبياء:٧٧]، أي: منعناه منهم أن يصلوا إليه بسوء، وقيل [من] بمعنى [على]) (^٦).
_________________
(١) مجموع الفتاوى ١٣/ ٣٤٢.
(٢) وهو أسلوب بلاغي معروف عند العرب، بأن يُشربوا لفظًا معنى لفظ فيعطونه حكمه، وفائدته: أن تؤدي الكلمة معنى كلمتين، ينظر: مغني اللبيب ص ٦٤٨.
(٣) جامع البيان ١٦/ ٣١٩.
(٤) ينظر مثلًا: الجامع لأحكام القرآن ١١/ ٣٠٦، مغني اللبيب ص ٣١٦، لسان العرب ١٣/ ٤٢١، تفسير الثعالبي ٣/ ٥٩، أضواء البيان ٣/ ٧٧.
(٥) تفسير السمرقندي ٢/ ٤٣٣.
(٦) زاد المسير ٥/ ٢٧٢.
[ ٣٥٩ ]
وقال الزركشي: (﴿وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ﴾ [الأنبياء:٧٧]، أي: على القوم، وقيل: على التضمين، أي: منعناه منهم بالنصر) (^١).
وحكى الآلوسي قولًا يؤيد ما ذكرت وهو: (أن النصر يتعدى بـ[على]، و[من]؛ ففي الأساس نَصَرَه الله تعالى على عدوه، ونَصَرَه من عدوه، وفُرِّق بينهما: بأن المتعدي بـ[على]: يدل على مجرد الإعانة، والمتعدي بـ[من]: يدل على استتباع ذلك للانتقام من العدو والانتصار) (^٢).
وقال الزمخشري: (هو نَصَرَ الذي مُطاوِعُه انتصر) (^٣).
وبهذا يتبين أن لا خلاف في الآية بين القولين؛ بل كل ما ذكر فيها يصح تفسيرها به، ومن قواعد التفسير: أنه إذا احتمل لفظ الآية معاني عدة ولم يمتنع إرادة الجميع حُمِل عليها (^٤). والله أعلم.
قال تعالى: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ (٧٨)﴾ [الأنبياء:٧٨].
١٠١/ ٢ - قال ابن عقيل: (﴿وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ (٧٨)﴾ [الأنبياء:٧٨]، إنما أراد به: حكم الأنبياء كلهم، ويحتمل: أنه أراد داود وسليمان والمحكوم له اهـ) (^٥).
_________________
(١) البرهان ٤/ ٤٢٠.
(٢) روح المعاني ١٧/ ٧٣، ومثله ذكر الشوكاني في فتح القدير ٣/ ٥١٦.
(٣) الكشاف ٣/ ١٢٨، ومثله قال ابن جزي في التسهيل ٢/ ٤٠.
(٤) ينظر: قواعد التفسير ٢/ ٨٠٧.
(٥) الواضح ٣/ ٤٣٠.
[ ٣٦٠ ]
الدراسة:
جاء في بداية الآية ذكر داود وسليمان حيث يقول تعالى: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ﴾، ثم ختمت بالجمع في قوله جل وعلا: ﴿لِحُكْمِهِمْ﴾ [الأنبياء:٧٨] فقال بعض العلماء في الآية دليل على أن أقل الجمع اثنان (^١)، ومنهم الفراء (^٢)، وقد سبق بيان الخلاف في هذه المسألة عند قوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ [النساء:١١] (^٣)، وترجح لي خلافه.
والإجابة عن هذا الاستدلال بما ذكر ابن عقيل وغيره فيُقال:
أولًا: هذا ليس صريحًا في كون أقل الجمع اثنان، ومن الاحتمالات عليه:
١ - أن يكون المراد حكم الأنبياء كلهم.
٢ - أن يكون المراد داود وسليمان والمحكوم له؛ لأن ذكر الحاكمين يتضمن ذكر المحكوم له (^٤).
٣ - أن يكون المراد: الحكم المشروع لأمة داود، كما يقال: هذا حكم المسلمين، يريد به: الحكم المشروع لهم (^٥).
_________________
(١) وهذه مسألة أصولية تراجع في مظانها: العدة ٢/ ٦٤٩، المسودة ص ١٤٩، الإحكام للآمدي ٢/ ٢٢٦، التمهيد لأبي الخطاب ٢/ ٥٩.
(٢) معاني القرآن ٢/ ٢٠٨، وينظر: الجامع لأحكام القرآن ١١/ ٣٠٧، الجلالين ص ٣٢٨.
(٣) ينظر: ص ١٧٢ من هذا البحث.
(٤) ينظر: الواضح ٣/ ٤٣٠، زاد المسير ٥/ ٢٧٣، تفسير البيضاوي ٤/ ١٠٢، الجامع لأحكام القرآن ١١/ ٣٠٧، روح المعاني ١٧/ ٧٤.
(٥) ينظر: العدة ٢/ ٦٥٥.
[ ٣٦١ ]
٤ - أن يكون الجمع على سبيل التفخيم والتعظيم، كما قال تعالى: ﴿وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ (٧٨)﴾ [الأنبياء:٧٨]، وهو واحد سبحانه لا شريك له، وقال: ﴿مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ﴾ [النور:٢٦]، وأراد به عائشة ﵂ وصفوان بن المعطل (^١)، قال ابن العربي: (قد ينطلق لفظ الجماعة على الواحد، تقول العرب: نحن فعلنا، وتريد القائل لنفسه خاصة) (^٢). وإذا دخل الدليل الاحتمال بطل فيه الاستدلال.
ثانيًا: على فرض صحة الدلالة لما جاء في بعض النصوص من إطلاق الجمع على الاثنين؛ فإنما هو بدلالة أخرى غير اللفظ؛ ولو كان الاثنان جمعًا في اللغة لما احتاج النبي - ﷺ - إلى بيان جماعة الصلاة بقوله - ﷺ -: " اثنان فما فوقهما جماعة " (^٣)، وإنما حُجبت الأم بالأخوين مع أن نص الآية: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ [النساء:١١] لإجماع الصحابة على ذلك (^٤).
وأيضًا فإن أهل اللغة فرقوا بين الواحد والاثنين والجمع فقالوا: رجل ورجلان ورجال، وجعلوا للإفراد بابًا، وللتثنية بابًا، وللجمع بابًا، ولو كان الاثنين جمعًا كالثلاثة، لقالوا في الاثنين: رجال، كما قالوا: رجال في الثلاثة (^٥).
فإذا قامت الدلالة على إرادة الاثنين بلفظ الجمع فلا خلاف في قبول ذلك عند الجميع، وإذا كان اللفظ بالجمع المطلق فالأكثر على أن المراد الثلاثة فما فوقها.
_________________
(١) ينظر: تأويل مشكل القرآن ص ١٧٣.
(٢) أحكام القرآن ١/ ٤٤١، البرهان ٤/ ٣٢.
(٣) سبق تخريجه، ينظر: ص ١٧٤.
(٤) ينظر: العدة ٢/ ٦٥١.
(٥) ينظر: ضياء السالك ١/ ٥٧.
[ ٣٦٢ ]
وبعد التأمل في أدلة من قال: أقل الجمع اثنان، لم أجد دليلًا على أنه إذا أُطلق لفظ الجمع المطلق انصرف إلى اثنين، بل كل أدلتهم قامت القرائن ودل السياق على أنه أُريد بلفظ الجمع الاثنين، وهذا ليس محلًا للنزاع فيما ظهر لي، مع إمكان توجيه أدلتهم، كما في الآية التي معنا.
قال ابن عقيل: (ولا خلاف بيننا وبين من خالفنا من أصحاب الشافعي أنه إذا قال: له علي دراهم، أنه يلزمه ثلاثة فصاعدًا، حسب ما يُفَسِّر، ولو فسره بدرهمين؛ لم يقبل، ولو كان أقل الجمع اثنين لقبل منه التفسير بهما) (^١). والله أعلم.
قال تعالى: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ (٧٩)﴾ [الأنبياء: ٧٩].
١٠٢/ ٣ - قال ابن عقيل: (﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾ [الأنبياء:٧٩]، وتخصيص سليمان بالفهم دلالة على أحد أمرين: إما بالسلب للفهم في حق داود، أو إصابة الحق بفهمه دون داود، وإلا سقطت فائدة التخصيص بالتفهيم اهـ) (^٢).
الدراسة:
أشار ابن عقيل إلى أن النص بالتفهيم لسليمان لا بد أن يدل على أحد أمرين: إما نفيه عن داود مطلقًا (^٣)، أو نفيه عنه في هذه المسألة، وإلا سقطت فائدة التخصيص، وهذا خلاف ما عليه العرب.
أقول إن هذه الآية مما اختلف فيها العلماء على قولين:
_________________
(١) الواضح ٣/ ٤٢٩، وينظر: العدة ٢/ ٦٥٢.
(٢) الواضح ٥/ ٣٥٨.
(٣) وهذا لا يقول به ابن عقيل، ولكن من باب السبر والتقسيم لمفهوم النص على التفهيم.
[ ٣٦٣ ]
القول الأول: أن سليمان أصاب الحق في هذه المسألة باجتهاده دون داود مع عدم نفي العلم عنه في غيرها من المسائل، وهذا هو قول ابن عقيل، وهو ما عليه جمهور العلماء (^١).
واستدلوا: بالآية التي معنا، ووجه الاستدلال: تخصيص سليمان بالفهم دون داود.
القول الثاني: أنهما مصيبان جميعًا؛ لأنهما حكما بوحي؛ لكن ما حكم به داود كان منسوخًا، وما حكم به سليمان كان ناسخًا؛ فعلم سليمان النص الناسخ وغاب عن داود (^٢).
واستدلوا: بالآية نفسها، ووجه الاستدلال: أن الله آتى كلًا منهما حكمًا وعلمًا.
والقول الراجح هو قول جمهور العلماء: أن سليمان أصاب باجتهاده وأثنى الله عليه بذلك، أما داود ﵇ فقد اجتهد وأخطأ (^٣)، وذلك لأمور منها:
١ - أن في الآية قرائن تدل على أن حكمهما كان باجتهاد لا بوحي، وأن سليمان أصاب فاستحق الثناء باجتهاده وإصابته، وأن داود لم يصب فاستحق الثناء باجتهاده ولم يستوجب لومًا ولا ذمًا بعدم إصابته، ومنها:
أ/ قوله تعالى: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا﴾ [الأنبياء:٧٩] دليل على أنه فهمها من نصوص ما عنده من الشرع لا أنه نزل عليه وحي جديد ناسخ.
ب/ أن داود لم يفَهَّم هذه المسألة ولو كان حكمه فيها بوحي لكان مفَهَّمًا إياها (^٤).
ج/ أن في سياق الآية دلالة على أن كل واحد منهما حكم بحكم مخالف لحكم الآخر، ولو كان وحيًا لما ساغ الخلاف (^٥).
_________________
(١) ينظر: الواضح ٥/ ٣٥٦، المحرر الوجيز ٤/ ٩١، الجامع لأحكام القرآن ١١/ ٣٠٩.
(٢) ينظر: تفسير السمعاني ٣/ ٣٩٤، روح المعاني ١٧/ ٧٦.
(٣) والمجتهد المخطئ معذور، ولم يُقر على ذلك من الله تعالى.
(٤) ينظر: أضواء البيان ٣/ ١١٥.
(٥) ينظر: زاد المسير ٥/ ٢٧٤، أضواء البيان ٣/ ١١٥.
[ ٣٦٤ ]
٢ - ما قاله ابن عقيل: وهو أن تخصيص سليمان بالفهم لا بد أن يكون له فائدة، وهو دليل على رجحان قول سليمان، ولا يلزم من هذا انتقاص داود فخطأ المجتهد لا يقدح في كونه مجتهدًا، بل هو فضيلة راجعة إلى داود لأن الوالد تسره زيادة ولده عليه، وقد مدحه الله بأن له حكمًا وعلمًا يرجع إليه في غير هذه النازلة (^١).
٣ - أن القول بالنسخ دعوى تحتاج إلى دليل، ولو كان فيه نص ناسخ لحكم لما خفي على نبي تلك الشريعة، والقول به تأويل بعيد (^٢).
٤ - أن الخطأ يجوز على الأنبياء؛ لكن لا يقرون عليه (^٣).
٥ - أن الحق عند الله في واحد من أقوال المجتهدين والباقي باطل وهذا هو مذهب أكثر الفقهاء والأصوليين، وقد اختلف حكم داود وسليمان فلا بد من كون أحدهما أصاب والآخر أخطأ (^٤).
_________________
(١) ينظر: تفسير السمرقندي ٢/ ٤٣٤، الكشاف ٣/ ١٢٩، الجامع لأحكام القرآن ١١/ ٣٠٨، تفسير أبي السعود ٤/ ٣٥٠، تفسير السعدي ٥/ ٢٥٠.
(٢) ينظر: الواضح ٥/ ٣٦٠.
(٣) تفسير السمعاني ٣/ ٣٩٤، معالم التنزيل ٣/ ٢١٤.
(٤) ينظر: الواضح ٥/ ٣٥١، التفسير الكبير ٢٢/ ١٦٩.
[ ٣٦٥ ]
٦ - أن الحاكم قد يصيب الحق وقد يخطئ ولا يلام على خطئه إذا اجتهد وتحرى وإلا تحرج الحكام وتركوا الحكم، وهذا هو ما دلت عليه نصوص الشريعة، ومنها: قوله - ﷺ -: " إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب، فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ، فله أجر " (^١)، وكونه مخطئًا ليس براجع إلى الخطأ في الاجتهاد وإصابة الحق بدليله؛ وإنما يرجع إلى أنه لم يصب حكم الله، كأن يقتطع المحكوم له مال خصمه أو حقه بذلك الحكم؛ لكذب الشهود، أو كون الخصم ألحن بحجته (^٢). ولذا قال الشافعي: (قال الحسن بن أبي الحسن: لولا هذه الآية لرأيت أن الحكام قد هلكوا، ولكن الله حمد هذا لصوابه، وأثنى على هذا باجتهاده) (^٣)، وفي رواية ذكرها القرطبي: (ولكنه تعالى أثنى على سليمان بصوابه، وعذر داود باجتهاده) (^٤).
٧ - أن كثيرًا من أصحاب القول الثاني يرون أن سليمان ﵇ فهم القضية وأفتى بالأرجح لا أن الحكم الأول خطأ، فكلاهما مصيب، ولكن حكم سليمان أولى، وهنا يجتمع القولان ويزول الخلاف (^٥)، قال ابن عطية: (وكثيرًا ما يكون بين الأقوال في هذه المسائل قليل تباين، إلا أن ذلك الشفوف يشَرِّف القول، وكثيرًا ما يبين الفضل بين القولين بأدنى نظر) (^٦). والله أعلم.
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة باب أجر الحاكم إذا اجتهد فأصاب أو أخطأ (٧٣٥٢)، ومسلم في كتاب الأقضية باب بيان أجر الحاكم إذا اجتهد فأصاب أو أخطأ (١٧١٦) من حديث عمرو بن العاص - ﵁ -.
(٢) ينظر: الواضح ٥/ ٣٦٢، المحرر الوجيز ٤/ ٩١، التفسير الكبير ٢٢/ ١٦٩.
(٣) الأم ٧/ ٩٣. وأخرجه البيهقي في كتاب آداب القاضي باب اجتهاد الحاكم فيما يسوغ فيه الاجتهاد وهو من أهل الاجتهاد (٢٠١٥٢).
(٤) الجامع لأحكام القرآن ١١/ ٣٠٩.
(٥) ينظر: الكشاف ٣/ ١٢٩.
(٦) المحرر الوجيز ٤/ ٩٢.
[ ٣٦٦ ]
قال تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ (٩٨)﴾ [الأنبياء: ٩٨].
١٠٣/ ٤ - قال ابن عقيل: (لما نزل قوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء:٩٨] قال ابن الزِّبعرى (^١): لأخصمن محمدًا، فجاء إلى رسول الله - ﷺ - فقال: قد عُبِدت الملائكة، وعُبِد المسيح، أفيدخلون النار؟! فأنزل الله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (١٠١)﴾ [الأنبياء:١٠١] (^٢)، فاحتج بعموم اللفظ، ولم ينكر النبي - ﷺ - تعلقه بذلك، وأنزل الله سبحانه جواب ذلك، مما دل على تخصيصٍ، لا منكرًا لتعلقه، فعلم أن العموم مقتضى هذه الصيغة اهـ) (^٣).
_
الدراسة:
بين ابن عقيل في كلامه على هذه الآية مسألتين:
_________________
(١) هو عبدالله بن الزِّبعرى بن قيس أبو سعد القرشي السهمي الشاعر، كان شديدًا على المسلمين في الجاهلية، أسلم بعد الفتح، واعتذر ومدح النبي - ﷺ -، فقبل منه وعذره وأحسن إليه، له ترجمة في: الإصابة ٤/ ٨٧، طبقات فحول الشعراء ١/ ٢٣٣ وما بعدها.
(٢) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير ١٢/ ١٥٣ (١٢٧٣٩)، والواحدي في أسباب النزول ص ٢٥٢، وذكره الوادعي في المسند الصحيح من أسباب النزول ص ١٣٥، وينظر: مجمع الزوائد ٧/ ٦٩.
(٣) الواضح ٣/ ٣١٤.
[ ٣٦٧ ]
المسألة الأولى: سبب نزول قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (١٠١)﴾ [الأنبياء:١٠١]. وهذا السبب هو ما ذكره عامة المفسرين، ومنهم: الطبري (^١)، والسمرقندي (^٢)، والسمعاني (^٣)، والبغوي (^٤)، وابن عطية (^٥)، وغيرهم (^٦).
المسألة الثانية:
أن صيغة العموم تدل على الاستغراق، بدليل استدلال ابن الزبعرى بعموم اللفظ، ولم ينكر عليه النبي - ﷺ - هذا الفهم؛ بل أنزل الله الآية التي تبين حكم الله فيمن ذكر كعيسى والملائكة، وهذا استدلال صحيح؛ فلا بد لإخراج شيء من لفظ العموم من دليل خاص.
قال الزركشي: (وقوله: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء:٩٨]، ومعلوم أنه لم يرد به المسيح وعزيرًا؛ فنزلت الآية مطلقة اكتفاء بالدلالة الظاهرة على أنه لا يعذبهما الله وكان ذلك بمنزلة الاستثناء باللفظ، فلما قال المشركون: هذا المسيح وعزير قد عُبِدا من دون الله أنزل الله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (١٠١)﴾ [الأنبياء:١٠١]) (^٧).
وقال الرازي: (هب أنه ثبت العموم، لكنه مخصوص بالدلائل العقلية والسمعية في حق الملائكة والمسيح وعزير؛ لبراءتهم من الذنوب والمعاصي، ووعد الله إياهم بكل مكرمة) (^٨).
وذهب بعض العلماء إلى أن الصيغة لا تفيد العموم.
وأجابوا عن سؤال ابن الزبعرى بأجوبة منها:
_________________
(١) جامع البيان ١٦/ ٤١٩.
(٢) تفسير السمرقندي ٢/ ٤٤٢.
(٣) تفسير السمعاني ٣/ ٤١٠.
(٤) معالم التنزيل ٣/ ٢٢٧.
(٥) المحرر الوجيز ٤/ ١٠١.
(٦) ينظر: زاد المسير ٥/ ٢٨٨، التفسير الكبير ٢٢/ ١٩٣، الجامع لأحكام القرآن ١١/ ٣٤٣.
(٧) البرهان ٢/ ١٨٦.
(٨) التفسير الكبير ٢٢/ ١٩٣.
[ ٣٦٨ ]
١ - أن الخطاب لأهل مكة، و[ما] في الآية لغير العاقل فلا يدخل إلا الأصنام التي عبدوها، وفي إدخالها النار زيادة ذل ومهانة لعابديها، فكيف يورد هذا على المسيح والملائكة (^١).
٢ - أن من عبد الملائكة لا يدعي أنهم آلهة؛ لقوله سبحانه: ﴿لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ (٩٩)﴾ [الأنبياء:٩٩] (^٢).
وهذه الأجوبة وإن كانت محتملة في هذه الآية؛ إلا أن بقاء اللفظ العام على عمومه هو الأولى والأقوى والأظهر (^٣) لأمور منها:
١ - أن ابن الزبعرى استدل بـ[ما] في الآية على العموم، وهو حجة في اللغة (^٤).
٢ - أكد ذلك أنه لم ينكر عليه النبي - ﷺ -، بل جاءت الآية الأخرى مبينة لها.
٣ - أن لفظة [ما] وإن كان استعمالها لغير العاقل فقد تستعمل للعاقل، كما قال تعالى: ﴿لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (٢) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٣)﴾ [الكافرون:٢ - ٣].
٤ - أنه على فرض خطأ استدلال ابن الزبعرى كما ذكر بعض العلماء، فلا يمنع من بقاء الاستدلال بالعموم على عمومه، ويكون المانع له في هذا الدليل صوارف غير لفظ العموم. والله تعالى أعلم.
_________________
(١) ينظر: تفسير السمرقندي ٢/ ٤٤٢، تفسير السمعاني ٣/ ٤١٠، معالم التنزيل ٣/ ٢٢٧، تفسير ابن كثير ٥/ ٢٣٤٩.
(٢) ينظر: التفسير الكبير ٢٢/ ١٩٣.
(٣) وهذه مسألة أطال فيها الأصوليون فينظر مثلًا: العدة ٢/ ٤٨٥، الإحكام للآمدي ٢/ ١٨٥، الإحكام لابن حزم ١/ ٣٣٨، شرح الكوكب المنير ٣/ ١٠٨، شرح مختصر روضة الناظر ٢/ ٤٦٥.
(٤) ينظر: العدة ٢/ ٤٩٠.
[ ٣٦٩ ]