قال تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (٢٩)﴾
[التوبة:٢٩].
٦١/ ١ - قال ابن عقيل: (يعنى: حتى يبذلوها، وينزلوا على حكمنا فيها؛ للإجماع بأن السيف يرتفع عنهم قبل العطاء وبعد الإلزام اهـ) (^٧).
_________________
(١) جامع البيان ١٠/ ٤٥٠.
(٢) معاني القرآن ٣/ ٨٢.
(٣) لسان العرب ٩/ ٥.
(٤) ينظر: تفسير السمعاني ٢/ ٢١٧، المفردات ص ٢٤، المحرر الوجيز ٢/ ٤٥٦، التفسير الكبير ١٥/ ١٠، الجامع لأحكام القرآن ٧/ ٢٨٦، أضواء البيان ٣/ ٥٦.
(٥) التفسير الكبير ١٥/ ١٠.
(٦) المحرر الوجيز ٢/ ٤٥٦.
(٧) التذكرة ص ٣٢٤.
[ ٢٦٣ ]
الدراسة:
أشار ابن عقيل إلى أن معنى الإعطاء في الآية الالتزام بإعطاء الجزية، والنزول على حكم المسلمين، وهذان هما الشرطان لجواز عقد الذمة (^١)، وذلك للإجماع بأن القتل يرتفع عنهم بعد الالتزام وقبل العطاء، ولأن العطاء يكون في آخر الحول باتفاق (^٢)، ولقول النبي - ﷺ - في حديث بريدة - ﵁ -: " فسلهم الجزية، فإن هم أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، فإن هم أبوا فاستعن بالله وقاتلهم " (^٣).
قال ابن قدامة: (ولا تعتبر حقيقة الإعطاء، ولا جريان الأحكام، لأن إعطاء الجزية إنما يكون في آخر الحول، والكف عنهم في ابتدائه عند البذل. والمراد بقوله: ﴿حَتَّى يُعْطُوا﴾ [التوبة:٢٩] أي يلتزموا الإعطاء، ويجيبوا إلى بذله، كقول الله تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة:٥]، والمراد به: التزام ذلك دون حقيقته، فإن الزكاة إنما يجب أداؤها عند الحول) (^٤). والله أعلم.
قال تعالى: ﴿يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ (٣٥)﴾ [التوبة:٣٥].
_________________
(١) ينظر: المغني ١٣/ ٢٠٧، المجموع ٢١/ ٣٢٩.
(٢) نقل الاتفاق ابن رشد في بداية المجتهد ص ٣٣٢، وينظر: المجموع ٢١/ ٣٠٢.
(٣) أخرجه مسلم في كتاب السير باب تأمير الإمام الأمراء على البعوث .. (١٧٣١).
(٤) المغني ١٣/ ٢٠٧، وينظر في هذه المسألة: المدونة ١/ ٥٢٩، بدائع الصنائع ٩/ ٤٢٦، المجموع ٢١/ ٣٢٩، ومن التفاسير: أحكام القرآن ١/ ١٥٦، الجامع لأحكام القرآن ٨/ ١١٠، زاد المسير ٣/ ٣١٧، تفسير ابن كثير ٤/ ١٦٤٣.
[ ٢٦٤ ]
٦٢/ ٢ - قال ابن عقيل: (﴿فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ﴾؛ لأن الجبهة تنزوي بالتعبيس في وجه الفقير، والجنب يلوى به عن الفقير، والظهر يُستدبر به الفقير، ولكل عضو من هجران الحقوق حظ؛ فله من الوعيد مثله اهـ) (^١).
الدراسة:
جاء في الحديث الصحيح عن أبي هريرة - ﵁ - قال سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: " ما من صاحب ذهب ولا فضة، لا يؤدي منها حقها إلا إذا كان يوم القيامة صفحت له صفائح من نار، فأحمي عليها في نار جهنم، فيكوى بها جنبه وجبينه وظهره، كلما بردت أعيدت له، في يوم كان مقداره خمسين ألف .. "الحديث (^٢).
وقد التمس العلماء الحكمة من تخصيص هذه الأعضاء، ومن ذلك ما ذكره ابن عقيل في كلامه السابق، وهو من ألطفها، فالجزاء من جنس العمل.
قال الزمخشري: (فإن قلت: لم خصت هذه الأعضاء؟ قلت: لأنهم لم يطلبوا بأموالهم - حيث لم ينفقوها في سبيل الله - إلا الأغراض الدنيوية، ومن وجاهة عند الناس وتقدم، وأن يكون ماء وجوههم مصونًا عندهم، يُتلقون بالجميل، ويُحَيون بالإكرام، ويُبجلون ويُحتَشمون، ومن أكل طيباتٍ يتضلعون منها وينفخون جنوبهم، ومن لبس ناعمةٍ من الثياب يطرحونها على ظهورهم، كما ترى أغنياء زمانك هذه أغراضهم وطلباتهم من أموالهم لا يُخطِرون ببالهم قول رسول الله - ﷺ -: " ذهب أهل الدثور بالأجور " (^٣).
_________________
(١) الفنون ٢/ ٤٧٨.
(٢) أخرجه مسلم في كتاب الزكاة باب إثم مانع الزكاة (٩٨٧).
(٣) أخرجه مسلم في كتاب الزكاة باب بيان أن اسم الصدقة يقع على كل نوع من المعروف (١٠٠٦) من حديث أبي ذر - ﵁ -.
[ ٢٦٥ ]
وقيل: لأنهم كانوا إذا أبصروا الفقير عبسوا، وإذا ضمهم وإياه مجلس ازْوَرُّوا عنه (^١)، وتولوا بأركانهم وولوه ظهورهم.
وقيل: معناه يكون على الجهات الأربع مقاديمهم ومآخيرهم وجنوبهم) (^٢).
وقال ابن عاشور: (والمعنى: تعميم جهات الأجساد بالكي، فإن تلك الجهات متفاوتة ومختلفة في الإحساس بألم الكي، فيحصل مع تعميم الكي إذاقة لأصناف من الآلام، وسُلك في التعبير عن التعميم مسلكُ الإطناب بالتعداد لاستحضار حالة ذلك العقاب الأليم، تهويلًا لشأنه، فلذلك لم يقل: فتكوى بها أجسادهم) (^٣). والله أعلم.
قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ (٤٦)﴾ [التوبة:٤٦].
٦٣/ ٣ - قال ابن عقيل: (قال الله في حق قوم: ﴿وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ (٤٦)﴾ [التوبة:٤٦]، وأبان علة الكراهة، فقال: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٤٧)﴾ [التوبة:٤٧]، فأبان علة عاقبتهم وتثبيطهم عن الخروج لمصلحة جيش رسول الله - ﷺ - لما أراد بجيشه الأصلح اهـ) (^٤).
_________________
(١) الازورار عن الشيء: العدول عنه، ينظر: لسان العرب ٤/ ٣٣٥.
(٢) الكشاف ٢/ ٢٥٦، وينظر في هذه المسألة: تفسير البيضاوي ٣/ ١٤٣، التفسير الكبير ١٦/ ٣٩، تفسير الثعالبي ٢/ ١٢٨، روح المعاني ١٠/ ٨٨.
(٣) التحرير والتنوير ٦/ ١٧٩.
(٤) الواضح ٣/ ٢١٥.
[ ٢٦٦ ]
الدراسة:
أبان ابن عقيل في كلامه على هذه الآية أن الله تعالى كره خروج المنافقين مع الرسول - ﷺ -، والكره عند أهل الحق من صفات الله الحقيقية على ما يليق به سبحانه، ولا تشبه ما يتصف به المخلوق من ذلك، ولا يلزم منها ما يلزم المخلوق (^١).
قال ابن عثيمين: (وفي الآية - يعني قوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ﴾ [التوبة:٤٦]- إثبات أن الله ﷿ يكره، وهذا ثابت في الكتاب والسنة، قال تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء:٢٣] إلى قوله: ﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا (٣٨)﴾ [الإسراء:٣٨] وقال النبي - ﷺ -: " إن الله كره لكم قيل وقال " (^٢)، فالكراهة ثابتة بالكتاب والسنة) (^٣).
وقد بين الله سبب الكراهة في الآية التالية لها، بأنهم لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا فسادًا، ولأسرعوا المشي بينكم بالنميمة والبغضاء والفتنة (^٤)، وفي منعهم وتثبيطهم الحكمة العظيمة: وهي مصلحة جيش النبي - ﷺ -، لما أراد الله له الأصلح، وهذا هو ما عليه جميع المفسرين (^٥).
_________________
(١) ينظر: شرح العقيدة الواسطية لهراس ص ١٠٩.
(٢) أخرجه البخاري في كتاب الاستقراض وأداء الديون باب ما ينهى عن إضاعة المال (٢٤٠٨)، ومسلم في كتاب الأقضية باب النهي عن كثرة المسائل من غير حاجة (١٧١٥) من حديث المغيرة بن شعبة - ﵁ -.
(٣) شرح العقيدة الواسطية له ص ٢٢٧.
(٤) ينظر: تفسير ابن كثير ٤/ ١٦٦٤.
(٥) ينظر: أحكام القرآن للجصاص ٣/ ١٥٥، المحرر الوجيز ٣/ ٤٠، التفسير الكبير ١٦/ ٦٣، الجامع لأحكام القرآن ٨/ ١٥٦.
[ ٢٦٧ ]
قال الطبري: (وكان تثبيط الله إياهم عن الخروج مع رسوله - ﷺ - والمؤمنين به؛ لعلمه بنفاقهم وغشهم للإسلام وأهله، وأنهم لو خرجوا معهم ضروهم ولم ينفعوا) (^١).
وقال ابن كثير: (﴿وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهِ انْبِعَاثَهُمْ﴾ [التوبة:٤٦]، أي: أبغض أن يخرجوا معكم قدرًا ﴿فَثَبَّطَهُمْ﴾، أي: أخرهم، ﴿وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ (٤٦)﴾ [التوبة:٤٦]، أي: قدرًا، ثم بين وجه كراهيته لخروجهم مع المؤمنين فقال: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا﴾ التوبة:٤٧]) (^٢).
وقال ابن أبي العز: (فأخبر سبحانه أنه كره انبعاثهم إلى الغزو مع رسوله، وهو طاعة؛ فلما كرهه منهم، ثبطهم عنه، ثم ذكر سبحانه بعض المفاسد التي تترتب على خروجهم مع رسوله فقال: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا﴾ [التوبة:٤٧]، أي: فسادًا وشرًا) (^٣).
وقال الشنقيطي: (إن الله تعالى سبق في علمه أن المنافقين الذين تخلفوا عن غزوة تبوك، لا يخرجون إليها معه - ﷺ -، والله ثبطهم عنها لحكمة، كما صرح به في قوله: ﴿وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ﴾ الآية [التوبة:٤٦]، وهو يعلم هذا الخروج الذي لا يكون لو وقع كيف يكون، كما صرح به تعالى في قوله: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا﴾ [التوبة:٤٧]) (^٤).
_________________
(١) جامع البيان ١١/ ٤٨٢.
(٢) تفسير ابن كثير ٤/ ١٦٦٤.
(٣) شرح العقيدة الطحاوية ١/ ٣٣٣.
(٤) أضواء البيان ١/ ٣٥٦.
[ ٢٦٨ ]
وقال السعدي: (﴿وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهِ انْبِعَاثَهُمْ﴾ [التوبة:٤٦] معكم في الخروج للغزو ﴿فَثَبَّطَهُمْ﴾ قدَرًا وقضاء، وإن كان قد أمرهم وحثهم على الخروج وجعلهم مقتدرين عليه، ولكن بحكمته ما أراد إعانتهم؛ بل خذلهم ..) إلى أن قال: (ثم ذكر الحكمة في ذلك فقال: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا﴾ [التوبة:٤٧]، أي: نقصًا) (^١). والله أعلم.
قال تعالى: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ (٦٢)﴾ [التوبة:٦٢].
٦٤/ ٤ - قال ابن عقيل: (﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾ ولم يقل يرضوهما وطلب رسول الله - ﷺ - ما ذكره الله في كتابه (^٢)، وهاء الكناية في التثنية والجمع أبلغ من الجمع بالواو اهـ) (^٣).
الدراسة:
للعلماء في إفراد الضمير: ﴿يُرْضُوهُ﴾ [التوبة:٦٢] توجيهات كثيرة، أهمها ثلاثة:
١ - أن الإفراد جاء لتعظيم الله سبحانه.
٢ - أنه في حكم أمر واحد إذ في رضى الله رضى رسوله - ﷺ - (^٤).
_________________
(١) تفسير السعدي ٣/ ٢٤٣.
(٢) يقصد به حديث الخطيب الذي قال: ومن يعصهما، فقال النبي - ﷺ - " بئس الخطيب أنت .. " الحديث أخرجه مسلم في كتاب الجمعة باب تخفيف الصلاة والخطبة (٨٧٠).
(٣) الواضح ٣/ ٣٠٥.
(٤) ينظر: الكشاف ٢/ ٢٧٢، التسهيل ١/ ٣٦٢، تفسير أبي السعود ٣/ ١٦٤.
[ ٢٦٩ ]
٣ - أن الكلام فيه جملتان، حُذف خبر أحدهما لدلالة الثاني عليه (^١)، والتقدير: والله أحق أن يرضوه، ورسوله أحق أن يرضوه.
قال ابن عاشور: (وإنما أفرد الضمير في قوله: ﴿يُرْضُوهُ﴾ [التوبة:٦٢] مع أن المعاد اثنان؛ لأنه أريد عود الضمير إلى أول الاسمين، واعتبار العطف من عطف الجمل بتقدير: والله أحق أن يرضوه ورسوله كذلك ) إلى أن قال: (ومن نكتة ذلك الإشارة إلى التفرقة بين الإرضاءين) (^٢).
٤ - ما ذكره ابن عقيل، وهو أن هاء الكناية في التثنية والجمع أبلغ من الجمع بالواو.
وكل ما ذكر من التوجيهات له حظ من النظر، وهذا من إعجاز القرآن.
قال الرازي: (وأما قوله ﴿يُرْضُوهُ﴾ [التوبة:٦٢] بعد تقدم ذكر الله وذكر الرسول، ففيه وجوه:
الأول: أنه تعالى لا يُذكر مع غيره بالذكر المجمل بل يجب أن يفرد بالذكر تعظيما له.
والثاني: أن المقصود بجميع الطاعات والعبادات هو الله فاقتصر على ذكره
الثالث: يجوز أن يكون المراد يرضوهما فاكتفى بذكر الواحد كقوله:
نَحْنُ بِمَا عِنْدَنَا وَأنْتَ بِمَا عِنْدَكَ رَاضٍ وَالرَّأْيُ مُخْتَلِفُ (^٣)
والرابع: أن العالم بالأسرار والضمائر هو الله تعالى، وإخلاص القلب لا يعلمه إلا الله، فلهذا السبب خص تعالى نفسه بالذكر.
_________________
(١) ينظر: معاني القرآن وإعرابه ٢/ ٤٥٨، معاني القرآن للنحاس ٣/ ٢٢٨، تفسير السمرقندي ٢/ ٦٩، المحرر الوجيز ٣/ ٥٣، الجامع لأحكام القرآن ٨/ ١٩٣.
(٢) التحرير والتنوير ١٠/ ٢٤٥.
(٣) اختُلف في نسبة هذا البيت، والصحيح أنه لعمرو بن امرئ القيس كما نص على ذلك أكثر العلماء، ومنهم البغدادي في: خزانة الأدب ٢/ ١٩٠، وابن منظور في لسان العرب ٥/ ٤٦، ونُسب هذا البيت إلى قيس بن الخَطِيم، ينظر: الكتاب لسيبويه ١/ ٧٥، شرح ابن عقيل ١/ ١٩١، ولم أجده في ديوانه، ولكنه في ملحقاته تحقيق: د. ناصر الدين الأسد ص ١٧٣.
[ ٢٧٠ ]
الخامس: لما وجب أن يكون رضا الرسول مطابقًا لرضا الله تعالى، وامتنع حصول المخالفة بينهما وقع الاكتفاء بذكر أحدهما، كما يقال: إحسان زيد وإجماله نعشني وجبرني.
السادس: التقدير: والله أحق أن يرضوه ورسوله كذلك اهـ) (^١). والله أعلم.
قال تعالى: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (٨٠)﴾ [التوبة:٨٠].
٦٥/ ٥ - قال ابن عقيل: (قال تعالى: ﴿إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [التوبة:٨٠]، فقال النبي - ﷺ -: " والله لأزيدن على السبعين " (^٢)، فعقل أن ما زاد على السبعين بخلافها اهـ) (^٣).
_________________
(١) التفسير الكبير ١٦/ ٩٥.
(٢) أخرجه بهذا اللفظ عبدالرزاق في تفسيره ٢/ ٢٨٤، وأخرجه البخاري في كتاب التفسير باب: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [التوبة:٨٠] (٤٦٧٠) بلفظ: " سأزيده على السبعين " من حديث ابن عمر - ﵁ -.
(٣) الواضح ٣/ ٢٦٩.
[ ٢٧١ ]
الدراسة:
استدل ابن عقيل بهذه الآية على أن النبي - ﷺ - فهم من الآية أن ما زاد على السبعين من الاستغفار جائز، بدليل قوله - ﷺ -: " لأزيدن على السبعين "، وهذا استدلال بمفهوم العدد ودليل الخطاب، وهو حجة شرعية (^١)، لولا أنه جاء في كتاب الله ما يبين المراد في الآية، وهو قوله تعالى: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [المنافقون:٦]، وأن المراد بالسبعين مرة: التكثير، وهذا هو ما ذكره جمهور العلماء (^٢).
قال ابن حجر: (لو لم يقم الدليل على أن المقصود بالسبعين المبالغة لكان الاستدلال بالمفهوم باقيًا) (^٣).
ولفظ السبعين قد جرى عند العرب مجرى المثل للتكثير، والرسول - ﷺ - أبلغ العرب (^٤).
قال الزركشي: (قالوا: المراد بها الكثرة، وخصوص السبعين ليس مرادًا) (^٥).
_________________
(١) ينظر: الواضح ٣/ ٢٦٦، التفسير الكبير ١٦/ ١١٧، فتح الباري ٨/ ٤٢٨.
(٢) ينظر: العدة ٢/ ٤٤٨، تفسير البيضاوي ٤/ ١٦١، معالم التنزيل ٢/ ٢٦٦، البرهان ٤/ ١٢٠، التسهيل ١/ ٣٦٥، شرح الكوكب المنير ٣/ ٥٠٧.
(٣) فتح الباري ٨/ ٤٢٨.
(٤) ينظر: أحكام القرآن للجصاص ٣/ ١٨٥، الكشاف ٢/ ٢٨١، لسان العرب ٨/ ١٤٧، تفسير النسفي ٢/ ١٣٨، شرح الكوكب المنير ٣/ ٥٠٨.
(٥) البرهان في علوم القرآن ٤/ ١٢٠.
[ ٢٧٢ ]
وقال البيضاوي (^١): (وقد شاع استعمال السبعة، والسبعين، والسبعمائة، ونحوها في التكثير؛ لاشتمال السبعة على جملة أقسام العدد، فكأنه العدد بأسره) (^٢).
وعلى فرض صحة ما روي عن النبي - ﷺ - بلفظ الحديث السابق: " لأزيدن " فالجواب:
١ - فيجوز أنه - ﷺ - لم يعلم بَوَاطن المنافقين (^٣).
٢ - ويجوز أنه قصد طلب المغفرة لهم لا لأجل أنه عقل ذلك من النطق، فلم يقل ليُغفر لهم؛ بل إظهارًا لغاية رحمته ورأفته على من بعث إليهم (^٤).
٣ - ويجوز أن يكون من جهة علمه أن هذا المعنى المشترك بين السبعين وما فوقها غير مراد في هذا المقام بخصوصه.
٤ - ويجوز أن لا يكون الفهم من التقييد بالعدد بل من جهة أن الأصل قبول استغفار النبي - ﷺ - وقد تحقق النفي في السبعين فبقي ما فوقها على الأصل.
٥ - أو أنه - ﷺ - إنما نهي عن الاستغفار لهم بعد ذلك (^٥).
_________________
(١) هو أبو سعيد عبدالله بن عمر بن محمد البيضاوي الشيرازي الشافعي قاض ومفسر، صنف: أنوار التنزيل وأسرار التأويل في التفسير، وطوالع الأنوار في العقيدة، مات سنة ٦٨٥ هـ، له ترجمة في: طبقات الداوودي ١/ ٢٤٨، البداية والنهاية ١٧/ ٦٠٦.
(٢) تفسير البيضاوي ٣/ ١٦١، وينظر: لسان العرب ٨/ ١٤٦، فتح القدير ٢/ ٤٩٤.
(٣) ينظر: المحلى ١٣/ ٧٦.
(٤) ينظر: الكشاف ٢/ ٢٨١.
(٥) ينظر: البحر المحيط للزركشي ٥/ ١٧٣.
[ ٢٧٣ ]
وإلا فقد قال الجصاص في لفظ رواية: (" لأزيدن على السبعين " وهذا خطأ من راويه) (^١)، والذي في الصحيح قوله - ﷺ -: " لو أعلم أني لو زدت على السبعين يُغفر له، لزدت عليها " (^٢)، فلم يعلق زيادة الاستغفار بالدليل، وإنما علقه بوجود طريق يعلم به أن الزيادة على السبعين تنفعهم (^٣).
ومما يؤيد ذلك كله:
ما جاء في تمام الآية، حيث قال الله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (٨٠)﴾ [التوبة:٨٠]، فلم يكن النبي - ﷺ - ليسأل المغفرة للكفار مع علمه بأنه لا يغفر لهم، وقد نهي عن ذلك بقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ هُوَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (١١٣)﴾ [التوبة:١١٣]، إلا أن هناك معنى آخر (^٤). والله أعلم.
قال تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٠٤)﴾ [التوبة:١٠٤].
٦٦/ ٦ - قال ابن عقيل: (﴿عَنْ عِبَادِهِ﴾ أي: من عباده اهـ) (^٥).
_________________
(١) أحكام القرآن ٣/ ١٨٥.
(٢) أخرجه البخاري في كتاب الجنائز باب ما يكره من الصلاة على المنافقين والاستغفار للمشركين (١٣٦٦) من حديث عمر - ﵁ -.
(٣) ينظر: الواضح ٣/ ٢٧٤، أحكام القرآن للجصاص ٣/ ١٨٥، المحرر الوجيز ٣/ ٦٤.
(٤) سبقت الإشارة إلى شيء من المعاني المحتملة وإنما هي على فرض صحة رواية: " لأزيدن ".
(٥) الواضح ١/ ١٢٣.
[ ٢٧٤ ]
الدراسة:
مثَّل ابن عقيل لاستعمال [عن] بمعنى [من] بهذه الآية، وهو قول أبي يعلى (^١)، والزمخشري (^٢)، وابن عطية (^٣)، والرازي (^٤)، وابن هشام (^٥)، والزركشي (^٦)، وغيرهم (^٧).
قال الزمخشري: (يقال: قبلت منه الشيء، وقبلته عنه، فمعنى قبلته منه: أخذته منه وجعلته مبدأ قبولي ومنشأه، ومعنى قبلته عنه: عزلته عنه وأبنته عنه) (^٨).
والشاهد على هذا الاستعمال قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا﴾ [الأحقاف:١٦] بدليل قوله تعالى: ﴿فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ﴾ [المائدة:٢٧]، وقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا﴾ [البقرة:١٢٧] (^٩).
والأصل في معنى [عن] هو المجاوزة، ومع هذا المعنى، فهناك معان أخرى كثيرة، تستفاد من خصوصية كل سياق ترد فيه، دون أن يخرج هذا الحرف عن دلالته الأصلية (^١٠).
فإن قيل: فما سبب استعمال [عن] مكان [من]؟.
فالجواب:
_________________
(١) العدة ١/ ٢١٢.
(٢) الكشاف ٤/ ٢٢٧.
(٣) المحرر الوجيز ٥/ ٣٥.
(٤) التفسير الكبير ١٦/ ١٤٨.
(٥) مغني اللبيب ص ١٥٦، وهو عبدالله بن يوسف بن أحمد أبو محمد جمال الدين ابن هشام، من أئمة العربية، له تصانيف كثيرة منها: الإعراب عن قواعد الإعراب، أوضح المسالك إلى ألفية ابن مالك، مغني اللبيب عن كتب الأعاريب، مات سنة ٧٦١ هـ، له ترجمة في: الدرر الكامنة ٣/ ٩٣، شذرات الذهب ٦/ ١٩١.
(٦) البرهان في علوم القرآن ٤/ ٢٨٧.
(٧) ينظر: زاد المسير ٣/ ٣٧٥، معجم حروف المعاني في القرآن الكريم ٢/ ٦٧٦.
(٨) الكشاف ٤/ ٢٢٧.
(٩) ينظر: مغني اللبيب ص ١٥٦.
(١٠) ينظر: مغني اللبيب ص ١٥٦، معجم حروف المعاني في القرآن الكريم ٢/ ٦٦٧، من أسرار حروف الجر في الذكر الحكيم ص ٣٢٥.
[ ٢٧٥ ]
أن في استعمال [عن] في هذا الموضع تضمين الآية معنى العفو والصفح والتجاوز (^١).
أشار إلى هذا السمرقندي بقوله: (قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ﴾ [الشورى:٢٥] حتى يتجاوز عما عملوا قبل التوبة) (^٢).
كما أن في استعمال [عن] إشارة إلى تجاوز المذنب لحدوده، فهو بحاجة إلى استحضار هذا المعنى ليستوفي شروط التوبة فيحصل له القبول (^٣).
وقال أبو حيان: (﴿عَنْ عِبَادِهِ﴾ أي: يزيد الرجوع عن المعاصي) (^٤).
وبتتبع قَبِل وتَقَبَّل في القرآن نجد أنهما تعديا بـ[من] إلا في ثلاثة مواضع كلها في سياق التوبة والتجاوز عن السيئات:
أحدها: آية التوبة التي معنا، وثانيها: قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ (٢٥)﴾ [الشورى:٢٥]، وثالثها: قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا﴾ [الأحقاف:١٦].
فكان من حِكَم اختيارها إفادة معنى زائد لا يوجد عند استعمال [من] في موضعها، فقد أفادت معنى [من] وزادت عليها محو الذنوب وصرفها عنهم فضلًا منه ورحمة، وكأن الله ميز الأعمال الصالحة وعزلها عن الأعمال السيئة، فقبل الطيب منها وتجاوز عن السييء (^٥).
_________________
(١) ينظر: البرهان في علوم القرآن ٣/ ٣٣٩.
(٢) تفسير السمرقندي ٣/ ٢٣١.
(٣) ينظر: التفسير الكبير ١٦/ ١٤٨.
(٤) البحر المحيط ٧/ ٥١٧.
(٥) ينظر: من أسرار حروف الجر في الذكر الحكيم ص ٣٢٥.
[ ٢٧٦ ]
قال تعالى: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١١٧)﴾ [التوبة:١١٧].
٦٧/ ٧ - قال ابن عقيل: (﴿وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ﴾ [التوبة:١١٧]، فلعمري إنها مزية وحجة في البداية بذكرهم، لكن ما أراد به الترتيب بدليل أنه قد روي عن النبي - ﷺ - أنه قال يوم بنيان المسجد وهو يحمل اللبن (^١):
• لا عيش إلا عيش الآخرة فاغفر للأنصار والمهاجرة " (^٢)، ولو عقل منها الترتيب، لما خالف ترتيب القرآن اهـ) (^٣).
الدراسة:
في كلام ابن عقيل مسألتان:
المسألة الأولى:
هل [الواو] تفيد الترتيب أم لا؟.
اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين:
_________________
(١) روي هذا الرجز: وهم يبنون المسجد وكذلك عند حفر الخندق وكلاهما في الصحيح.
(٢) أخرجه البخاري في كتاب الجهاد والسير باب البيعة في الحرب على أن لا يفروا (٢٩٦١) بنحوه، ومسلم في كتاب الجهاد وسير أعلام النبلاء باب غزوة الأحزاب وهي الخندق (١٨٠٥) بلفظه من حديث أنس - ﵁ -.
(٣) الواضح ٣/ ٣٠٧.
[ ٢٧٧ ]
القول الأول: أن الواو لا تفيد الترتيب وهو قول جمهور العلماء (^١)، ورجحه ابن عقيل، واحتجوا بحديث حذيفة - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: " لا تقولوا: ما شاء الله وشاء فلان، ولكن قولوا ما شاء الله، ثم شاء فلان " (^٢)، قالوا فرق النبي - ﷺ - بينهما وأمره بأحدهما ونهاه عن الأخرى، فعلم أن أحدهما يوجب الجمع والآخر الترتيب.
القول الثاني: أنها توجب الترتيب وإليه ذهب بعض أصحاب الشافعي (^٣)، واحتجوا: بما روي عن عدي بن حاتم - ﵁ - أنه قال حينما خطب رجل عند رسول الله - ﷺ - فقال: من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فقد غوى، فقال النبي - ﷺ -: " بئس الخطيب أنت، قل: ومن يعص الله ورسوله " (^٤)، قالوا: يعصهما يفيد الجمع، فالواو تفيد الترتيب لأنه لا يجوز أن يكون المنهي عنه هو المأمور به.
_________________
(١) ينظر: العدة ١/ ١٩٤، رصف المباني ص ٤٧٤، الجنى الداني ص ١٥٨، مغني اللبيب ص ٣٤٣، شرح الكوكب المنير ١/ ٢٢٩.
(٢) أخرجه أبو داود في كتاب الأدب باب لا يقال خبثت نفسي (٤٩٨٠) وأحمد ٥/ ٣٨٤، وصححه الأرنؤوط في تحقيق المسند ٣٨/ ٣٠٠.
(٣) البرهان ١/ ١٨١، البحر المحيط للزركشي ٢/ ٢٥٣، الجنى الداني ص ١٥٩، مغني اللبيب ص ٣٤٣.
(٤) أخرجه مسلم في كتاب الجمعة باب تخفيف الصلاة والخطبة (٨٧٠) من حديث عدي - ﵁ -.
[ ٢٧٨ ]
والقول الصحيح هو ما ذهب إليه جمهور العلماء من أن الواو لمطلق الجمع لا للترتيب فحسب، بمعنى أن الواو تفيد: القدر المشترك بين الترتيب والمعية، فيدخل فيه جميع معاني الواو: المعية والترتيب وعدمه، والفاصل في ذلك حال المقام (^١)، والجواب عما استدلوا به: أنه إنما أمره بذلك لئلا يجمع بين ذكر الله وذكر رسوله في ضمير واحد فهذا هو المنهي عنه، ولهذا قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾ [التوبة:٦٢]، ولم يقل: يرضوهما.
ولأنه لو قال قائل: رأيت زيدًا وعمرًا، لم يفهم منه أنه رأى زيدًا قبل عمرو، ولو كان المفهوم منه الترتيب لوجب إذا رآهما معًا، أو رأى عمرًا قبل زيد أن يكون كاذبًا في خبره، ولكنه يفيد الجميع (^٢).
المسألة الثانية:
أكد ابن عقيل - بقوله: لعمري التي تفيد التأكيد وليس القسم إذ لا يجوز القسم إلا بالله تعالى أو صفاته (^٣) - أن في هذه الآية مزية للمهاجرين في تقديمهم على الأنصار، ولا يلزم من ذلك أن تكون الواو للترتيب، بدليل تقديم النبي - ﷺ - للأنصار في رجزه مع الصحابة - ﵃ - ففهم منه أن الواو ليست للترتيب، ولهذا أشير لمسألة تفاضل الصحابة باختصار فأقول:
_________________
(١) ينظر: الجنى الداني ص ١٥٨، شرح الكوكب المنير ١/ ٢٩.
(٢) ينظر: العدة ١: ١٩٤، الجنى الداني ص ١٥٨، الإتقان ١/ ٣٧٩.
(٣) ينظر: الجامع لأحكام القرآن ١٠/ ٤٠.
[ ٢٧٩ ]
أولًا: أفضل أمة محمد - ﷺ - القرن الأول، ثم الذين يلونهم، كما ثبت عن النبي - ﷺ - أنه قال: " خيركم قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم " (^١)، وجاءت تزكيتهم في القرآن في غير ما موضع، ومنها قوله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٠٠)﴾ [التوبة:١٠٠]، وأجمع على ذلك أهل السنة والجماعة (^٢).
ثانيًا: أن الصحابة - ﵃ - أصناف، ومن أصول أهل السنة والجماعة قبول ما جاء في الكتاب والسنة والإجماع من فضائلهم ومراتبهم؛ فَيُقَدِّمون إجمالًا السابقين الأولين من المهاجرين ثم من الأنصار، ثم أهل بدر، ثم أهل أحد، ثم أهل الثبات في غزوة الأحزاب التي نجم فيها النفاق، ثم أهل بيعة الرضوان، ثم من هاجر من قبل الفتح وقاتل أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلًا وعد الله الحسنى (^٣).
قال شيخ الإسلام: (وتفضيل الجملة على الجملة لا يستلزم تفضيل الأفراد على كل فرد، فإن القرن الثالث والرابع فيهم من هو أفضل من كثير ممن أدرك الصحابة) (^٤).
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب الشهادات باب لا يشهد على شهادة جور إذا أشهد (٢٦٥١)، ومسلم في كتاب فضائل الصحابة باب فضل الصحابة ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم (٢٥٣٥) من حديث عمران بن حصين - ﵁ -.
(٢) ينظر: الصواعق المحرقة ص ٣١٥.
(٣) ينظر: مجموع الفتاوى ٣/ ١٥٢، الصواعق المحرقة ص ٣٢٣، معارج القبول ٣/ ١١٩٦.
(٤) منهاج السنة ٧/ ٢٤٠.
[ ٢٨٠ ]
ثالثًا: أما التفضيل تفصيلًا فهم متفاوتون، والمعروف عن الصحابة والتابعين لهم بإحسان وأئمة الأمة وجماهيرها أن أفضل الصحابة: الخلفاء الأربعة (^١)، وأفضلهم: أبو بكر، ثم عمر (^٢)، وهذا محل اتفاق بين أهل العلم (^٣)، لما جاء من حديث عمرو بن العاص - ﵁ - أنه سأل النبي - ﷺ - فقال: أي الناس أحب إليك؟ قال: " عائشة ". فقلت: من الرجال؟ قال: " أبوها "، فقلت: ثم من؟ فقال: " عمر بن الخطاب " (^٤).
ثم بعد أبي بكر وعمر: عثمان ثم علي - ﵃ - أجمعين. قال ابن أبي العز: (وترتيب الخلفاء الراشدين - ﵃ - أجمعين في الفضل، كترتيبهم في الخلافة) (^٥).
وعن ابن عمر ﵄ أنه قال: (كنا في زمن النبي - ﷺ - لا نعدل بأبي بكر أحدًا، ثم عمر، ثم عثمان، ثم نترك أصحاب النبي الله - ﷺ - لا نفاضل بينهم) (^٦).
_________________
(١) والذي استقر عليه أمر أهل السنة: أن ترتيبهم في الفضل كترتيبهم في الخلافة، ينظر: شرح العقيدة الطحاوية ٢/ ٧٢٧.
(٢) ينظر: مجموع الفتاوى ١١/ ٢٢٢، شرح النووي على مسلم ١٣/ ٥٣٣.
(٣) ينظر: شرح العقيدة الطحاوية ٢/ ٧١٠.
(٤) أخرجه البخاري في كتاب فضائل أصحاب النبي - ﷺ - باب قول النبي - ﷺ -: " لو كنت متخذًا خليلًا " (٣٦٦٢)، ومسلم في كتاب فضائل الصحابة باب من فضائل أبي بكر الصديق - ﵁ - (٢٣٨٤).
(٥) شرح العقيدة الطحاوية ٢/ ٧٢٧.
(٦) أخرجه البخاري في كتاب فضائل أصحاب النبي - ﷺ - باب مناقب عثمان بن عفان - ﵁ - (٣٦٩٨).
[ ٢٨١ ]
ثم أفضل الناس بعد هؤلاء علي وطلحة والزبير وسعد بن أبي وقاص وسعيد بن زيد وعبدالرحمن بن عوف وأبو عبيدة عامر بن الجراح، ثم من صلى القبلتين، ثم عموم من صحب النبي - ﷺ - (^١).
قال محمد بن عبدالوهاب (^٢): (وأومن بأن نبينا محمد - ﷺ - خاتم النبيين والمرسلين، ولا يصح إيمان عبد حتى يؤمن برسالته، ويشهد بنبوته، وأن أفضل أمته أبو بكر الصديق، ثم عمر الفاروق، ثم عثمان ذو النورين، ثم علي المرتضى، ثم بقية العشرة، ثم أهل بدر، ثم أهل الشجرة أهل بيعة الرضوان، ثم سائر الصحابة - ﵃ -) (^٣).
وهذا التفاضل لا ينقص قدر أحد منهم كما قد يرد عند بعض الناس.
قال شيخ الإسلام: (الكلام في تفضيل الصحابة يتقى فيه نقص أحد عن رتبته أو الغض من درجته أو دخول الهوى والفرية في ذلك كما فعلت الرافضة والنواصب الذين يبخسون بعض الصحابة حقوقهم) (^٤). والله أعلم.
قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ (١٢٢)﴾ [التوبة:١٢٢].
_________________
(١) ينظر: شرح السنة للبربهاري ص ٦٨.
(٢) هو الشيخ محمد بن عبدالوهاب بن سليمان التميمي، كان حافظًا ذكيًا فتعلم الكثير وانطلق للدعوة إلى التوحيد ونبذ الشرك، ونفع الله به كثيرًا وفي مصنفاته، ومنها: الأصول الثلاثة، وكتاب التوحيد، وغيرها، مات سنة ١٢٠٦ هـ، له تراجم في عدة مصادر، فلينظر: محمد بن عبدالوهاب مصلح مظلوم ومفترى عليه للأستاذ مسعود الندوي ص ٣٧ وما بعدها.
(٣) مؤلفات الشيخ محمد بن عبدالوهاب ١/ ١٠.
(٤) منهاج السنة ٧/ ٢٥٧.
[ ٢٨٢ ]
٦٨/ ٨ - قال ابن عقيل: (جعل الله تعالى طلب العلم فرضًا على الكفاية بقوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ﴾ [التوبة:١٢٢]، بعد قوله: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً﴾ [التوبة:١٢٢] اهـ) (^١).
الدراسة:
استفاد ابن عقيل من هذه الآية أن طلب العلم فرض على الكفاية، وهو استنباط صحيح (^٢)، ولكنه ليس في كل العلوم بل في نوع منها، فإذا بحثنا عن الحكم الشرعي لطلب العلم وجدنا أنه يختلف باختلاف الحاجة إليه (^٣)، فمنه ما هو فرض، ومنه ما هو محرم، والفرض منه ما هو على الكفاية، ومنه ما هو على الأعيان، وقد نقل ابن عبدالبر الإجماع على أن من العلم ما هو فرض عين، ومنه ما هو فرض كفاية، واختلفوا في تلخيص ذلك (^٤).
فأقسام العلم الشرعي ثلاثة:
القسم الأول: العلوم التي تعلمها فرض عين هي ما لا يسع الإنسان جهله من الفرائض كالشهادتين، والصلاة، وأركان الإسلام وما لا تتم إلا به، والمحرمات التي نص عليها الكتاب، أو السنة، أو أجمعت الأمة على تحريمه.
القسم الثاني: العلوم التي تعلمها فرض كفاية هي ما لا بد للناس منها في إقامة دينهم من العلوم الشرعية، كحفظ القرآن والأحاديث، وعلومهما والأصول، والفقه، واللغة والتصريف، ومعرفة رواة الحديث، والإجماع، والخلاف، وكذلك العلوم التي يُحتاج إليها في قوام أمر الدنيا كالطب، والحساب، والصنائع التي هي سبب قيام مصالح الدنيا كالخياطة، والفلاحة ونحوهما (^٥).
_________________
(١) الواضح ٥/ ٤٥٩.
(٢) جامع بيان العلم وفضله ص ١١.
(٣) ينظر: الآداب الشرعية ٢/ ٣٣.
(٤) ينظر: جامع بيان العلم وفضله ص ١٠.
(٥) ينظر: المجموع ١/ ٥١.
[ ٢٨٣ ]
وحجتهم فيه ما احتج به ابن عقيل وهو قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ﴾ [التوبة:١٢٢]، فألزم النفير في ذلك البعض دون الكل ثم ينصرفون فيعلمون غيرهم (^١).
قال الزمخشري: (﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ﴾ [التوبة:١٢٢] اللام لتأكيد النفي، ومعناه: أن نفير الكافة عن أوطانهم لطلب العلم غير صحيح، ولا ممكن، وفيه: أنه لو صح وأمكن، ولم يؤد إلى مفسدة لوجب التفقه على الكافة) (^٢).
وقال القرطبي: (هذه الآية أصل في وجوب طلب العلم؛ لأن المعنى: وما كان المؤمنون لينفروا كافة، والنبي - ﷺ - مقيم لا ينفر، فيتركوه وحده، فلو لا نفر بعدما علموا أن النفير لا يسع جميعهم من كل فرقة منهم طائفة وتبقى بقيتها مع النبي - ﷺ - ليتحملوا عنه الدين ويتفقهوا، فإذا رجع النافرون إليهم أخبروهم بما سمعوا وعلموهم، وفي هذا إيجاب التفقه في الكتاب والسنة، وأنه على الكفاية دون الأعيان) (^٣).
القسم الثالث: العلوم التي تعلمها على الاستحباب، كالتبحر في أصول الأدلة والإمعان فيما وراء القدر الذي يحصل به فرض الكفاية.
_________________
(١) ينظر: جامع بيان العلم وفضله ص ١١.
(٢) الكشاف ٢/ ٣٠٨.
(٣) الجامع لأحكام القرآن ٨/ ٢٩٣، وينظر: التسهيل ١/ ٣٧٣، روح المعاني ١١/ ٥٦.
[ ٢٨٤ ]
هذه أقسام العلم الشرعي، ومن العلوم الخارجة عنه ما هو محرم كتعلم السحر، ومنه ما هو مكروه كأشعار الغزل، ومنه ما هو مباح كالأشعار التي ليس فيها ما يعين على خير ولا شر (^١)، وبهذا فقد حوى العلم جميع الأحكام التكليفية على حسب نوع العلم. والله أعلم.
سورة يونس
قال تعالى: ﴿وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ (٤٦)﴾ [يونس:٤٦].
٦٩/ ١ - قال ابن عقيل: (﴿فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ (٤٦)﴾ بمعنى: والله شهيد على فعلهم حال فعلهم لا مرتبًا على فعلهم، ويحتمل أن تكون على أصلها للتراخي بكون شهود الباري متراخيًا عن وفاته - ﷺ -؛ فإنه قال: ﴿أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ (٤٦)﴾ [يونس:٤٦] اهـ) (^٢).
_
الدراسة:
في كلام ابن عقيل مسألتان:
المسألة الأولى:
أن [ثم] حرف عطف يفيد الترتيب، ويقتضي تأخر ما بعده عما قبله (^٣)؛ إما تأخيرًا بالذات أو بالمرتبة أو بالوضع (^٤)، وهذا هو مذهب الجمهور (^٥).
وذهب جماعة من العلماء إلى أن [ثم] بمنزلة [الواو] لا ترتب، تمسكًا بقوله تعالى: ﴿خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ [الزمر:٦] ومعلوم أن هذا الجعل كان قبل الخلق، والجواب على هذا من عدة أوجه:
_________________
(١) ينظر: المجموع ١/ ٥٢، حاشية ابن عابدين ١/ ١٢٧.
(٢) الواضح ١/ ١١٦، ٣/ ٣٠٢.
(٣) ينظر: العدة ١/ ١٩٩، مغني اللبيب ص ١٢٦.
(٤) ينظر: بصائر ذوي التمييز ٢/ ٣٤٤.
(٥) ينظر: الجنى الداني ص ٤٢٦.
[ ٢٨٥ ]
١ - أن العطف على محذوف، أي من نفس واحدة، أنشأها ثم جعل منها زوجها.
٢ - أن العطف على: ﴿وَاحِدَةٍ﴾ [الزمر:٦] على تأويلها بالفعل، أي: من نفس توحدت، أي: انفردت، ثم جعل منها زوجها.
٣ - أن الذرية أخرجت من ظهر آدم ﵇ كالذر، ثم خلقت حواء.
٤ - أن حواء من آدم، ولأنه لم تجر العادة بمثله جيء بـ[ثم] إيذانًا بترتبه في الإعجاب، وظهور القدرة، لا لترتيب الزمان وتراخيه.
٥ - أن ثم لترتيب الأخبار لا لترتيب الحكم (^١).
المسألة الثانية:
ذكر ابن عقيل أن [ثم] بمعنى [الواو] في قوله تعالى: ﴿فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ (٤٦)﴾ [يونس:٤٦]، وهذا هو ما فسر به أكثر العلماء (^٢)، قالوا: يتعذر العمل بحقيقة [ثم] لأنه تعالى شهيد على ما يفعلون قبل رجوعهم إليه، كما هو شهيد بعد ذلك فكانت [ثم] بمعنى الواو (^٣).
وذهب جماعة إلى أن [ثم] على بابها، وأشار ابن عقيل إلى احتماله، وهو الأولى لعدة أمور منها:
١ - ما ذكره ابن عقيل، باحتمال كون الشهادة بعد وفاة النبي - ﷺ - كما في أول الآية.
٢ - أن الأولى البقاء على أصل معنى [ثم]، وهو الترتيب مع التراخي، وسبق أن الترتيب لا يلزم أن يكون في الذوات فقط.
٣ - أنه لا محذور في هذا التفسير.
٤ - إمكان الإجابة على ما ذكروا من لازم تفسيرها على معناها الأصلي (^٤)، وذلك بما يلي:
_________________
(١) مغني اللبيب ص ١٢٧، وينظر: الجنى الداني ص ٤٣٠.
(٢) ينظر: معاني القرآن للفراء ١/ ٤٦٦، تفسير السمعاني ٢/ ٣٨٧، معالم التنزيل ٢/ ٣٠٠.
(٣) ينظر: كشف الأسرار ٢/ ١٣٣، أصول الفقه الإسلامي ١/ ٣٨٦.
(٤) ومثلها الآية السابقة التي تمت الإجابة عليها.
[ ٢٨٦ ]
• أنه لا ينفي شهادة الله تعالى قبل رجوعهم، فإن [ثم] قد تفيد الاستمرار والبقاء، كما في قوله تعالى: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى (٨٢)﴾ [طه:٨٢]، أي: بقي على ذلك الهدى من التوبة والإيمان والعمل الصالح (^١).
• أن [ثم] قد تأتي لمجرد الترتيب في الذكر، وذكر الأولى ثم الأولى دون اعتبار الزمن، كما في قول الشاعر:
قُل لِمَن سَادَ ثُمَّ سَادَ أَبُوه قَبْلَهُ ثُمَّ قَبْلَ ذلك جَدُّه (^٢)
فالمقصود ترتيب درجات معالي الممدوح، فابتدأ بسيادته ثم بسيادة أبيه ثم بسيادة جده، لأن سيادة نفسه أخص (^٣).
• ذكر جمع من العلماء أن [ثم] في هذه الآية ذكرت لترتب الأخبار لا لترتيب الوجود (^٤)، وأنه يقال: بلغني ما صنعت اليوم، ثم ما صنعت أمس أعجب. أي ثم أخبرك أن ما صنعت أمس أعجب (^٥).
• أن [ثم] تستعمل في الجمل خاصة، لاستبعاد مضمون ما بعدها عما قبلها، كقوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (١)﴾ [الأنعام:١]، فالإشراك بخالق السماوات والأرض مستبعد، غير مناسب، وهذا المعنى فرع عن التراخي، وهو واقع في الآية التي معنا من الكفار حيث استبعدوا شهادة الله عليهم.
_________________
(١) ينظر: شرح الرضي لكافية ابن الحاجب ٢/ ١٣١٧.
(٢) هذا البيت لأبي نُواس الحسن بن هانئ، في قصيدة يمدح بها العباس بن أبي جعفر، ينظر: شرح ديوانه ١/ ٣٥٥.
(٣) شرح الرضي لكافية ابن الحاجب ٢/ ١٣١٦.
(٤) ينظر: التبيان في إعراب القرآن ١/ ٨٦، المحرر الوجيز ٣/ ١٢٣، البرهان ٤/ ٢٦٦، شرح الكوكب المنير ١/ ٢٣٧.
(٥) ينظر: مغني اللبيب ص ١٢٧.
[ ٢٨٧ ]
• أن يكون هذا من إقامة العلة مقام المعلول فيكون التقدير: ثم نعذبهم لأن الله شهيد عليهم (^١).
• أن تكون الشهادة ذكرت والمراد: مقتضاها ونتيجتها وهو العقاب، كأنه قال: ثم الله معاقب على ما يفعلون، أو بإنطاق جوارحهم (^٢) (^٣). والله أعلم.
قال تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [يونس:٨٧].
٧٠/ ٢ - قال ابن عقيل: (﴿قِبْلَةً﴾: جهة للطاعات ومستقبلًا لله سبحانه في العبادات، ومن كان مأمورًا أن يجعل بيته قبلة، وهو موضع الغفلة ومناخ البطالة، أولى أن يعقل عن الله أن يجعل مواطن العبادات محترمة عن تبديلها بأمور الدنيا، وأرى أهل زماننا جعلوا مساجدهم متاجر وأسواقًا، وجعلوا بيوتهم قبورًا اهـ) (^٤).
__
الدراسة:
أشار ابن عقيل إلى مسألتين:
المسألة الأولى:
المراد بالبيوت، وقد ذكر العلماء أقوالًا فيها تداخل، وسأعرض للخلاف من أقرب طريق:
فأقول:
اختلف العلماء في معنى البيوت على قولين:
_________________
(١) شرح الرضي لكافية ابن الحاجب ٢/ ١٣١٧.
(٢) ينظر: الكشاف ٢/ ٣٣٣، تفسير البيضاوي ٣/ ٢٠١، تفسير أبي السعود ٣/ ٢٤٦، فتح القدير ٢/ ٥٧٢.
(٣) ينظر في الخلاف: زاد المسير ٤/ ٢٨، تفسير النسفي ٢/ ١٦٦، التسهيل ١/ ٣٨٢، روح المعاني ١١/ ١٢٩.
(٤) الفنون ١/ ٢٨٣.
[ ٢٨٨ ]
القول الأول: أنها المساجد، أي: اجعلوا مساجدكم جهة القبلة، وهو مروي عن ابن عباس ومجاهد والضحاك (^١)، وربما حملهم على هذا وقوع قوله: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [يونس:٨٧] بعده، وأن المساجد تسمى بيوتًا كما في قوله جل وعلا: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ [النور:٣٦]، وهذا قول محتمل، ولكنه بعيد؛ لأن الله علم أن بني إسرائيل مفارقون مصر قريبًا بإذنه، وحالة القوم مع فرعون لا تناسب هذا التفسير (^٢).
القول الثاني: أنها بيوت السكنى واختلفوا على قولين:
الأول:
وهو قول ابن عقيل أن المراد: اجعلوا بيوتكم محل صلاتكم وعباداتكم، وهو مروي عن ابن عباس، والنخعي، ومجاهد، والضحاك، وابن زيد (^٣).
الثاني:
أن المراد اجعلوا بيوتكم يقابل بعضها بعضًا، وهو قول سعيد بن جبير (^٤).
والقول الراجح:
هو ما ذكره ابن عقيل بأن المراد: اجعلوا بيوتكم محلًا للطاعة والعبادة؛ وذلك لعدة أمور منها:
١ - أن الأصل في إطلاق لفظ البيوت على بيوت السكنى، ولم يرد دلالة تدل على غير هذا (^٥).
٢ - الحال التي كان عليها بنو إسرائيل من الخوف من فرعون وملئه تجعلهم لا يستطيعون الخروج للمساجد، لقوله تعالى قبلها: ﴿فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ﴾ [يونس:٨٣].
٣ - ما روي عن إبراهيم النخعي أنه قال: (كانوا خائفين، فأمروا أن يصلوا في بيوتهم) (^٦).
_________________
(١) ينظر: جامع البيان ١٢/ ٢٥٨.
(٢) ينظر: الجامع لأحكام القرآن ٨/ ٣٧١، التحرير والتنوير ١١/ ٢٦٥.
(٣) جامع البيان ١٢/ ٢٥٥ وما بعدها، على اختلاف في ألفاظ أقوالهم.
(٤) جامع البيان ١٢/ ٢٦٠.
(٥) ينظر: جامع البيان ١٢/ ٢٦٠، التحرير والتنوير ١١/ ٢٦٥.
(٦) جامع البيان ١٢/ ٢٥٥.
[ ٢٨٩ ]
٤ - أن فرعون أمر بتخريب المساجد؛ فأُمر موسى وأخوه باتخاذ البيوت مساجد لتخفى عن فرعون (^١).
٥ - أن هذا القول هو المناسب للتبوؤ؛ لأن التبوؤ: السكنى (^٢).
وهذا هو ما رجحه الفراء (^٣)، والطبري (^٤)، والواحدي (^٥)، والسعدي (^٦)، وغيرهم (^٧). وقد جاء في شرعنا الأمر بالإكثار من صلاة النافلة في البيوت وأنها أفضل من الصلاة في المساجد، كما جاء عن زيد بن ثابت - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: " أفضل الصلاة صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة " (^٨).
قال الشوكاني (^٩): (الحديث يدل على استحباب فعل صلاة التطوع في البيوت، وأن فعلها فيها أفضل من فعلها في المساجد، ولو كانت المساجد فاضلة كالمسجد الحرام ومسجده - ﷺ - ومسجد بيت المقدس) (^١٠).
_________________
(١) معاني القرآن للفراء ١/ ٤٧٧.
(٢) ينظر: لسان العرب ١/ ٣٨، التحرير والتنوير ١١/ ٢٦٥.
(٣) معاني القرآن ١/ ٤٧٧.
(٤) جامع البيان ١٢/ ٢٦٠.
(٥) الوجيز ١/ ٥٠٦.
(٦) تفسير السعدي ٣/ ٣٨٢.
(٧) ينظر في هذه المسألة: معاني القرآن للنحاس ٣/ ٣١٠، تفسير السمرقندي ٢/ ١٢٨، النكت والعيون ٢/ ٤٤٧، زاد المسير ٤/ ٤٢، الجامع لأحكام القرآن ٨/ ٣٧١، التحرير والتنوير ١١/ ٢٦٥.
(٨) أخرجه البخاري في كتاب الجماعة والإمامة باب صلاة الليل (٧٣١) من حديث زيد بن ثابت - ﵁ -.
(٩) هو محمد بن علي بن محمد الشوكاني أبو عبدالله الصنعاني، فقيه مجتهد، ومن تصانيفه: البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع، فتح القدير، مات سنة ١٢٥٠ هـ، له ترجمة في: البدر الطالع ٢/ ١٠٦، الأعلام ٦/ ٢٩٨.
(١٠) نيل الأوطار ٣/ ٧٤.
[ ٢٩٠ ]
وعن جابر - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: " إذا قضى أحدكم الصلاة في مسجده فليجعل لبيته نصيبًا من صلاته فإن الله جاعل في بيته من صلاته خيرًا " (^١).
وقد بوب البخاري في صحيحه: (باب المساجد في البيوت)، وذكر فيه حديث عتبان بن مالك وهو من أصحاب رسول الله - ﷺ - ممن شهد بدرًا من الأنصار - ﵁ - أنه أتى رسول الله - ﷺ - فقال: يا رسول الله قد أنكرت بصري، وأنا أصلي لقومي، فإذا كانت الأمطار سال الوادي الذي بيني وبينهم لم أستطع أن آتي مسجدهم فأصلي بهم، ووددت يا رسول الله أنك تأتيني فتصلي في بيتي، فأتخذه مصلى، قال: فقال له رسول الله - ﷺ -: " سأفعل إن شاء الله " قال عتبان: فغدا رسول الله - ﷺ - وأبو بكر حين ارتفع النهار، فاستأذن رسول الله - ﷺ -، فأذنت له، فلم يجلس حتى دخل البيت، ثم قال: " أين تحب أن أصلي من بيتك " قال: فأشرت له إلى ناحية من البيت، فقام رسول الله - ﷺ - فكبر، فقمنا فصففنا فصلى ركعتين ثم سلم الحديث (^٢).
المسألة الثانية:
أن المأمور بجعل بيته مكانًا للطاعة أولى أن يَعْقِل ذلك في المساجد.
وهذه لفتة لطيفة من ابن عقيل حيث ذكر أنه رأى في أهل زمانه من جعل المسجد سوقًا، وقد نهى النبي - ﷺ - عن ذلك، ومما جاء في ذلك:
_________________
(١) أخرجه مسلم في كتاب صلاة المسافرين وقصرها باب استحباب صلاة النافلة في بيته وجوازها في المسجد (٧٧٨).
(٢) أخرجه البخاري في كتاب الصلاة باب المساجد في البيوت (٤٢٥)، ومسلم في كتاب المساجد ومواضع الصلاة باب الرخصة في التخلف عن الجماعة بعذر (٣٣) من حديث عتبان - ﵁ -.
[ ٢٩١ ]
حديث أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: " إذا رأيتم من يبيع أو يبتاع في المسجد فقولوا: لا أربح الله تجارتك، وإذا رأيتم من ينشد فيه ضالة، فقولوا: لا رد الله عليك " (^١).
وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ -: " نهى عن الشراء والبيع في المسجد " (^٢).
وعن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: " من سمع رجلًا ينشد ضالة في المسجد فليقل لا ردها الله عليك؛ فإن المساجد لم تبن لهذا " (^٣).
وكذلك رأى ابن عقيل في وقته من جعل بيته قبرًا، وقد جاءت النصوص في النهي عن هذا ومنها قوله - ﷺ -: " لا تجعلوا بيوتكم مقابر، إن الشيطان ينفر من البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة " (^٤).
وقوله - ﷺ -: " اجعلوا من صلاتكم في بيوتكم، ولا تتخذوها قبورًا " (^٥).
_________________
(١) أخرجه الترمذي في كتاب البيوع باب النهي عن البيع في المسجد (١٣٢١)، وقال: حديث حسن غريب، وصححه ابن خزيمة ٢/ ٢٧٤ (١٣٠٥).
(٢) أخرجه أبو داود في كتاب الصلاة باب التحلق يوم الجمعة قبل الصلاة (١٠٧٩)، وصححه ابن خزيمة ٢/ ٢٧٤ (١٣٠٤).
(٣) أخرجه مسلم في كتاب المساجد ومواضع الصلاة باب النهي عن نشد الضالة في المسجد وما يقوله من سمع الناشد (٥٦٨).
(٤) أخرجه مسلم في كتاب صلاة المسافرين وقصرها باب استحباب صلاة النافلة في بيته وجوازها في المسجد (٧٨٠) من حديث أبي هريرة - ﵁ -.
(٥) أخرجه البخاري في كتاب التهجد باب التطوع في البيت (١١٨٧)، ومسلم في كتاب صلاة المسافرين وقصرها باب استحباب صلاة النافلة في بيته وجوازها في المسجد (٧٧٧) من حديث ابن عمر - ﵁ -.
[ ٢٩٢ ]
قال ابن تيمية: (يعني: أن القبور موضع الموتى، فإذا لم تصلوا في بيوتكم ولم تذكروا الله فيها كنتم كالميت، وكانت كالقبور، فإن في الصحيح عن النبي - ﷺ - أنه قال: " مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكر ربه كمثل الحي والميت ". وفي لفظ: " مثل البيت الذي يذكر الله فيه، والذي لا يذكر الله فيه مثل الحي والميت " (^١» (^٢).
ففي مجمل هذه الآية توجيه لمن وقع في ذلك وتنبيه له بأنه قد قصر وخالف وعكس ما أمر به، ولا ريب أن في هذه الفائدة المستنبطة من الآية توجيه لنا أيضًا ولمن بعدنا فقد زاد في وقتنا أضعافًا مما رأى ابن عقيل، والله المستعان.
سورة هود
قال تعالى: ﴿فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٤)﴾ [هود:١٤].
٧١/ ١ - قال ابن عقيل: (﴿فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ﴾ [هود:١٤]، أي: أنزل من علم الله اهـ) (^٣).
_________________
(١) أخرج اللفظ الأول البخاري في كتاب الدعوات باب فضل ذكر الله ﷿ (٦٤٠٧)، وأخرج اللفظ الثاني مسلم في كتاب صلاة المسافرين وقصرها باب استحباب صلاة النافلة في بيته وجوازها في المسجد (٧٧٩) كلاهما من حديث أبي موسى - ﵁ -.
(٢) الفتاوى الكبرى ٣/ ٧٣.
(٣) الواضح ١/ ١٢٢.
[ ٢٩٣ ]
الدراسة:
فسر ابن عقيل [الباء] في الآية بمعنى [من]، وهو مستعمل في العربية، تقول العرب: شربت بماء كذا، أي من ماء كذا (^١)، وكقوله تعالى: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾ [الإنسان:٦]، أي منها (^٢).
وفي معنى الآية قولان:
أحدهما: أنزله وهو عالم بإنزاله، وعالم بأنه حق من عنده (^٣).
والثاني: أَنزله فيه عِلْمُه الذي لا يعلمه البشر عما سلف وما سيكون، مما لم يقرأ به النبي - ﷺ - كتابًا ليدل على أنه من عند الله (^٤).
أما الأول: وإن كان محتملًا؛ فبعيد؛ لأنه لا يضيف معنى جديدًا أن ينزله الله وهو يعلمه.
ويبقى الثاني هو الأرجح: وهو قول جمهور العلماء.
قال شيخ الإسلام: (وليس معنى مجرد كونه أنزله: أنه هو معلوم له؛ فإن جميع الأشياء معلومة له، وليس في ذلك ما يدل على أنها حق، لكن المعنى: أنزله فيه علمه كما يقال: فلان يتكلم بعلم، ويقول بعلم، فهو سبحانه أنزله بعلمه كما قال: ﴿قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الفرقان:٦]) (^٥).
_________________
(١) ينظر: لسان العرب ١/ ٤٨٧.
(٢) على رأي الكوفيين، ينظر: تأويل مشكل القرآن ص ٣٠٢، العدة ١/ ٢١١، مغني اللبيب ص ١١٤. وقيل: الباء صلة، ينظر: المحرر الوجيز ٥/ ٤١٠. وقيل: على معناها الأصلي والفعل يشرب مضمن معنى آخر وهو مذهب البصريين، بمعنى: يروى أو يتلذذ بها عباد الله، وهذا أمتن في اللغة، وأعمق في البلاغة، ينظر: الجامع لأحكام القرآن ١٩/ ١٢٦، مغني اللبيب ص ١١٤، وينظر: ص ٥٥١.
(٣) ينظر: الوجيز ١/ ٥١٥.
(٤) ينظر: معاني القرآن وإعرابه ٣/ ٤٢، الصواعق المرسلة ٣/ ٨٧٧، فتح القدير ٢/ ٦١٩.
(٥) مجموع الفتاوى ١٤/ ١٩٦.
[ ٢٩٤ ]
ثم إن الجمهور اختلفوا: فبعضهم يفسر [الباء] بـ[من] (^١)، أي: إنما أنزل من علم الله، وبهذا فسرها ابن عقيل.
قال شيخ الإسلام: (وقوله: ﴿أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ [النساء:١٦٦]، قال الزجاج: أنزله وفيه علمه، وقال أبو سليمان الدمشقي: أنزله من علمه، وهكذا ذكر غيرهما، وهذا المعنى مأثور عن السلف) (^٢).
وبعضهم يفسر [الباء] بمعناها الأصلي: وهو الإلصاق (^٣)، وهو أقرب للصواب، وأقوى في الدلالة؛ فيكون المعنى: أنزله وفيه علمه (^٤).
قال ابن القيم: (وقال تعالى: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ [النساء:١٦٦]، أي: أنزله وفيه علم لا يعلمه البشر، فالباء للمصاحبة، مثل قوله: ﴿فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ﴾ [هود:١٤]، أي: أنزل وفيه علم الله، وذلك من أعظم البراهين على صحة نبوة من جاء به، ولم يصنع شيئًا من قال: إن المعنى أنزله وهو يعلمه، وهذا وإن كان حقًا فإن الله يعلم كل شيء، فليس في ذلك دليل وبرهان على صحة الدعوى، فإن الله يعلم الحق والباطل، بخلاف ما إذا كان المعنى أنزله متضمنًا لعلمه الذي لا يعلمه غيره إلا من أطلعه عليه وأعلمه به) (^٥). والله أعلم.
قال تعالى: ﴿وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ (٤٥)﴾ [هود:٤٥].
_________________
(١) ينظر: العدة ١/ ٢١٢، تفسير السمرقندي ٢/ ١٤١، المصباح المنير في غريب الشرح الكبير ص ٥٥.
(٢) مجموع الفتاوى ١٦/ ٤٦٤.
(٣) ينظر: رصف المباني ص ٢٢٢، الجنى الداني ص ٤٦.
(٤) ينظر: الكشاف ٢/ ٣٦٤، تفسير البيضاوي ٣/ ٢٢٥، معالم التنزيل ٢/ ٣١٧، تفسير النسفي ٢/ ١٨٢، روح المعاني ١٢/ ٢١.
(٥) الصواعق المرسلة ٣/ ٨٧٧.
[ ٢٩٥ ]
٧٢/ ٢ - قال ابن عقيل: (قوله تعالى: ﴿وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ﴾ [هود:٤٥] تمسكًا بقوله تعالى: ﴿فَاسْلُكْ فِيهَا﴾ [المؤمنون:٢٧]، وقوله: ﴿قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلَّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ﴾ [هود:٤٠] فأجابه الباري سبحانه عن ذلك جواب تخصيص لا جواب نكير عليه ما تعلق به العموم، فقال: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾ [هود:٤٦]، فدل على أن اللفظة عموم، ولولا دليل أخرج ابنه من أهله؛ لكان داخلًا تحت اللفظ اهـ) (^١).
_
الدراسة:
استدل ابن عقيل بالآية على أن صيغة العموم تدل على شمول الجنس الذي أطلقت عليه، وهذا قول جمهور الفقهاء والأصوليين (^٢)، ووجه الاستدلال: أن نوحًا ﵇ دعا ربه نجاة ابنه إتمامًا لوعده بنجاة أهله، فأجابه الباري جواب تخصيص لا نكير، إنه ليس ممن وعدت بنجاتهم لأنه ممن سبق عليهم القول، وكانت أعماله غير صالحة، فدل على صحة استدلاله بالعموم، ولولا أن الدليل أخرج ابنه، لكان داخلًا في عموم أهله.
وبهذا المعنى فسرها عامة المفسرين.
_________________
(١) الواضح ٣/ ٣١٤.
(٢) ينظر تفصيل المسألة والموافقة في الاستدلال: العدة ٢/ ٤٨٥، شرح الكوكب المنير ٣/ ١٠٨.
[ ٢٩٦ ]
قال السمعاني: (قوله ﷾: ﴿وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ (٤٥)﴾ [هود:٤٥]، يعني: أنت وعدتني أن تنجي أهلي، وأنت أحكم الحاكمين، يعني: وأنت أحكم الحاكمين بالعدل، قال الله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ [هود:٤٦]، معناه: ليس من أهلك الذين وعدتك أن أنجيهم) (^١).
وقال ابن كثير: (هذا سؤال استعلام وكشف من نوح ﵇ عن حال ولده الذي غرق، ﴿فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي﴾ [هود:٤٥]، أي: وقد وعدتني بنجاة أهلي، ووعدك الحق الذي لا يخلف؛ فكيف غرق وأنت أحكم الحاكمين، ﴿قَالَ يَانُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ [هود:٤٦] أي: الذين وعدت إنجاءهم؛ لأني إنما وعدتك بنجاة من آمن من أهلك، ولهذا قال: ﴿وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ﴾ [هود:٤٠]) (^٢). والله أعلم.
قال تعالى: ﴿قَالُوا يَاشُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ﴾ [هود:٩١].
٧٣/ ٣ - قال ابن عقيل: (﴿مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا﴾، أي: لا نفهم اهـ) (^٣).
الدراسة:
فسر ابن عقيل الفقه: بالفهم، وهذا هو ما فسره به جمع من المفسرين وغيرهم (^٤).
_________________
(١) تفسير السمعاني ٢/ ٤٣٣، وينظر: الجامع لأحكام القرآن ٩/ ٤٥، فتح القدير ٢/ ٦٤٠.
(٢) تفسير ابن كثير، وينظر: زاد المسير ٤/ ٨٧، تفسير الثعالبي ٢/ ٢٠٧، تفسير السعدي ٣/ ٤٢٧.
(٣) الواضح ١/ ٧.
(٤) ينظر: تفسير البيضاوي ٣/ ٢٥٦، معالم التنزيل ٢/ ٣٣٦، الكشاف ٢/ ٣٩٩، التسهيل ١/ ٤٠٤، لسان العرب ١٣/ ٥٢٢، الجلالين ص ٢٣٢.
[ ٢٩٧ ]
قال السمعاني: (﴿مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ﴾ [هود:٩١]، معناه: ما نفهم) (^١).
وقال الرازي: (يفقهون: يفهمون) (^٢).
وفسره آخرون: بالعلم (^٣).
قال الطبري: (﴿مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ﴾ [هود:٩١]، أي: ما نعلم حقيقة كثير مما تقول) (^٤).
ولا اختلاف بين هذا ولا هذا، فالفقه عند التأمل في مواضع وروده في كتاب الله؛ نجد أنه يستعمل بمعنى الفهم، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء:٤٤] على القول بأن التسبيح: حقيقة وهو الصواب، ويستعمل بمعنى العلم (^٥)، ومنه قوله تعالى: ﴿لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ﴾ [التوبة:١٢٢]، ويستعمل في معنى أخص من العلم والفهم، وهو التوصل إلى علم ما كان غائبًا بعلم شاهد (^٦)، ومنه قوله تعالى: ﴿مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ﴾ [هود:٩١]، وبهذا تنتظم الأقوال، وعند إطلاق العلماء لواحد منها عند تفسير آية فغالبًا ما يقيده بما يدل على ما ذكرت.
ولذا فسر بعضهم الآية التي معنا بقولهم: لا نعقل ما تقول (^٧).
قال ابن كثير: (﴿مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ﴾ [هود:٩١]، أي: ما نفهم ولا نعقل كثيرًا من قولك) (^٨).
وقال ابن عطية: (ومعنى: ما نفقه ما تقول، أي: ما نفقه صحة قولك، وأما فقههم لفظه ومعناه فمتحصل) (^٩).
_________________
(١) تفسير السمعاني ٢/ ٤٥٣.
(٢) تفسير غريب القرآن ص ٥٢٦.
(٣) الواضح ١/ ٧.
(٤) ينظر: جامع البيان ١٢/ ٥٥٢.
(٥) ينظر: معجم مقاييس اللغة ٤/ ٤٤٢، المفردات ص ٤٣٠، تفسير غريب القرآن ص ٥٢٦.
(٦) ينظر: المفردات ص ٤٣٠، وينظر: بصائر ذوي التمييز ٤/ ٢١٠.
(٧) ينظر: تفسير السمرقندي ٢/ ١٦٧.
(٨) تفسير ابن كثير ٤/ ١٨٠٨.
(٩) المحرر الوجيز ٣/ ٢٠٢، وينظر: تفسير أبي السعود ٣/ ٣٤٥.
[ ٢٩٨ ]
وقال النسفي: (﴿قَالُوا يَاشُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ﴾ [هود:٩١] أي: لا نفهم صحة ما تقول، وإلا فكيف لا يفهم كلامه وهو خطيب الأنبياء) (^١).
وقال الشوكاني: (ولا نفقه ذلك، أي: نفهمه كما نفهم الأمور الحاضرة المشاهدة) (^٢).
ولما لم يُفَصَّل هذا التفصيل ذكر بعض العلماء أجوبة عن عدم فهمهم لكلامه، مع أنه يخاطبهم بلسانهم.
ومنها: قولهم: إن المراد: ما نفهم كثيرًا مما تقول؛ لأنهم كانوا لا يلقون إليه أفهامهم لشدة نفرتهم عن كلامه.
وقول بعضهم: إنهم فهموه بقلوبهم، ولكنهم ما أقاموا له وزنًا فذكروا هذا الكلام على وجه الاستهانة، كما يقول الرجل لصاحبه إذ لم يعبأ بحديثه: ما أدري ما تقول.
وقال بعضهم: إن هذه الدلائل التي ذكرها ما أقنعتهم في صحة التوحيد والنبوة والبعث، وما يجب من ترك الظلم والسرقة فقولهم ما نفقه أي لم نعرف صحة الدلائل التي ذكرتها على صحة هذه المطالب (^٣). والله تعالى أعلم.
قال تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ (١١٤)﴾ [هود:١١٤].
٧٤/ ٤ - قال ابن عقيل: (نزلت في الرجل الذي سأل النبي - ﷺ - عن استمتاعه من المرأة الأجنبية بكل ما يستمتع به الرجل من زوجته إلا الجماع؛ فأنزل الله هذه الآية اهـ) (^٤).
_________________
(١) تفسير النسفي ٢/ ٢٠٢.
(٢) فتح القدير ٢/ ٦٢٢.
(٣) ينظر: التفسير الكبير ١٨/ ٤٠، وينظر: الوجيز ١/ ٥٣١، روح المعاني ١٢/ ١٢٣.
(٤) الواضح ٥/ ٢٦.
[ ٢٩٩ ]
الدراسة:
ذكر ابن عقيل فيمن نزلت هذه الآية، وهو كما قال، فقد روى الشيخان عن ابن مسعود - ﵁ - أن رجلًا أصاب من امرأة قبلة؛ فأتى النبي - ﷺ - فأخبره؛ فأنزل الله: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود:١١٤]، فقال الرجل: ألي هذه؟ قال: " لجميع أمتي كلهم " (^١).
وكلام ابن عقيل يشير إلى ما رواه الترمذي عن معاذ - ﵁ - قال: أتى النبي - ﷺ - رجل، فقال: يا رسول الله أرأيت رجلًا لقي امرأة وليس بينهما معرفة، فليس يأتي الرجل شيئًا إلى امرأته إلا قد أتى هو إليها، إلا أنه لم يجامعها، قال فأنزل الله: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود:١١٤] فأمره أن يتوضأ ويصلي، قال معاذ: فقلت يا رسول الله، أهي له خاصة أم للمؤمنين عامة؟ قال: " بل للمؤمنين عامة " (^٢). والله أعلم.
قال تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ [هود:١١٤].
٧٥/ ٥ - قال ابن عقيل: (﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود:١١٤] قيل في التفسير: الصلوات الخمس يكفرن ما بينهن، والأحاديث في ذلك كثيرة اهـ) (^٣).
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب الصلاة باب الصلاة كفارة (٥٢٥)، ومسلم في كتاب التوبة باب قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود:١١٤] (٢٧٦٣)، وينظر: أسباب النزول ص ٢١٧، لباب النقول ص ١٦٨.
(٢) سبق تخريجه، ينظر: ١٩٥.
(٣) الواضح ٣/ ٢٣.
[ ٣٠٠ ]
الدراسة:
اختلف العلماء في المراد بالحسنات في هذه الآية على قولين:
القول الأول: أنها الصلوات الخمس، وهو قول ابن عقيل، وعليه جمهور العلماء (^١).
قال ابن عطية: (وقوله: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود:١١٤] ذهب جمهور المتأولين من صحابة وتابعين إلى أن الحسنات يراد بها الصلوات الخمس) (^٢).
القول الثاني: أن المراد بالحسنات: قول الرجل سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر وهو مروي عن مجاهد (^٣).
قال ابن عطية: (وهذا كله إنما هو على جهة المثال في الحسنات، ومن أجل أن الصلوات الخمس هي أعظم الأعمال، والذي يظهر أن لفظ الآية لفظ عام في الحسنات) (^٤).
والقول بالعموم قول قوي جدًا إلا أن المرجحات للقول الأول - وهو أن المراد بها الصلوات الخمس - تجعله أقوى وأرجح، ومنها:
١ - سبب النزول (^٥)، وقد سبق ذكره (^٦).
قال القرطبي: (سبب النزول يعضد قول الجمهور) (^٧).
وكما قال شيخ الإسلام: (معرفة سبب نزول القرآن، يعين على فهم الآية) (^٨).
ومن قواعد الترجيح عند المفسرين: قاعدة (إذا صح سبب النزول الصريح فهو مرجح لما وافقه من أوجه التفسير) (^٩).
٢ - كذلك سياق الآيات في أمر الله بإقامة الصلوات؛ حيث يقول تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود:١١٤].
_________________
(١) جامع البيان ١٢/ ٦١٦، زاد المسير ٤/ ١٢٩، الجامع لأحكام القرآن ٩/ ١١٠.
(٢) المحرر الوجيز ٣/ ٢١٢.
(٣) جامع البيان ١٢/ ٦١٦.
(٤) المحرر الوجيز ٣/ ٢١٣.
(٥) ينظر: معاني القرآن للنحاس ٣/ ٣٨٦، أسباب النزول ص ٢١٧، لباب النقول ص ١٦٨.
(٦) ينظر: ص ٣١٤.
(٧) الجامع لأحكام القرآن ٩/ ١١٠.
(٨) مقدمة التفسير ص ٤٥.
(٩) ينظر: قواعد الترجيح عند المفسرين ١/ ٢٤١.
[ ٣٠١ ]
قال الطبري: (فالوعد على إقامتها الجزيلَ من الثواب عقيبها، أولى من الوعد على ما لم يجر له ذكر من سائر صالحات الأعمال) (^١).
٣ - صحة الأخبار عن رسول الله - ﷺ - وتواترها في أن الصلاة مكفرة كما أشار إلى ذلك ابن عقيل، ومنها: حديث عثمان بن عفان - ﵁ - أنه توضأ لهم ثم قال: رأيت رسول الله - ﷺ - يتوضأ وقال: " من توضأ نحو وضوئي هذا، ثم صلى ركعتين لا يحدث فيهما نفسه، غفر له ما تقدم من ذنبه " (^٢). وعن أبي هريرة - ﵁ - عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: " أرأيتم لو أن نهرًا بباب أحدكم يغتسل فيه كل يوم خمسًا، ما تقول ذلك يُبقِي من دَرَنِه؟ " قالوا: لا يُبْقِي من دَرَنِه شيئًا، قال: " فذلك مَثَل الصلوات الخمس يمحو الله بها الخطايا " (^٣).
وعن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - قال: " الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة مكفرات ما بينهن إذا اجتنبت الكبائر " (^٤) (^٥).
_________________
(١) جامع البيان ١٢/ ٦١٧.
(٢) أخرجه البخاري في كتاب الوضوء باب الوضوء ثلاثًا ثلاثًا (١٥٩)، ومسلم في كتاب الطهارة باب صفة الوضوء وكماله (٢٢٦).
(٣) أخرجه البخاري في كتاب مواقيت الصلاة باب الصلوات الخمس كفارة (٥٢٨)، ومسلم في كتاب المساجد ومواضع الصلاة باب المشي إلى الصلاة تمحى به الخطايا وترفع به الدرجات (٦٦٧).
(٤) أخرجه مسلم في كتاب الطهارة باب الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن ما اجتنبت الكبائر (٢٣٣).
(٥) ينظر: مجموع الفتاوى ٧/ ٤٨٩، تفسير ابن كثير ٤/ ١٨١٥.
[ ٣٠٢ ]
٤ - أن جمهور العلماء على ترجيحه (^١)، منهم الطبري حيث قال: (وأولى التأويلين بالصواب في ذلك قول من قال في ذلك: هن الصلوات الخمس) (^٢).
وقال ابن الجوزي: (والأول أصح لأن الجمهور عليه) (^٣). والله أعلم.
سورة يوسف
قال تعالى: ﴿دَخَلَ وَنَحْنُ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٣٦)﴾ [يوسف:٣٦].
٧٦/ ١ - قال ابن عقيل: (﴿إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ [يوسف:٣٦]، يريد به ما يصير خمرًا، وإنما يعصر عصيرًا اهـ) (^٤).
الدراسة:
فسر ابن عقيل العصر بما يُعْصر، وذِكْر الخمر في الآية اعتبارًا لما يؤول إليه العصير.
وهذا قول أكثر المفسرين (^٥)، وإنما كان المعنى كذلك لأن العرب تستعمل هذا في كلامها (^٦)، ومن تسمية الشيء بما يؤول إليه قولهم للمولود: يهنيك الفارس، تفاؤلًا بأن يكون فارسًا (^٧).
وأيدوا كلامهم بقراءة ابن مسعود - ﵁ -: (إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ عِنَبًا) (^٨).
_________________
(١) ينظر: تفسير السمرقندي ٢/ ١٧٤، تفسير السمعاني ٢/ ٤٦٥، معالم التنزيل ٢/ ٣٤١.
(٢) جامع البيان ١٢/ ٦١٧.
(٣) زاد المسير ٤/ ١٢٩.
(٤) الواضح ٢/ ٣٨٥.
(٥) ينظر: زاد المسير ٤/ ١٧١، تفسير البيضاوي ٣/ ٢٨٧، التفسير الكبير ٥/ ٢٤، البحر المحيط لأبي حيان ٥/ ٣٠٨.
(٦) ينظر: لسان العرب ٤/ ٢٥٥، بصائر ذوي التمييز ٤/ ٧١.
(٧) الواضح ٢/ ٣٨٥.
(٨) أخرجه الطبري ١٣/ ١٥٤، وينبغي أن يحمل ذلك على التفسير لمخالفته المتواتر عنه - ﵁ -.
[ ٣٠٣ ]
وذهب بعضهم إلى أن الخمر في لغة أهل عمان: اسم للعنب؛ فيسمون العنب خمرًا، وروي هذا عن الضحاك (^١).
وحكى أكثر المفسرين القولين بلا ترجيح، لأنه لا تعارض بينهما، والتفسير يحتملهما (^٢).
قال البغوي: (﴿إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ [يوسف:٣٦]، أي: عنبًا، سمي العنب خمرًا باسم ما يؤول إليه، كما يقال: فلان يطبخ الآجر (^٣)، أي: يطبخ اللَّبِن للآجر، وقيل: الخمر العنب بلغة عمان) (^٤).
وقال الزمخشري: (﴿أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ [يوسف:٣٦]، يعني: عنبًا، تسمية للعنب بما يؤول إليه، وقيل: الخمر بلغة عمان: اسم للعنب) (^٥).
وقال الكلبي: (﴿أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ [يوسف:٣٦]، قيل فيه: سمى العنب خمرًا بما يؤول إليه، وقيل: هي لغة) (^٦).
ومع كون الآية محتملة لما قيل فيها، وصحته فيها (^٧)، إلا أن القول الأول أظهر، وأقرب كما قال النحاس: (والأول أبينها، وأهل التفسير عليه) (^٨).
وهو أسلوب عربي معروف (^٩).
قال الرازي: (إن العرب تسمي الشيء باسم ما يؤول إليه إذا انكشف المعنى ولم يلتبس، يقولون: فلان يطبخ دبسًا (^١٠)، وهو يطبخ عصيرًا) (^١١). والله أعلم.
_________________
(١) ينظر: جامع البيان ١٣/ ١٥٥.
(٢) ينظر: أحكام القرآن للجصاص ٣/ ٢٢٣، تفسير السمرقندي ٢/ ١٩٢، تفسير السمعاني ٣/ ٣٠، المحرر الوجيز ٣/ ٢٤٣، تفسير النسفي ٢/ ٢٢١، تفسير ابن كثير ٤/ ١٨٤١.
(٣) الآجُرّ: هو الطوب الذي يبنى به، فارسي معرّب، ينظر: مختار الصحاح ص ١٦.
(٤) معالم التنزيل ٢/ ٣٥٧.
(٥) الكشاف ٢/ ٤٤٢.
(٦) التسهيل ١/ ٤١٥.
(٧) ينظر: الجامع لأحكام القرآن ٩/ ١٩٠، النكت والعيون ٣/ ٣٦، البرهان ٢/ ٢٧٩.
(٨) معاني القرآن ٣/ ٤٢٦.
(٩) ينظر: لسان العرب ٤/ ٢٥٥.
(١٠) الدبس: هو ما يسيل من الرطب، ينظر: مختار الصحاح ص ١٨٧.
(١١) التفسير الكبير ١٨/ ١٠٨.
[ ٣٠٤ ]
قال تعالى: ﴿فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ (٧٦)﴾ [يوسف:٧٦].
٧٧/ ٢ - قال ابن عقيل: (﴿كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ﴾، أردنا به وله اهـ) (^١).
الدراسة:
أشير في البداية إلى المعنى اللغوي للكيد فأقول:
قال ابن فارس: (الكاف والياء والدال أصل صحيح يدل على معالجةٍ لشيء بشدة، ثم يتسع الباب، وكله راجع إلى هذا الأصل) (^٢).
وقال ابن منظور: (والكيد: الاحتيال والاجتهاد، وبه سميت الحرب كيدًا) (^٣).
وقال البغوي: (الكيد: إرادة مضرة الغير الخفية، وهو من الخلق الحيلة السيئة، ومن الله التدبير بالحق لمجازاة أعمال الخلق) (^٤).
فالكيد يطلق على المكر والحيلة (^٥)، كما قال تعالى: ﴿فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا﴾ [يوسف:٥]، وقال سبحانه: ﴿فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتَى (٦٠)﴾ [طه:٦٠].
قال الراغب: (الكيد: ضرب من الاحتيال، وقد يكون مذمومًا وممدوحًا، وإن كان يستعمل في المذموم أكثر، وكذلك الاستدراج والمكر، ويكون بعض ذلك محمودًا) (^٦).
وقد فسر السلف الكيد في الآية بالكيد المحمود، وهو ما كان في مقابلة الفاعل بمثل فعله أو أشد، وهنا يكون صفة كمال تليق بالله سبحانه.
_________________
(١) الفنون ٢/ ٦٥٩.
(٢) معجم مقاييس اللغة ٥/ ١٤٩.
(٣) لسان العرب ٣/ ٣٨٣.
(٤) معالم التنزيل ٢/ ٣٧٠، وينظر: التعريفات ص ٢٤١.
(٥) ينظر: بصائر ذوي التمييز ٤/ ٣٩٩.
(٦) المفردات ص ٤٩٥.
[ ٣٠٥ ]
قال ابن كثير: (﴿كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ﴾ [يوسف:٧٦]، وهذا من الكيد المحبوب المراد الذي يحبه الله ويرضاه؛ لما فيه من الحكمة والمصلحة المطلوبة) (^١).
وقال ابن القيم: (المكر: إيصال الشيء إلى الغير بطريق خفي، وكذلك الكيد والمخادعة، ولكنه نوعان: ١ - قبيح: وهو إيصال ذلك لمن لا يستحقه. ٢ - وحسن: وهو إيصاله إلى مستحقه عقوبة له، فالأول مذموم، والثاني ممدوح، والرب تعالى إنما يفعل من ذلك ما يحمد عليه عدلًا منه وحكمة ..) (^٢).
ولوازم قوله تعالى: ﴿كِدْنَا﴾ في هذه الآية كثيرة، ذكرها العلماء، ومنها:
الأول / أردنا به وله، وهو تفسير ابن عقيل، وأشار إليه الزركشي (^٣).
الثاني / احتلنا له، والكيد: الحيلة، ذكره الجصاص وغيره (^٤).
الثالث / صنعنا ليوسف، قاله الطبري، والقرطبي وغيرهما (^٥).
الرابع / دبرنا له، ذكره الماوردي، وابن الجوزي (^٦).
الخامس / علمناه، كما ذكر الزمخشري وغيره (^٧).
_________________
(١) تفسير ابن كثير ٤/ ١٨٥٢، وينظر: تفسير السعدي ٤/ ٤٨.
(٢) أعلام الموقعين ٣/ ١٧١، بدائع التفسير ٢/ ٤٦٠.
(٣) ينظر: البرهان ٤/ ١٣٩.
(٤) ينظر: أحكام القرآن للجصاص ٣/ ٢٢٨، تفسير السمرقندي ٢/ ٢٠٣، تفسير السمعاني ٣/ ٥٢، التفسير الكبير ١٨/ ١٤٥.
(٥) ينظر: جامع البيان ١٣/ ٢٦٣، الجامع لأحكام القرآن ٩/ ٢٣٦، التسهيل ١/ ٤٢٢.
(٦) ينظر: النكت والعيون ٣/ ٦٤، زاد المسير ٤/ ٢٠١.
(٧) ينظر: الكشاف ٢/ ٤٦٣، تفسير البيضاوي ٣/ ٣٠١، تفسير النسفي ٢/ ٢٣٢.
[ ٣٠٦ ]
ونسبة الكيد إلى الله سبحانه من إطلاق الفعل عليه تعالى، والفعل أوسع من الاسم ولهذا أطلق الله على نفسه أفعالًا لم يتسم منها بأسماء الفاعل، كأراد وشاء ولم يسم بالمريد والشائي، وكذا مكر ويمكر، وأكيد كيدًا، ولا يقال الماكر والكائد؛ لأن مسمياتها تنقسم إلى ممدوح ومذموم (^١).
قال ابن تيمية: (وكذلك ما ادعوا أنه مجاز في القرآن كلفظ: المكر والاستهزاء والسخرية المضاف إلى الله، وزعموا أنه مسمى باسم ما يقابله على طريق المجاز، وليس كذلك؛ بل مسميات هذه الأسماء إذا فُعلت بمن لا يستحق العقوبة كانت ظلمًا له، وأما إذا فعلت بمن فعلها بالمجني عليه عقوبة له بمثل فعله كانت عدلًا، كما قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ﴾ [يوسف:٧٦]، فكاد له كما كادت إخوته لما قال له أبوه: ﴿لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا﴾ [يوسف:٥]، وقال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا (١٥) وَأَكِيدُ كَيْدًا (١٦)﴾ [الطارق:١٥ - ١٦] ) (^٢).
وقال أيضًا: (وهكذا وصف نفسه بالمكر والكيد، كما وصف عبده بذلك، فقال: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ﴾ [الأنفال:٣٠]، وقال: ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا (١٥) وَأَكِيدُ كَيْدًا (١٦)﴾ [الطارق:١٥ - ١٦]، وليس المكر كالمكر، ولا الكيد كالكيد) (^٣). والله أعلم.
قال تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (٨٢)﴾ [يوسف:٨٢].
_________________
(١) ينظر: شرح العقيدة الواسطية للفوزان ص ٦٦، وشرح هراس ص ١٢٣.
(٢) مجموع الفتاوى ٧/ ١١١.
(٣) مجموع الفتاوى ٣/ ١٤.
[ ٣٠٧ ]
٧٨/ ٣ - قال ابن عقيل: (﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف:٨٢]، معناه: سل أهل، فحذف أهلها المراد سؤالهم، وأقام القرية اهـ) (^١).
الدراسة:
ما ذكره ابن عقيل من التقدير هو المشهور في كتب التفسير (^٢)، إذ يستحيل عقلًا أن يوجه السؤال إلى القرية التي هي المباني.
قال ابن الجوزي: (قوله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف:٨٢] المعنى: قولوا لأبيكم: سل أهل القرية)، ولم يذكر فيها خلافًا (^٣).
وقال الزركشي: (ولما كان الحذف لا يجوز إلا لدليل؛ احتيج إلى ذكر دليله، والدليل تارة يدل على محذوف مطلق، وتارة على محذوف معين؛ فمنها: أن يدل عليه العقل حيث تستحيل صحة الكلام عقلًا إلا بتقدير محذوف، كقوله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف:٨٢]، فإنه يستحيل عقلًا تكلم الأمكنة إلا معجزة) (^٤).
وعده بعضهم من المجاز (^٥)، وليس كذلك عند كثير من الأصوليين القائلين بالمجاز في القرآن، وهذا هو المؤكد عند غيرهم؛ لأن حد المجاز لا يشمل مثل هذه الآية لأمرين:
١ - أن إعراب المضاف إليه إعراب المضاف إذا حذف من أساليب اللغة العربية، ويكون المضاف إليه المذكور بمنزلة المضاف المحذوف (^٦).
_________________
(١) الواضح ٢/ ٣٨٥.
(٢) ينظر: جامع البيان ١٣/ ٢٩٠، تفسير السمرقندي ٢/ ٢٠٦، تفسير السمعاني ٣/ ٥٦، الجامع لأحكام القرآن ٩/ ٢٤٦، معالم التنزيل ٢/ ٣٧٢.
(٣) زاد المسير ٤/ ٢٠٧.
(٤) البرهان ٣/ ١٠٨.
(٥) يراجع الكلام عن المجاز عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ﴾ [البقرة:٩٣]، ينظر: ص ١٠١ من هذا البحث.
(٦) منع جواز المجاز ص ٦٤.
[ ٣٠٨ ]
قال ابن عطية: (إن إسقاط المضاف في قوله: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف:٨٢]، هو سائغ بسبب ما يُعقل من أن: اسأل القرية. لا تُسأل؛ ففي الظاهر دليل على ما أضمر) (^١).
وهذا الحذف كثير في اللغة العربية اكتفاء بفهم السامع لمعنى الكلام (^٢)؛ وهو من إيجاز الحذف المحمود في الحديث، إذ لا يفهم منه غير المراد من غير استطراد (^٣).
ولأجل تحصيل المعنى الكثير في اللفظ القليل حسن الإيجاز بنوعيه (^٤).
٢ - ولأن القرية في هذا الموضع مستعملة في معناها الحقيقي، وإطلاق القرية وإرادة أهلها من أساليب اللغة العربية كذلك (^٥)، كما قال الطبري: (وقد تقول العرب: إذا سرك أن تنظر إلى السخاء فانظر إلى هرم أو إلى حاتم؛ فتجتزئ بذكر الاسم من ذكر فعله إذا كان معروفًا بشجاعة، أو سخاء، أو ما أشبه ذلك من الصفات) (^٦).
_________________
(١) المحرر الوجيز ٣/ ١٣٧.
(٢) ينظر: لسان العرب ١٥/ ١٧٧.
(٣) ينظر: الإيضاح في علوم البلاغة ص ١٨٤.
(٤) أي: إيجاز الحذف، وإيجاز القصر، ينظر: المرجع السابق، التحرير والتنوير ١/ ١٢٢.
(٥) ينظر: منع جواز المجاز ص ٦٣.
(٦) جامع البيان ٢/ ٢٦٦.
[ ٣٠٩ ]
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (ومن الأمثلة المشهورة لمن يثبت المجاز في القرآن: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف:٨٢]، قالوا المراد به: أهلها؛ فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، فقيل لهم: لفظ القرية والمدينة والنهر والميزاب وأمثال هذه الأمور التي فيها الحال والمحال كلاهما داخل في الاسم، ثم قد يعود الحكم على الحال وهو السكان، وتارة على المحل وهو المكان، وكذلك في النهر يقال: حفرت النهر وهو المحل، وجرى النهر وهو الماء، ووضعت الميزاب وهو المحل، وجرى الميزاب وهو الماء، وكذلك القرية: قال تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً﴾ [النحل:١١٢]، وقوله: ﴿وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ (٤) فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا إِلَّا أَنْ قَالُوا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (٥)﴾ [الأعراف:٤ - ٥]، وقال في آية أخرى: ﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ (٩٧)﴾ [الأعراف:٩٧] فجعل القرى هم السكان، وقال: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ فَلَا نَاصِرَ لَهُمْ﴾ [محمد:١٣] وهم السكان، وكذلك قوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا (٥٩)﴾ [الكهف:٥٩]، وقال تعالى: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا﴾ [البقرة:٢٥٩] فهذا المكان لا السكان) (^١).
_________________
(١) مجموع الفتاوى ٧/ ١١٢، ١١٣.
[ ٣١٠ ]
بل كثير من المفسرين لم يذكروا هذا التفسير عند الآية في موضعها (^١)؛ لوضوحه، وبعض المفسرين فُهم تفسيرهم من كثرة ضرب المثل بها عند آيات أخرى (^٢). والله أعلم.
قال تعالى: ﴿قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٨٣)﴾ [يوسف:٨٣].
٧٩/ ٤ - قال ابن عقيل: (والمراد بقوله: ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا﴾ [يوسف:٨٣]، يوسف وبنيامين وشمعون (^٣) الذي قال: ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي﴾ [يوسف:٨٠] اهـ) (^٤).
الدراسة:
أبان ابن عقيل أن المراد بالجمع في الآية الثلاثة، أي: يوسف وبنيامين والذي أقام في مصر.
_________________
(١) من أولئك مثلًا: الزمخشري، وابن كثير، وأبو السعود.
(٢) فمثلًا: الطبري أشار إليها عند كلامه على قوله تعالى: ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ﴾ [البقرة:٩٣] ٢/ ٢٦٦، والنحاس في مواضع كثيرة من معانيه فينظر مثلًا: ٣/ ١٩٢، ٤/ ٢٤٥، ٥/ ٥١، ٦/ ١٩١.
(٣) اختلفوا في اسم الأخ الأكبر، فابن عقيل: على أنه شمعون كما نص عليه، وأكثر المفسرين على أنه: روبيل، ينظر: جامع البيان ١٣/ ٢٩٢، تفسير ابن كثير ٤/ ١٨٥٤، وبعضهم على أنه: يهوذا، ينظر: تفسير السمرقندي ٢/ ٢٠٦، تفسير السمعاني ٣/ ٥٧، وبعضهم على أن شمعون أخ آخر تخلف مع الأخ الأكبر، ينظر: زاد المسير ٤/ ٢٠٧، وذكروا أسماء أخر، وليس هذا محل البحث، وتحديد الاسم لا فائدة فيه؛ بل هو من الإسرائيليات التي لا نعلم في شرعنا تصديقه ولا تكذيبه، والتي قال عنها شيخ الإسلام: (وغالبه لا فائدة فيه) المقدمة ص ١٣٩، بل المهم في بحثنا: أن المراد في الآية أكثر من اثنين.
(٤) الواضح ٣/ ٤٣٠.
[ ٣١١ ]
وهذا هو ما عليه عامة أهل التفسير (^١).
قال الطبري: (القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٨٣)﴾ [يوسف:٨٣].
قال أبو جعفر: في الكلام متروك، وهو: فرجع إخوة بنيامين إلى أبيهم، وتخلف روبيل فأخبروه خبره ) إلى أن قال: (وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل) (^٢).
قال القرطبي: (وقال: بهم؛ لأنهم ثلاثة: يوسف، وأخوه، والمتخلف من أجل أخيه، وهو القائل: فلن أبرح الأرض) (^٣).
وقال ابن كثير: (ثم ترَجَّى من الله أن يرد عليه أولاده الثلاثة: يوسف، وأخاه بنيامين، وروبيل الذي أقام بديار مصر ينتظر أمر الله فيه؛ إما أن يرضى عنه أبوه، فيأمره بالرجوع إليه، وإما أن يأخذ أخاه خفية، ولهذا قال: ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا﴾ [يوسف:٨٣]) (^٤). والله أعلم.
قال تعالى: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (١٠١)﴾ [يوسف:١٠١].
_________________
(١) ينظر: تفسير البيضاوي ٣/ ٣٠٤، معالم التنزيل ٢/ ٣٧٢، زاد المسير ٤/ ٢٠٧، تفسير النسفي ٢/ ٢٣٤، فتح القدير ٣/ ٥٨، تفسير السعدي ٤/ ٥١.
(٢) جامع البيان ١٣/ ٢٩٢، وأخرج بسنده عن قتادة: أنه أراد الثلاثة.
(٣) الجامع لأحكام القرآن ٩/ ٢٤٧.
(٤) تفسير ابن كثير ٤/ ١٨٥٤.
[ ٣١٢ ]
٨٠/ ٥ - قال ابن الجوزي: (كان ابن عقيل يقول: لم يتمن يوسف الموت، وإنما سأل أن يموت على صفة، والمعنى: توفني إذا توفيتني مسلمًا اهـ) (^١).
الدراسة:
تبين من كلام ابن عقيل أنه يرجح عدم جواز تمني الموت، ولذلك وجه الآية التي قد يتبادر منها أن يوسف تمنى الموت.
وقد جاء النهي الصريح في شريعة نبينا - ﷺ - عن تمني الموت حيث قال - ﷺ -: " لا يتمنين أحدكم الموت في ضر نزل به، فإن كان لا بد متمنيًا للموت فليقل: اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرًا لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيرًا لي " (^٢).
ولأجل هذا فقد ذكر العلماء في توجيه كلام يوسف أقوالًا كثيرة منها:
١ - أن المراد: توفني إذا توفيتني مسلمًا كما قال ابن عقيل وهو قول جمهور العلماء (^٣).
قال القرطبي: (وقيل: إن يوسف لم يتمن الموت، وإنما تمنى الوفاة على الإسلام، أي: إذا جاء أجلي توفني مسلمًا، وهذا قول الجمهور) (^٤).
فليس في الآية تمني الموت وهذا هو المراد من التوجيه.
_________________
(١) زاد المسير ٤/ ٢٢٥.
(٢) أخرجه البخاري في كتاب الدعوات باب الدعاء بالموت والحياة (٦٣٥٠)، ومسلم في كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار باب كراهة تمني الموت لضر نزل به (٢٦٨٠) من حديث أنس - ﵁ -.
(٣) ينظر: تفسير السمرقندي ٢/ ٢١٢، تفسير الواحدي ١/ ٥٦١، الكشاف ٢/ ٤٧٨، المحرر الوجيز ٣/ ٢٨٣، تفسير ابن كثير ٤/ ١٨٦٢.
(٤) الجامع لأحكام القرآن ٩/ ٢٦٩.
[ ٣١٣ ]
وعبر عنه بعضهم بقولهم: إن المراد من قول يوسف: الثبات على الإسلام والوفاة عليه (^١). كما قال تعالى: ﴿وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢)﴾ [آل عمران:١٠٢]، أي: اثبتوا على هذا الدين حتى الممات (^٢).
وهذا هو الأرجح كما قال ابن عطية عنه: (وهو الأقوى عندي) (^٣).
وقال القرطبي: (وهذا هو القول المختار في تأويل الآية عند أهل التأويل) (^٤).
٢ - أن هذا التمني من يوسف يجوز أن يكون عند الاحتضار، كما جاء عن عائشة ﵂ أن رسول الله - ﷺ - كان يقول عندما نزل به الموت: " اللهم في الرفيق الأعلى ثلاثًا " (^٥).
٣ - وقيل إن المراد: وفاة الرفعة لا توفي الموت.
قال الراغب: (وقد قيل: توفي رفعة واختصاص لا توفي موت، كما قال الله تعالى: ﴿يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ [آل عمران:٥٥]) (^٦).
وقال في موضع آخر: (وقوله: ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا﴾ أي: اجعلني ممن استسلم لرضاك، ويجوز أن يكون معناه اجعلني سالمًا عن أسر الشيطان) (^٧).
_________________
(١) ينظر: تفسير السمعاني ٣/ ٦٨، تفسير السعدي ٤/ ٦٠.
(٢) ينظر: تفسير السمرقندي ١/ ٢٥٩، تفسير الواحدي ١/ ٢٢٥.
(٣) المحرر الوجيز ٢/ ٢٨٣.
(٤) التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة ص ٦.
(٥) أخرجه البخاري في كتاب الدعوات باب دعاء النبي - ﷺ -: " اللهم الرفيق الأعلى " (٦٣٤٨)، ومسلم في كتاب فضائل الصحابة باب في فضل عائشة (٢٤٤٤).
(٦) المفردات ص ٦٠٢.
(٧) المفردات ص ٢٧٠، وينظر: البرهان للزركشي ٢/ ٤٢٤.
[ ٣١٤ ]
٤ - أن تمني الموت جائز في شريعة يوسف ﵇، وقد ذهب إلى هذا بعض العلماء (^١)، قال ابن عباس - ﵁ -: (أول نبي سأل الله الموت يوسف) (^٢).
قال ابن عطية: (وذكر كثير من المفسرين أن يوسف ﵇ لما عدد في هذه الآية نعم الله عنده تشوق إلى لقاء ربه ولقاء الجلة وصالحي سلفه وغيرهم من المؤمنين، ورأى أن الدنيا كلها قليلة فتمنى الموت في قوله: ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا﴾) (^٣).
ومن أضعف الأجوبة التي ذكرها العلماء في توجيه تمني يوسف للموت:
٥ - أن هذه الآية منسوخة، أشار إليه النحاس ورد هذا القول، حيث قال: (رأيت بعض المتأخرين ذكر في قوله تعالى إخبارًا عن يوسف ﵇: ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (١٠١)﴾ [يوسف:١٠١] قال: نسخه قول النبي - ﷺ -: " لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به .. " وهذا قول لا معنى له، ولولا أنا أردنا أن يكون كتابنا متقصيًا لما ذكرناه؛ لأنه ليس معنى توفني مسلما توفني الساعة، وهذا بين جدًا لا إشكال فيه، ولو صح أن قول يوسف - ﷺ -: ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا﴾ أنه يريد في ذلك الوقت لما كان منسوخًا؛ لأن النبي - ﷺ - إنما قال: " لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به " فإذا تمناه إنسان لغير ضر فليس بمخالف النبي - ﷺ -، وقد يجوز أن يتمنى الموت من له عمل صالح متخلصًا به من الكبائر) (^٤).
وبعد التأمل في هذه الإجابات يتضح لي أن حكم تمني الموت يختلف باختلاف الأحوال، فيقال:
_________________
(١) ينظر: جامع البيان ١٣/ ٣٦٥، الجامع لأحكام القرآن ٩/ ٢٦٩، التسهيل ١/ ٤٢٧.
(٢) ينظر: جامع البيان ١٣/ ٣٦٥.
(٣) المحرر الوجيز ٢/ ٢٨٣.
(٤) الناسخ والمنسوخ ص ٥٣٣.
[ ٣١٥ ]
أ/ تمني الموت على الإطلاق لا يجوز؛ لما فيه من الإعتراض على قضاء الله وقدره، وعليه يحمل النص الصريح في النهي.
ب/ تمني الموت لضر نزل به في الدنيا لا يجوز، لنص النبي - ﷺ - على النهي عن هذه الصفة.
قال ابن حجر في شرح حديث النهي عن تمني الموت: (حمله جماعة من السلف على الضر الدنيوي، فإن وجد الضر الأخروي بأن خشي فتنة في دينه لم يدخل في النهي، ويمكن أن يؤخذ ذلك من رواية ابن حبان: " لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به في الدنيا " (^١) على أن [في] في هذا الحديث سببية، أي: بسبب أمر من الدنيا) (^٢).
ج/ تمني الموت لمن خاف ضياع دينه جائز، ويدخل في ذلك وقت ظهور الفتن وغلبتها (^٣)، وكذلك لمن قيده بما إذا كان الموت خيرًا له، فإن هذا فيه تسليم لقضاء الله وقدره.
قال ابن عطية: (فيشبه أن قول النبي - ﷺ - لضر نزل به، إنما يريد ضرر الدنيا كالفقر والمرض ونحو ذلك، ويبقي تمني الموت مخافة فساد الدين مباحًا، ويدلك على هذا قول النبي - ﷺ -: " يأتي على الناس زمان يمر فيه الرجل بقبر الرجل فيقول يا ليتني مكانه، ليس به الدين، لكن ما يرى من البلاء والفتن " (^٤» (^٥).
_________________
(١) أخرجه ابن حبان في باب الأدعية ذكر ما يدعو به المرء عند الشدائد والضر إذا نزل به (٩٦٨) من حديث أنس بن مالك - ﵁ -، وأصله في الصحيحين.
(٢) فتح الباري ١٠/ ١٥٧.
(٣) ينظر: الجامع لأحكام القرآن ٩/ ٢٦٩.
(٤) أخرجه البخاري في كاب الفتن باب لا تقوم الساعة حتى يغبط أهل القبور (٧١١٥)، ومسلم في كتاب الفتن وأشراط الساعة باب لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل بقبر الرجل فيتمنى أن يكون مكان الميت من البلاء (١٥٧) من حديث أبي هريرة - ﵁ -.
(٥) المحرر الوجيز ٢/ ٢٨٣.
[ ٣١٦ ]
ويدل على هذا قوله تعالى عن مريم: ﴿فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَالَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا (٢٣)﴾ [مريم:٢٣]، حينما خافت أن يظن بها السوء في دينها، فيفتنها ذلك (^١).
وكذلك قوله - ﷺ -: " إن ربي أتاني فقال: قل: اللهم إني أسألك فعل الخيرات وترك المنكرات وحب المساكين وأن تغفر لي وترحمني، وإذا أردت فتنة قوم فتوفني غير مفتون " (^٢).
وهذا التفصيل لا بد منه في هذه المسألة؛ لما فيه من الجمع بين الأدلة، وهذا أمر مطلوب، فيحمل التمني على ما جاز، وهو فيما إذا كان الموت خيرًا له، ويتأكد ذلك عندما يخاف المرء على دينه، وهذا مستفاد من نص الحديث.
ومن الأمثلة التي يمكن حملها على هذا التفصيل:
- تمني يوسف للوفاة على قول من قال: إنه يريد الوقت الحاضر، فهو خير له من البقاء في الدنيا (^٣).
- فعل جماعة من الصحابة، كما روي عن عمر بن الخطاب - ﵁ - أنه قال: (اللهم كبرت سني، وضعفت قوتي، وانتشرت رعيتي، فاقبضني إليك غير مضيع ولا مفرط) (^٤).
والله أعلم.
_________________
(١) ينظر: التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة ص ٦.
(٢) أخرجه الترمذي في كتاب تفسير القرآن باب ومن سورة ص (٣٢٣٥) من حديث ابن عباس - ﵁ -، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح، سألت محمد بن إسماعيل عن هذا الحديث فقال: هذا حديث حسن صحيح.
(٣) ينظر: جامع البيان ١٣/ ٣٦٤، المحرر الوجيز ٣/ ٢٨٣.
(٤) ينظر: موطأ مالك في كتاب الحدود باب ما جاء في الرجم (١٥٠٦)، ومصنف عبدالرزاق في الكتاب الجامع لمعمر بن راشد باب تمني الموت (٣٠٦٣٨)، وروي مثله عن العرباض بن سارية - ﵁ -، وأخرجه الطبراني في المعجم الكبير ١٨/ ٢٤٥ (٦١٦)، وينظر: مجمع الزوائد ١٠/ ١٤٨.
[ ٣١٧ ]