قال تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ (٤٢)﴾ [الحجر: ٤٢].
٨٣/ ١ - قال ابن عقيل: (فَصْلٌ في قوله تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ الحجر:٤٢]، ذهب كثير من الوعاظ والقصاص إلى أنها خاصة في صلحاء عباده والأنبياء، وليس على ما وقع لهم (^١)؛ لأن ظاهر القرآن يشهد بأنه لا سلطان له على الكفار، حيث قال سبحانه: ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ﴾ [إبراهيم:٢٢]، فأقر في آخر الأمر بنفي السلطان تصديقًا لقوله سبحانه في أول الأمر: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ [الحجر:٤٢]، ولأن السلطان الذي نفاه يعم؛ إذ ليس كل مستجيب له يكون له عليه سلطان؛ لأن الشيطان يسوّل ويغيّر، ويخلف (^٢) فيكذب، ومن كان أمره كذا لم يكُ سلطانًا، إنما السلطان من أَمَرَ وكَشَف أمْرَه وحرّمه فأُطِيع، دون أن يدلّس ويلبّس، فإن من سوّل كان متلصّصًا وخادعًا وغارًّا، لا سلطانًا اهـ) (^٣).
_________________
(١) أي: ليس الأمر على ما فهموا.
(٢) هكذا في المطبوع، ولعلها: ويحلف؛ لأنه أنسب للسياق.
(٣) الفنون ١/ ٣٥٥.
[ ٣٢٢ ]
الدراسة:
أشار ابن عقيل إلى أن فهم كثير من الوعاظ لنفي السلطان عن الشيطان بأنه خاص بالمؤمنين غير صواب (^١)، ولكنه يميل إلى تعميم نفي السلطان للشيطان عن المؤمنين وغيرهم؛ لما ذكر، ولقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي﴾ [إبراهيم:٢٢]، ولأنه ليس للشيطان حجة وإلزام على ما يدعو إليه.
وهذا الكلام لا يخرج عما ذكره العلماء والمفسرون، وذلك للنفي العام لسلطان الشيطان في بعض الآيات كقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ﴾ [سبأ:٢١]، وقوله تعالى حاكيًا عنه مقررًا له: ﴿وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي﴾ [إبراهيم:٢٢]، والتصريح بأن له سلطان على أوليائه كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ [النحل:١٠٠]، وعلى أتباعه الغاوين في قوله تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ (٤٢)﴾ [الحجر:٤٢].
والجمع في ذلك أن يقال: إن السلطان المثبت عليهم غير السلطان المنفي عنهم، وذلك من وجوه /
_________________
(١) وهذا ليس على إطلاقه؛ بل التفسير به صحيح لتقييده في الآية بذلك، ولم أجد من خلال البحث من يخص نفي السلطان عن المؤمنين فقط في كل الآيات، بل الآيات يوضح بعضها بعضًا، وتفسير العلماء عند كل آية بحسبها، ينظر: معاني القرآن للنحاس ٤/ ١٧٤، البحر المحيط لأبي حيان ٥/ ٥٣٥.
[ ٣٢٣ ]
الأول: أن السلطان المنفي: هو سلطان الحجة والبرهان والإقناع وإخراجهم عن دينهم، والسلطان المثبت: هو وسوسته وتحسينه وتزيينه لهم ما فيه ضلالهم (^١).
الثاني: أن السلطان المنفي: هو ابتداء التسلط فإن الله لم يثبت له عليهم السلطان ابتداء، ولكنهم هم الذين سلطوه على أنفسهم بطاعته ودخولهم في حزبه، فتسلط عليهم بإرادتهم واختيارهم، وهذا هو السلطان المثبت (^٢).
الثالث: أن السلطان المنفي: فيمن آمن بالله وتوكل عليه، وحفظه الله وأخلصه، والسلطان المثبت: فيمن تولاه وأشرك بالله وضل وغوى (^٣).
الرابع: أن السلطان المنفي: هو الأصل وفي أكثر الأوقات والأحوال، والسلطان المثبت: هو الطارئ ممن شذ وتنكب الصراط المستقيم (^٤). وبهذا يتبين أن قول ابن عقيل موافق لما أشار إليه المفسرون كما سبق في التوجيه الأول دون تعارض أو عدم فهم (^٥). والله أعلم.
_________________
(١) ينظر: جامع البيان ١٤/ ٧١، تفسير السمرقندي ٢/ ٢٥٦، تفسير السمعاني ٤/ ٣٣٠، الوجيز ٢/ ٦٤١، زاد المسير ٤/ ٣٠٦، إغاثة اللهفان ص ١٠٨، تفسير النسفي ٢/ ٣٢١.
(٢) ينظر: دفع إيهام الاضطراب ص ١٣٧، أضواء البيان ٢/ ١٩٢.
(٣) ينظر: مجموع الفتاوى ١٤/ ٢٨٢، البحر المحيط لأبي حيان ٥/ ٥٣٥.
(٤) ينظر: الجامع لأحكام القرآن ١٠/ ٢٩.
(٥) ينظر: إغاثة اللهفان ص ١٠٩.
[ ٣٢٤ ]