قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (٢)﴾ [الحجرات:٢].
١٣٠/ ١ - قال ابن عقيل في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ﴾ [الحجرات:٢]
(يعني: عليه بالقول اهـ) (^٤).
_________________
(١) أحكام القرآن للجصاص ٣/ ٥٢٧ بتصرف، وينظر: بدائع الصنائع ٣/ ٩٨.
(٢) المغني ٥/ ٣٠٥.
(٣) شرح الكوكب المنير ١/ ٢٥٦ بتصرف.
(٤) الواضح ١/ ١٢٠.
[ ٤٥٠ ]
الدراسة:
فسر ابن عقيل [اللام] في هذه الآية بـ[على]، ففيه النهي عن رفع الصوت على النبي - ﷺ - (^١)؛ لأن [على] تفيد الاستعلاء. وهو تفسير ابن قتيبة حيث قال: (﴿وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ﴾ [الحجرات:٢] أي: لا تجهروا عليه بالقول. والعرب تقول: سقط فلان لفيه، أي على فيه) (^٢).
وقال أبو يعلى مثله (^٣)، وأشار إليه القرطبي (^٤)، وغيرهم (^٥).
وأكثر العلماء لا يشيرون في تفاسيرهم إلى معنى اللام، ولعل ذلك إبقاء لها على بابها، وهو الأقرب عندي:
قال الطبري: (﴿وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ﴾ [الحجرات:٢] يقول: ولا تنادوه كما ينادي بعضكم بعضًا باسمه؛ يا محمد؛ يا محمد، ولكن قولًا لينًا وخطابًا حسنًا، بتعظيم له وتوقير وإجلال؛ يا نبي الله؛ يا رسول الله، وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل) (^٦).
وقال السمرقندي: (ثم قال: ﴿وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ﴾ [الحجرات:٢] يعني: لا تدعوه باسمه كما يدعو الرجل الرجل منكم باسمه، ولكن عظموه ووقروه وقولوا: يا رسول الله؛ يا نبي الله) (^٧).
وقال الواحدي: (لاتنزلوه منزلة بعضكم من بعض؛ فتقولوا: يا محمد، ولكن خاطبوه بالنبوة والسكينة والإعظام) (^٨).
فقوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ﴾ [الحجرات:٢] جاءت بعد جملة ﴿لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ [الحجرات:٢] فالأولى أن لا تفسر [اللام] بـ[على] لئلا يكون معنى الجملتين واحدًا.
_________________
(١) ينظر: زاد المسير ٧/ ٢٢٠.
(٢) تأويل مشكل القرآن ص ٢٩٩.
(٣) العدة ١/ ٢١٠.
(٤) الجامع لأحكام القرآن ١٦/ ٣٠٦.
(٥) ينظر: الجنى الداني ص ١٠٠، مغني اللبيب ص ٢١٥.
(٦) جامع البيان ٢١/ ٣٣٨.
(٧) تفسير السمرقندي ٣/ ٣٠٧.
(٨) الوجيز ٢/ ١٠١٦.
[ ٤٥١ ]
وإذا كانت [اللام] على بابها أفادت الجملة الثانية زيادة على النهي عن رفع الصوت على النبي - ﷺ -: النهي عن المساواة في الخطاب بين النبي - ﷺ - وأقرانكم ونظرائكم (^١)، وإذا دار الكلام بين التأسيس والتأكيد فحمله على التأسيس أولى (^٢). والله أعلم.
قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٠)﴾ [الحجرات:١٠].
١٣١/ ٢ - قال ابن عقيل: (﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ [الحجرات:١٠] المراد به: بين كل اثنين من المؤمنين اهـ) (^٣).
الدراسة:
قال ابن عقيل في معنى قوله تعالى: ﴿أَخَوَيْكُمْ﴾ كل اثنين من المؤمنين، بمعنى أن المراد: الجمع، أي: بين كل أخوين.
وهو كما قال ﵀؛ لأمور منها:
١ - أنه قول عامة العلماء (^٤).
قال الطبري: (ومعنى الأخوين في هذا الموضع: كل مقتتلين من أهل الإيمان، وبالتثنية قرأ ذلك قرأة الأمصار) (^٥).
وقال ابن كثير: (وقوله تعالى: ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ [الحجرات:١٠] يعني: الفئتين المقتتلتين) (^٦).
_________________
(١) ينظر: التفسير الكبير ٢٨/ ٩٨، روح المعاني ٢٦/ ١٣٥.
(٢) ينظر: قواعد الترجيح عند المفسرين ٢/ ٤٧٣.
(٣) الواضح ٣/ ٤٣٠.
(٤) ينظر: تفسير السمعاني ٥/ ٢٢١، الكشاف ٤/ ٣٦٩، الجامع لأحكام القرآن ١٦/ ٣٢٣، تفسير ابن كثير ٧/ ٣٢٦٩.
(٥) جامع البيان ٢١/ ٣٦٣.
(٦) تفسير ابن كثير ٧/ ٣٢٦٩.
[ ٤٥٢ ]
٢ - القراءات الواردة في هذه الكلمة: حيث قرأ ابن عامر: (بين إخوتكم) (^١)، قال الفراء: (ولو قيل ذلك كان صوابًا) (^٢) أي: لو قيل إخوتكم مكان أخويكم لكان صوابًا؛ لأنهما بمعنى واحد.
ورُوي عن ابن سيرين (^٣) أنه قرأها: (بين إخوانكم) (^٤) ولكنها شاذة (^٥)، قال الطبري: (وذلك من جهة العربية صحيح غير أنه خلاف لما عليه قرأة الأمصار، فلا أحب القراءة بها) (^٦).
٣ - سياق الآية مع ما قبلها.
حيث أن هذه الآية بعد قوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ الآية [الحجرات:٩]؛ فدل على أن المراد الجمع لا التثنية.
فإن قيل: لم خُص الاثنان بالذكر دون الجمع؟.
فالجواب:
أ/ أن يقال: لأن الاثنين أقل ما يقع بينهم الخلاف والشقاق؛ فإذا وجب الإصلاح بين الأقل كانت بين الأكثر من باب أولى، لأن الفساد في شقاق الأكثر أكبر منه في شقاق الاثنين (^٧).
_________________
(١) ينظر: السبعة لابن مجاهد ص ٦٠٦.
(٢) معاني القرآن ٣/ ٧١، وينظر: الحجة في القراءات السبع لابن خالويه ص ٣٣٠.
(٣) هو أبو بكر محمد بن سيرين الأنصاري الأنَسي البصري، مولى أنس بن مالك، مات سنة ١١٠ هـ، له ترجمة في: سير أعلام النبلاء ٤/ ٦٠٦، شذرات الذهب ١/ ١٣٨.
(٤) ينظر: جامع البيان ٢١/ ٣٦٣، تفسير السمرقندي ٣/ ٣١٠.
(٥) ينظر: مختصر في شواذ القراءات لابن خالويه ص ١٤٤.
(٦) جامع البيان ٢١/ ٣٦٣.
(٧) ينظر: تفسير السمعاني ٥/ ٢٢١، الكشاف ٤/ ٣٦٩، التفسير الكبير ٢٨/ ١١١.
[ ٤٥٣ ]
ب/ أن يقال: إن المراد بالأخوين: هم الأوس والخزرج (^١)، كما ذكر ذلك بعض العلماء استنادًا إلى سبب نزول الآية قبلها، قال أنس - ﵁ -: (فكان بينهم ضرب بالجريد والأيدي والنعال، فبلغنا أنه نزلت فيهم: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ [الحجرات:٩]) (^٢). ويعود ضمير ﴿اقْتَتَلُوا﴾ على ﴿طَائِفَتَانِ﴾ باعتبار المعنى؛ لأن لفظ الطائفة يدل على الجماعة (^٣). والله أعلم.