قال تعالى: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ (١١)﴾ [الرعد:١١].
٨١/ ١ - قال ابن عقيل: (﴿مِنْ أَمْرٍ اللَّهِ﴾ [الرعد:١١]، مكان: بأمر الله اهـ) (^١).
الدراسة:
أراد ابن عقيل تفسير [من] في هذه الآية.
ومن المعلوم أن الحرف له ارتباط من ناحية المعنى بما قبله وما بعده، وقد وفَّى المفسرون ما قيل في معنى: معقبات، وفي المقصود: بالحفظ، وفي المراد: بأمر الله (^٢).
لكن خلاصة الخلاف في معنى [من] ما يلي:
القول الأول: أن [من] بمعنى [الباء] كما هو قول ابن عقيل، وهو مروي عن قتادة (^٣)، وهو ما عليه أكثر المفسرين (^٤)، وحروف الجر يقوم بعضها مقام بعض، والمعنى: يحفظونه بأمر الله.
_________________
(١) الواضح ١/ ١٢٢.
(٢) ينظر: جامع البيان ١٣/ ٤٥٦ وما بعدها، معاني القرآن للنحاس ٣/ ٤٧٨، النكت والعيون ٣/ ٩٨، زاد المسير ٤/ ٢٣٨.
(٣) ينظر: جامع البيان ١٣/ ٤٦٤، تفسير عبدالرزاق ٢/ ٣٣٢.
(٤) ينظر: تفسير السمرقندي ٢/ ٢١٩، تفسير السمعاني ٣/ ٨١، معالم التنزيل ٣/ ٦، الجلالين ص ٢٥٠.
[ ٣١٨ ]
القول الثاني: أن [من] بمعنى [عن]، أي: يحفظونه عن أمر الله، والقولان متقاربان معنى، ومؤداهما واحد كما قال القرطبي: (يحفظونه من أمر الله أي: بأمر الله وبإذنه فـ[من] بمعنى [الباء] وحروف الصفات يقوم بعضها مقام بعض، وقيل: [من] بمعنى [عن] أي: يحفظونه عن أمر الله، وهذا قريب من الأول، أي: حفظهم عن أمر الله لا من عند أنفسهم، وهذا قول الحسن، تقول: كسوته عن عري، ومن عري، ومنه قوله ﷿: ﴿أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ﴾ [قريش:٤] أي: عن جوع) (^١).
القول الثالث: أن [من] باقية على بابها، والمعنى: يحفظونه من أمر الله.
وهذا مروي عن ابن عباس ومجاهد حيث قالا: (الملائكة من أمر الله) (^٢).
والذي يظهر لي أن المعاني كلها متقاربة؛ لأن هذا المعنى أيضًا لا يخرج عما قبله، فالملائكة (^٣) يحفظونه بأمر الله أو من أمر الله حتى يأتي أمر الله، أما من ناحية اللفظ فبقاء الحرف على بابه هو الأولى.
وكل حرف من حروف الصفات له عدة معاني، وتؤدي بعض الحروف معنى الآخر، دون إخلال بالمعنى، والنصوص دالة على صحة هذا الاستعمال:
فـ[من] تأتي بمعنى [الباء]، كما في قوله تعالى: ﴿يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ [الشورى:٤٥]، أي: بطرف خفي.
وتأتي بمعنى [عن]، كما في قوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر:٢٢]، أي: عن ذكر الله (^٤).
_________________
(١) الجامع لأحكام القرآن ٩/ ٢٩٢، وينظر: رصف المباني ص ٣٨٩.
(٢) ينظر: جامع البيان ١٣/ ٤٦٤.
(٣) وهذا على الراجح من تفسير المعقبات للأدلة الصحيحة، ينظر: معاني القرآن للنحاس ٣/ ٤٧٩.
(٤) ينظر: العدة ١/ ٢١١، مغني اللبيب ص ٣١٥، الجنى الداني ص ٣١١، ٣١٤، شرح الكوكب المنير ١/ ٢٤٣، من أسرار حروف الجر في الذكر الحكيم ص ٣٤٨ وما بعدها.
[ ٣١٩ ]
ومما يؤيد جواز كل المعاني: أن كلًا من [الباء] و[من] و[عن] تأتي بمعنى التعليل، فبينها معنى مشترك، ومن أمثلة ذلك:
قوله تعالى: ﴿مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا﴾ [نوح:٢٥]، أي: بسببها.
وقال تعالى: ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ﴾ [العنكبوت:٤٠]، أي: بسببه.
وقال تعالى: ﴿وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ﴾ [هود:٥٣]، أي بسببه (^١).
فلو جعل معنى الآية التي معنا إجمالًا: يحفظونه بسبب أمر الله، لكان ذلك صوابًا.
ومن المعاني التي ذكرها الزمخشري في الآية قوله: (يحفظونه من أجل أمر الله) (^٢).
وذكر ابن الجوزي من المعاني: (يحفظونه لأمر الله فيه حتى يسلموه إلى ما قدر له) (^٣).
وبهذا تجتمع الأقوال. والله تعالى أعلم.
قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ (٢٥)﴾ [الرعد:٢٥].
٨٢/ ٢ - قال ابن عقيل في قوله تعالى: (﴿لَهُمُ اللَّعْنَةُ﴾ [الرعد:٢٥]: بمعنى عليهم اللعنة اهـ) (^٤).
الدراسة:
فسر ابن عقيل [اللام] بـ[على]، وهذا هو ما قال به جمع من العلماء (^٥).
_________________
(١) ينظر: مغني اللبيب ص ١١١، ١٥٥، ٣١٤.
(٢) الكشاف ٢/ ٤٨٧، وينظر: تفسير البيضاوي ٣/ ٣٢١، فتح القدير ٣/ ٨٥.
(٣) زاد المسير ٤/ ٢٣٩.
(٤) الواضح ١/ ١٢٠.
(٥) ينظر: تأويل مشكل القرآن ص ٢٩٩، الجنى الداني في حروف المعاني ص ١٠٠.
[ ٣٢٠ ]
قال السمعاني: (قوله: ﴿أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ﴾ [الرعد:٢٥] أي: عليهم اللعنة) (^١). ومثله قال ابن الجوزي (^٢)، والرازي (^٣).
وذكروا لذلك شواهد منها: قوله تعالى: ﴿يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا (١٠٧)﴾ [الإسراء:١٠٧] أي: على الأذقان (^٤)، وقوله تعالى: ﴿دَعَانَا لِجَنْبِهِ﴾ [يونس:١٢] أي: على جنبه (^٥)، قال ابن قتيبة: (والعرب تقول: سقط فلان لفيه، أي: على فيه) (^٦).
أقول: وإن جاز استعمال اللام بمعنى [على] حسب دلالة السياق إلا أن الأولى البقاء على المعنى الأصلي لللام: وهو الاستحقاق والاختصاص (^٧) ما دام له محمل صحيح دون معارض (^٨)، فتقول: للكافرين اللعنة، أي: يستحقون اللعنة، وهي خاصة بهم دون غيرهم.
قال الراغب: (ولام الاستحقاق نحو قوله: ﴿لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ (٢٥)﴾ [الرعد:٢٥] وقال بعض النحويين: اللام في قوله: ﴿لَهُمُ اللَّعْنَةُ﴾ [الرعد:٢٥] بمعنى: على، أي: عليهم اللعنة، وفي قوله: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ﴾ [النور:١١]، وليس ذلك بشيء) (^٩).
وقال الزركشي ضمن كلامه على معاني اللام: (وتأتي للاستحقاق، كقوله تعالى: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (١)﴾ [المطففين:١]، وقوله تعالى: ﴿لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ (٢٥)﴾ [الرعد:٢٥]) (^١٠). والله تعالى أعلم.
_________________
(١) تفسير السمعاني ٢/ ٤١.
(٢) زاد المسير ٤/ ٢٤٩.
(٣) التفسير الكبير ٢٢/ ٥٤.
(٤) الجنى الداني في حروف المعاني ص ١٠٠.
(٥) مغني اللبيب ص ٢١٦.
(٦) تأويل مشكل القرآن ص ٢٩٩.
(٧) مغني اللبيب ص ٢١١.
(٨) ينظر: قواعد الترجيح عند المفسرين ٢/ ٣٨٧.
(٩) المفردات ص ٤٩٧، وينظر: رصف المباني في شرح حروف المعاني ص ٢٩٧.
(١٠) البرهان ٤/ ٣٣٩.
[ ٣٢١ ]