قال تعالى: ﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا (٥)﴾ [الزلزلة:٥].
١٤٩/ ١ - قال ابن عقيل: (يعني: إليها اهـ) (^٣).
الدراسة:
فسر ابن عقيل [اللام] في هذه الآية بـ[إلى]، وروي عن ابن عباس - ﵁ - (^٤)، وهو قول ابن قتيبة (^٥)، والطبري (^٦)، والنحاس (^٧)، والجصاص (^٨)، والواحدي (^٩)، والسمعاني (^١٠)، وعليه أكثر العلماء (^١١)؛ لأن المعروف تعدي الوحي بـ[إلى]، كقوله تعالى: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ﴾ [النحل:٦٨].
_________________
(١) ينظر: من أسرار حروف الجر ص ٣٥٢.
(٢) ينظر: المرجع السابق ص ٣٥٨.
(٣) الواضح ١/ ١٢٢.
(٤) جامع البيان ٢٤/ ٥٦٢، الدر المنثور ٨/ ٥٩٢.
(٥) تأويل مشكل القرآن ص ٣٠٠.
(٦) جامع البيان ٢٤/ ٥٦٠.
(٧) معاني القرآن ٤/ ٤٧٠.
(٨) أحكام القرآن ٣/ ٢٥٣.
(٩) الوجيز ٢/ ١٢٢٣.
(١٠) تفسير السمعاني ٦/ ٢٦٨.
(١١) ينظر: الكشاف ٤/ ٧٩١، زاد المسير ٨/ ٣٠٥، التفسير الكبير ٣٢/ ٥٧، الجامع لأحكام القرآن ٢٠/ ١٤٩، تفسير ابن كثير ٨/ ٣٨٣٥، معجم حروف المعاني في القرآن الكريم ٢/ ٨٨٦.
[ ٤٩١ ]
واستعمال [اللام] مكان [إلى] كثير في اللغة العربية (^١)، كقوله تعالى: ﴿سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ﴾ [الأعراف:٥٧] أي: إلى بلد، وقوله تعالى: ﴿كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [الرعد:٢] أي: إلى أجل.
وتأمل في قول الله تعالى: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا﴾ الآية [الأعراف:٤٣]، فـ[هدى] يتعدى بـ[إلى]، كما قال تعالى: ﴿وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٨٧)﴾ [الأنعام:٨٧] فالهداية أوصلت صاحبها إلى الصراط المستقيم. والوصول موجود في معنى [إلى] و[اللام]، فـ[اللام] أقرب الحروف لفظًا ومعنىً إلى [إلى]، ولذلك جاز دخول كل واحدة منهما في موضع الأخرى، كقوله تعالى: ﴿إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء:٦] أي: ادفعوا لهم (^٢).
وذهب جماعة من العلماء إلى أن الفعل [أوحى] مضمن معنى: [أذن] منهم الواحدي (^٣)، وأشار إليه البغوي (^٤)، واستظهره ابن كثير (^٥).
ولا تعارض بين القولين؛ فمؤداهما واحد، وليس تضمين أحدهما بأولى من الآخر (^٦).
قال الطبري: (وتأويل الكلام على هذا المعنى: يومئذ تبين الأرض أخبارها بالزلزلة والرجة وإخراج الموتى من بطونها إلى ظهورها بوحي الله إليها وإذنه لها بذلك، وذلك معنى قوله: ﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا (٥)﴾ [الزلزلة:٥]، وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل) (^٧).
_________________
(١) ينظر: الجنى الداني ص ٩٩، مغني اللبيب ص ٢١٥، لسان العرب ٣/ ١٥٧.
(٢) ينظر: رصف المباني ص ٢٩٧.
(٣) الوجيز ٢/ ١٢٢٣.
(٤) معالم التنزيل ٤/ ٤٨٣.
(٥) تفسير ابن كثير ٨/ ٣٨٣٥.
(٦) فعلى القول الأول: ضمنت [اللام] معنى [إلى]، وعلى الرأي الآخر: ضمن [أوحى] معنى [أذن].
(٧) جامع البيان ٢٤/ ٥٦٠.
[ ٤٩٢ ]
فجمع الطبري بين القولين على أنهما قولًا واحدًا، وهذا بديع في تفسير كلام الله جل وعلا.
فإن قال قائل: فما السر في استعمال [اللام] مكان [إلى]؟.
فالجواب أن يقال:
١ - لقرب [اللام] من [إلى] في اللفظ والمعنى كما سبق، فأيهما كان أولى في سياق الآية كان استعماله أجدر وأحرى.
٢ - أن اختيار [اللام] دون [إلى] لمراعاة فواصل الآيات، وهذا من أقوى الأوجه في نظري؛ لأن الفواصل لها اعتبارها في كثير من خواتم الآيات في القرآن مع ما يرتبط بها من معان أخرى قد نعلم منها اليسير ويخفى علينا الكثير، وقد أشار بعض العلماء إلى شيء من ذلك في هذه الآية التي معنا.
٣ - أن التعدية باللام لتضمين [أوحى] معنى [قال] وإنما عدل عن فعل [قال لها] إلى فعل [أوحى لها] لأنه حكاية تكوين لا عن قول لفظي (^١).
٤ - أن الوحي للأرض أمر خاص لها على سبيل التسخير، وهو ما يفسر به مجيئه هنا متعديًا باللام من بين ما يقرب من سبعين موضعًا كلها عديت بـ[إلى] (^٢).
٥ - قال الرازي: (لعله إنما قال: [لها] أي: فعلنا ذلك لأجلها، حتى تتوسل الأرض بذلك إلى التشفي من العصاة) (^٣). بمعنى: أن اللام على بابها، والموحى إليه محذوف، وهو الملائكة، والتقدير: أوحى إلى الملائكة لأجل الأرض، أي: لأجل ما يفعلون فيها، وفي هذا من التكلف ما فيه.
_________________
(١) ينظر: التحرير والتنوير ٣٠/ ٤٩٣.
(٢) ينظر: المفردات ص ٤٩٨، من أسرار حروف الجر في الذكر الحكيم ص ٢٣٣.
(٣) التفسير الكبير ٣٢/ ٥٧، وينظر: روح المعاني ٣٠/ ٢١٠.
[ ٤٩٣ ]