قال تعالى: ﴿فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ [الشورى:١١].
١٢٥/ ١ - قال ابن عقيل: (﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١] الكاف زائدة، والمراد به: ليس مثله شيء، وإذا انحذفت الكاف ظهرت الحقيقة اهـ) (^٢).
١٢٦/ ٢ - ويقول في موضع آخر: (﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١] أزال الاشتباه من قوله: ﴿عَيْنِي﴾ [طه:٣٩] و﴿بِيَدَيَّ﴾ [ص:٧٥] وأنها ليست جوارح ولا أبعاضًا اهـ) (^٣).
الدراسة:
في كلام ابن عقيل مسألتان:
_________________
(١) جامع البيان ٢٠/ ٣٨٠.
(٢) الواضح ٢/ ٣٨٥.
(٣) الواضح ٤/ ٦.
[ ٤٣٣ ]
المسألة الأولى: اختلف العلماء في معنى الكاف في قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١] على قولين:
القول الأول: أن الكاف صلة للتأكيد، فالمراد: ليس مثله شيء، وهو قول ابن عقيل، وبه قال الزجاج (^١)، والنحاس (^٢)، وغيرهم (^٣).
القول الثاني: أن الكاف غير زائدة، ثم اختلفوا على أقوال منها:
الأول: أن [مثل] هي الزائدة للتوكيد، وبه قال الطبري (^٤)، والبغوي (^٥)، أي: ليس هو كشيء، قالوا: وإنما زيدت [مثل] هنا لتفصل الكاف عن الضمير؛ فإدخال الكاف على الضمير غير جائز (^٦).
الثاني: أن [مثل] بمعنى الذات: أي: ليس كذاته شيء (^٧)، من باب قولهم: مثلك لا يفعل كذا، أي: أنت لا تفعله (^٨).
الثالث: أن [مثل] بمعنى الصفة: أي: ليس كصفته شيء (^٩). وعلى هذين القولين الأخيرين لا يكون في الكلام زيادة، والإتيان بـ[مثل] للمبالغة في تأكيد النفي.
قال الراغب: (وأما الجمع بين الكاف والمثل، فقد قيل ذلك لتأكيد النفي، تنبيهًا على أنه لا يصح استعمال المثل ولا الكاف، فنفى بليس الأمرين جميعًا) (^١٠).
والذي يترجح عندي هو القول الأول لعدة أمور:
_________________
(١) معاني القرآن وإعرابه ٤/ ٣٩٥.
(٢) معاني القرآن ٦/ ٢٩٧.
(٣) ينظر: تفسير السمرقندي ٣/ ٢٢٦، المحرر الوجيز ٥/ ٢٨.
(٤) ينظر: جامع البيان ٢٠/ ٤٧٦، ١٣/ ٥٥٣.
(٥) معالم التنزيل ٤/ ١٠٨.
(٦) ينظر: الجنى الداني ص ٨٩، مغني اللبيب ص ١٨٥.
(٧) تفسير غريب القرآن للسجستاني ص ١٤٤.
(٨) ينظر: مغني اللبيب ص ١٨٥، البرهان للزركشي ٤/ ٣١٠، وقيل: إن هذه لغة تهامة، ينظر: تفسير السمعاني ٥/ ٦٦.
(٩) ينظر: جامع البيان ١٣/ ٥٥٢ وما بعدها، مغني اللبيب ص ١٨٥، الكشاف ٤/ ٢١٣، الجنى الداني ص ٨٧.
(١٠) المفردات ص ٥١٦، وينظر: شرح العقيدة الواسطية ١/ ١٢٤.
[ ٤٣٤ ]
١ - أن هذا هو قول أكثر العلماء، وهو وجه معروف عند العرب لا يخفى عليهم إذا خوطبوا به، وزيادة الكاف عندهم غير قليل (^١).
٢ - أن في القول بزيادتها السلامة من إثبات المثل لله؛ لأن معنى الكاف: المثل (^٢)، قال الزجاج: (ولا يجوز أن يُقال: المعنى: مثل مثله شيء؛ لأن من قال هذا فقد أثبت المثل لله، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا) (^٣).
٣ - أن في القول بزيادتها المبالغة وتوكيد نفي المثل، وذلك من وجوه: أ/ أن زيادة الحرف بمنزلة إعادة الجملة ثانيًا (^٤)، فعلى هذا يكون المعنى: ليس مثله شيء، ليس مثله شيء، وهذا توكيد لفظي. ب/ أن عادة العرب عند المبالغة في التشبيه زيادة الكاف، وهذا توكيد معنوي. قال ابن عطية: (الكاف مؤكدة للتشبيه، فبقي التشبيه أوكد ما يكون، وذلك أنك تقول: زيد كعمرو، وزيد مثل عمرو، فإذا أردت المبالغة التامة، قلت: زيد كمثل عمرو) (^٥).
٤ - أن القول بأن [مثل] هي الزائدة قول بعيد؛ لأنها اسم، والقول بزيادة الحرف للتأكيد أولى من القول بزيادة الاسم، بل قال ابن هشام: (زيادة الاسم لم تثبت) (^٦). وقال أبو حيان: (وما ذهب إليه الطبري وغيره من أن [مثل] زائدة للتوكيد كالكاف ليس بجيد؛ لأن [مثل] اسم، والأسماء لا تزاد بخلاف الكاف فإنها حرف فتصلح للزيادة) (^٧).
_________________
(١) ينظر: المحرر الوجيز ٥/ ٢٨، الجنى الداني ص ٨٧.
(٢) ينظر: مغني اللبيب ص ١٨٥.
(٣) معاني القرآن وإعرابه ٤/ ٣٩٥، وينظر: تفسير السمعاني ٥/ ٦٦، الجنى الداني ص ٨٧.
(٤) ينظر: الجنى الداني ص ٨٧، البرهان للزركشي ٤/ ٣١٠.
(٥) المحرر الوجيز ٥/ ٢٨.
(٦) مغني اللبيب ص ١٨٥، وينظر: الجنى الداني ص ٨٩، شرح العقيدة الطحاوية ١/ ١٢٤.
(٧) البحر المحيط ٧/ ٥١٠.
[ ٤٣٥ ]
٥ - أن القول بعدم الزيادة في الآية أصلًا قول متوجه، ولكن فيه تخصيص لعموم الآية، فالمِثْل إذا فسر بالذات أو الصفة قصر على بعض معانيه، والقول الأول أعم منهما، وحمل الآية على العموم أولى، لا سيما مع المرجحات السابقة. قال الراغب: (والمثل أعم الألفاظ الموضوعة للمشابهة ولهذا لما أراد الله تعالى نفي التشبيه من كل وجه خصه بالذكر فقال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١]) (^١).
فاختيار لفظ المثل له معنى عام يُخَصَّص إذا فسر بالذات أو الصفة.
وقال ابن تيمية: (اتفق جميع طوائف المسلمين وغيرهم على الرد على هؤلاء الملاحدة، وبيان أنه ليس كل ما اتفق شيئان في شيء من الأشياء، يجب أن يكون أحدهما مِثْلًا للآخر، ولا يجوز أن يُنفى عن الخالق سبحانه كل ما يكون فيه موافقة لغيره في معنى ما، فإنه يلزمه عدمه بالكلية) (^٢).
فالمراد بالآية أنه لا يشارك الله تعالى شيء من الأشياء فيما هو من خصائص الله، وكل صفة من صفات الكمال فهو متصف بها على وجه لا يماثله فيها أحد (^٣).
والقول بزيادة الكاف هو ما رجحه ابن عثيمين حيث قال: (والراجح أن نقول: إن الكاف زائدة) (^٤).
المسألة الثانية:
_________________
(١) المفردات ص ٥١٦.
(٢) درء تعارض النقل والعقل ٥/ ٣٢٧، وينظر: التدمرية مع التحفة ص ٢٨٧، مجموع الفتاوى ٣/ ٦٩.
(٣) ينظر: التدمرية مع التحفة ص ٢٨٨.
(٤) ينظر: محموع فتاوى ورسائل فضيلة الشيخ ابن عثيمين ٨/ ١٧١.
[ ٤٣٦ ]
أشار ابن عقيل إلى أن قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١] أزال الاشتباه الذي قد يحصل لبعض الناس في صفات الله تعالى التي أثبتها في كتابه أو على لسان رسوله - ﷺ -، فهي صفات حقيقية نثبتها لله تعالى من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل، ومن ذلك مثلًا العين في قوله تعالى: ﴿عَيْنِي﴾ [طه:٣٩]، واليد في قوله تعالى: ﴿بِيَدَيَّ﴾ [ص:٧٥]، وهذا هو ما اتفق عليه أهل السنة، فإن الله له صفات الكمال وليس كمثله شيء، لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله (^١).
قال ابن تيمية: (واتفق سلف الأمة وأئمتها: أن الله ليس كمثله شيء، لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله، وقال من قال من الأئمة: من شبه الله بخلقه فقد كفر، ومن جحد ما وصف الله به نفسه فقد كفر، وليس ما وصف الله به نفسه ولا رسوله تشبيهًا) (^٢).
_________________
(١) ينظر: شرح العقيدة الطحاوية ١/ ٥٧، فتح الباري ١٣/ ٥٠١.
(٢) مجموع الفتاوى ٢/ ١٢٦.
[ ٤٣٧ ]
ففي نفي المثلية لغيره مطلقًا ثم إثبات صفة السمع والبصر له سبحانه في نفس الآية دلالة واضحة على أن هذه الصفات ثابتة لله تعالى على ما يليق بعظمته وجلاله، فالله ﷾ موصوف بصفات الكمال، وليس له فيها شبيه، فالمخلوق وإن كان يوصف بأنه سميع بصير، فليس سمعه وبصره كسمع الرب وبصره، ولا يلزم من إثبات الصفة تشبيه، إذ صفات المخلوق كما يليق به، وصفات الخالق كما يليق به، ولا يمكن أن تصل عقول الخلق إلى كيفيتها، ثم إن في هذه الآية أيضًا الرد على الممثلة والمعطلة، كما قال ابن تيمية: (ومذهب السلف بين مذهبين، وهدى بين ضلالتين، إثبات الصفات ونفى مماثلة المخلوقات، فقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١] رد على أهل التشبيه والتمثيل، وقوله: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] رد على أهل النفي والتعطيل، فالممثل أعشى، والمعطل أعمى، الممثل يعبد صنمًا، والمعطل يعبد عدمًا) (^١).
تنبيه:
قول ابن عقيل: (وأنها ليست جوارح ولا أبعاضًا) هذه من الألفاظ المحدثة، يستدل بها نفاة الصفات من الجهمية والمعتزلة، فنفوا معنى الصفة عن الله تعالى بهذه الحجة، وأما المفوضة (^٢) فأثبتوا معنىً مجهولًا ونفوا ما يُعلم من لفظه، حيث يقولون: إن الصفات لا تقوم إلا بالأجسام، والأجسام جوارح وأبعاض متماثلة، فإثبات الصفات مستلزم للتجسيم والتشبيه، والنصوص الواردة في الصفات مجهولة للخلق لا سبيل لمعرفة معانيها.
وكلامهم باطل من وجوه:
_________________
(١) مجموع الفتاوى ٥/ ١٩٦، وينظر: شرح العقيدة الطحاوية ١/ ١١٨.
(٢) أهل التفويض: هم الذين يفوضون معاني النصوص الشرعية الثابتة التي تُعارض قواعدهم وعقائدهم، ولا يستطيعون ردها ولا تأويلها، مع اعتقادهم أن ظاهر النص غير مراد، ينظر: الفرق بين الفرق ص ٣٠٢، مجموع الفتاوى لابن تيمية ٥/ ٩، الموسوعة الميسرة ٢/ ١٠١٥.
[ ٤٣٨ ]
١ - أن الصفات تقوم بالأجسام وغير الأجسام، فيقال مثلًا: الليل طويل والنهار قصير والعكس وهما ليسا جسمين.
٢ - أنه لا بد من تحديد المراد بالجوارح والأبعاض، فإنه في حق الله تعالى من الألفاظ البدعية التي لم ترد بنفي ولا إثبات، فلا يصح إطلاقه نفيًا ولا إثباتًا في حق الله تعالى؛ لأن صفاته سبحانه توقيفية.
٣ - أن دعوى تماثل الأجسام دعوى باطلة ببداهة العقول، فإن بين الأجسام من التغاير في الصفات ما هو معلوم بالضرورة (^١)، قال ابن تيمية: (ولا ريب أن قولهم بتماثل الأجسام قول باطل، سواء فسروا الجسم بما يشار إليه، أو بالقائم بنفسه أو بالمركب أو بالهيولى والصورة ونحو ذلك ..) (^٢).
٤ - أنهم يدعون لله أوصافًا لا بد لهم من إثباتها كالوجود والحياة والقدرة، وهذا تناقض يستلزم البطلان.
٥ - أن نفي الصفة إثبات لضدها، قال ابن تيمية: (وهذه الطريقة من أعظم الطرق في إثبات الصفات، وكان السلف يحتجون بها، ويثبتون أن من عبد إلهًا لا يسمع ولا يبصر ولا يتكلم فقد عبد ربًا ناقصًا معيبًا ..) (^٣).فهم يريدون بهذا النفي: الفرار من التشبيه، فوقعوا في التعطيل؛ لأن هذا هو التعطيل بعينه.
٦ - أن نصوص الصفات واضحة المعاني فهي بلسان عربي مبين، والمجهول هو كيفياتها؛ لأن من ذاته لا تشبه الذوات فصفاته لا تشبه الصفات.
٧ - أن هذا قياس عقلي، وصفات الله تعالى، لا مجال للعقل فيها. والله أعلم.
_________________
(١) ينظر: مذهب أهل التفويض في نصوص الصفات ص ٤٩٠.
(٢) التدمرية مع التحفة المهدية ص ٢٨٣.
(٣) درء تعارض العقل والنقل ٢/ ٢٤٠.
[ ٤٣٩ ]