قال تعالى: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا (٢٧)﴾ [الفتح:٢٧].
١٢٩/ ١ - قال ابن عقيل: (﴿مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾ [الفتح:٢٧] فكنى عن الحج بحلق الرأس فدل على وجوبه فيه، والأصل في ذلك أن العرب لا تكني عن الشيء إلا بأخص الأشياء به تقول: عندي كذا وكذا رقبة، وتحتي كذا وكذا فرج، قال النبي - ﷺ -: " لا سبق إلا في خف أو حافر أو نصل " (^١) ويقول القائل: لي كذا وكذا وقفة، ويريدون حجة، لما كان الوقوف بفواته فوات الحج، ويدرك بإدراكه، هذا دأبهم اهـ) (^٢).
الدراسة:
استنبط ابن عقيل من الآية قاعدة: وهي أن تسمية العبادة ببعض ما فيها يدل على وجوبه فيها، والأصل فيها: أن العرب لا تكني عن الشيء إلا بأخص الأشياء به، وهذا هو ما ذكره عامة العلماء، وقد سبق مثل هذا المعنى في قوله تعالى: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ [الإسراء:٧٨] (^٣)، فلما سمى الحاج بالمحلق أو المقصر دل على وجوب هذا النسك في الحج.
_________________
(١) أخرجه أبو داود في كتاب الجهاد باب في السبق (٢٥٧٤)، والترمذي في كتاب الجهاد باب ما جاء في الرهان والسبق (١٦٩٩) من حديث أبي هريرة - ﵁ -، وقال هذا حديث حسن، وصححه ابن حبان ١٠/ ٥٤٤ (٤٦٩٠).
(٢) الواضح ٣/ ٢١٣.
(٣) ينظر: ص ٣٦٤.
[ ٤٤٩ ]
قال الجصاص: (المقصد إخبارهم بأنهم يدخلون المسجد الحرام آمنين متقربين بالإحرام، فلما ذكر معه الحلق والتقصير: دل على أنهما قربة في الإحرام، وأن الإحلال بهما يقع، لولا ذلك ما كان للذكر ههنا وجه .. وهذا أيضًا يدل على أنهما قربة ونسك عند الإحلال من الإحرام) (^١).
وقال ابن قدامة في الاستدلال على وجوب الحلق أو التقصير: (لأن الله تعالى وصفهم به، بقوله سبحانه: ﴿مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾ [الفتح:٢٧] ولو لم يكن من المناسك لما وصفهم به) (^٢).
وقال ابن النجار: (وإن كنى الشارع عن عبادة ببعض ما فيها، نحو: التعبير عن الإحرام بالنسك بأخذ الشعر في قوله تعالى: ﴿مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾ [الفتح:٢٧] دل على فرضية المكنى به عن تلك العبادة. فيدل قوله تعالى: ﴿مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ﴾ على فرضية الحلق في الحج؛ لأن العرب لا تكني عن الشيء إلا بالأخص به. وكذا قوله تعالى: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ (٣٩)﴾ [ق:٣٩] يدل على وجوب التسبيح في الصلاة. ذكره القاضي وابن عقيل) (^٣). والله تعالى أعلم.