قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢)﴾ [المائدة:٢].
٤٥/ ١ - قال ابن عقيل: (﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا﴾ [المائدة:٢]، ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا﴾ [الجمعة:١٠]، وذلك لا يعطي عندي مذهبًا في مسألتنا (^١)؛ لأن المختلفين في هذه المسألة مجمعون على أن هذه الآيات للإباحة والإطلاقِ بحسب دلالة الإجماع اهـ) (^٢).
الدراسة:
أشار ابن عقيل في كلامه إلى مسألتين مترابطتين:
المسألة الأولى: صيغة الأمر بعد الحظر، هل هي للوجوب أو غيره؟ (^٣).
اختلف العلماء في ذلك على ثلاثة أقوال:
القول الأول: أن الأمر بعد الحظر للإباحة، وإليه مال الشافعي وبعض أصحابه (^٤) والحنابلة (^٥).
واستدلوا باستعماله في عرف الناس؛ كمن قال لغلامه: لا تدخل بيت فلان، ثم قال: ادخله. وباستعماله أيضًا في عرف الشارع كما في الآيتين اللتين معنا.
_________________
(١) وهي: هل الأمر بعد الحظر للوجوب أو غيره؟.
(٢) الواضح ٢/ ٥٢٤، الجدل ص ٣.
(٣) وهذا عند من قال بأن: الأصل في الأمر الوجوب.
(٤) ينظر: البحر المحيط للزركشي ٣/ ٣٠٤.
(٥) ينظر: العدة ١/ ٢٥٦.
[ ٢١٤ ]
القول الثاني: أن الأمر بعد الحظر للوجوب، وإليه مال عامة الحنفية (^١)، واختاره القرطبي (^٢)، ونُسب لبعض الحنابلة (^٣)، استدلالًا بأصله وصيغته، وكذلك قوله تعالى بعد النهي عن قتال المشركين في الأشهر الحرم: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة:٥]، والأمر هنا للوجوب.
القول الثالث: أن الأمر بعد الحظر يرجع إلى ما كان عليه قبل الحظر، فإن كان واجبًا فواجب، وإن كان مستحبًا فمستحب، وإن كان مباحًا فمباح، وهو رأي المحققين من العلماء كابن تيمية (^٤)، والزركشي (^٥)، وغيرهم (^٦).
ودليلهم: أن هذا الحكم مبني على الاستقراء التام.
قال ابن كثير: (وهذا أمر بعد الحظر، والصحيح الذي يثبت على السبر (^٧) أنه يَرُد الحكم إلى ما كان عليه قبل النهي، فإن كان واجبًا رده واجبًا، وإن كان مستحبًا فمستحب، أو مباحا فمباح. ومن قال: إنه على الوجوب. ينتقض عليه بآيات كثيرة، ومن قال: إنه للإباحة. يرد عليه آيات أخر، والذي ينتظم الأدلة كلها هذا الذي ذكرناه) (^٨).
وقال الشنقيطي: (وبهذا تعلم أن التحقيق الذي دل عليه الاستقراء التام في القرآن أن الأمر بالشيء بعد تحريمه يدل على رجوعه إلى ما كان عليه قبل التحريم من إباحة أو وجوب ) إلى أن قال: (وهذا هو الحق في هذه المسألة الأصولية) (^٩).
_________________
(١) ينظر: أحكام القرآن للجصاص ١/ ٢٧٧، أصول السرخسي ١/ ١٩، كشف الأسرار ١/ ١٢٠.
(٢) الجامع لأحكام القرآن ٦/ ٤٤.
(٣) ينظر: القواعد لابن اللحام ص ٢٢٢.
(٤) ينظر: المسودة ص ١٦، القواعد لابن اللحام ص ٢٢٢.
(٥) ينظر: البحر المحيط ٢/ ٣٧٨.
(٦) ينظر: المسودة ص ١٦، القواعد لابن اللحام ص ٢٢٢، تفسير السعدي ٢/ ٢٣٨.
(٧) أي: التتبع والاستقراء.
(٨) تفسير ابن كثير ٣/ ١٠٨٩.
(٩) أضواء البيان ١/ ٢٥٧.
[ ٢١٥ ]
فمن أمثلة الواجب: قوله تعالى: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة:٥]، كان واجبًا ثم نهي عنه في الأشهر الحرم ثم أمر به فيرجع للوجوب.
ومن أمثله المستحب: قوله - ﷺ -: " كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها " (^١)، كانت الزيارة مستحبة ثم نهي عنها ثم أمر بها فترجع للاستحباب.
ومن أمثلة المباح وهو كثير: قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [المائدة:٢]، كان الصيد مباحًا ثم نهي عنه حال الإحرام ثم أمر به فيرجع للإباحة.
وهذا هو القول الراجح الذي يجمع بين الأقوال، ويسلم من الاعتراض، ولا حاجة للتوقف في هذه المسألة، بعد هذا الاستقراء.
ويجاب عما استدل به أصحاب القول الأول بما يلي:
أما استدلالهم بالعرف، فنقول: العرف لا يقبل هنا؛ لأن الحكم مبناه على الشرع، وإذا سلمنا بقبول العرف؛ فالعرف موافق لقولنا: بأن الأمر بعد الحظر يرجع إلى ما كان عليه؛ فمثلًا لو قال الطبيب: لا تشرب الدواء، ثم قال: اشربه، ولو قال لغلامه: لا تنظف البيت - لعارض - ثم قال: نظفها، لرجع إلى الوجوب.
وأما استدلالهم بعرف الشارع، وذكر أمثلة له، فهو استقراء ناقص، ولا شك أن الاستقراء التام مقدم عليه.
وأما استدلال من قال: يرجع لأصله وهو الوجوب، فإنه ينتقض عليه بآيات أخر، منها الآية التي معنا (^٢).
_________________
(١) أخرجه مسلم في كتاب الجنائز باب استئذان النبي - ﷺ - ربه ﷿ في زيارة قبر أمه (٩٧٧) من حديث بريدة - ﵁ -.
(٢) ينظر للاستزادة: نهاية السول ٢/ ٢٧٢، المعتمد ١، ٨٢، المسودة ص ١٦، العدة ١/ ٢٥٦، روضة الناظر ٢/ ٧٥، شرح الكوكب المنير ٣/ ٥٦، البحر المحيط للزركشي ٢/ ٣٧٨، المذكرة في أصول الفقه ص ١٩٢.
[ ٢١٦ ]
المسألة الثانية: نبه ابن عقيل إلى أن المختلفين في هذه المسألة مجمعون على أن آية المائدة والجمعة السابقتين للإباحة والإطلاق. وقد حكى الإجماع ثلة من العلماء.
قال الطبري: (القول في تأويل قوله تعالى وإذا حللتم فاصطادوا، يعني: بذلك جل ثناؤه: وإذا حللتم فاصطادوا الصيد الذي نهيتكم أن تحلوه وأنتم حرم. يقول: فلا حرج عليكم في اصطياده، فاصطادوا إن شئتم حينئذ؛ لأن المعنى الذي من أجله كنت حرمته عليكم في حال إحرامكم قد زال. وبما قلنا في ذلك قال جميع أهل التأويل) (^١).
وقال ابن العربي: (وهو محمول على الإباحة اتفاقًا) (^٢).
وقال ابن عطية: (وقوله: ﴿فَانْتَشِرُوا﴾ [الجمعة:١٠] أجمع الناس على أن مقتضى هذا الأمر: الإباحة، وكذلك قوله تعالى: ﴿وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [الجمعة:١٠] أنه الإباحة في طلب المعاش، وأن ذلك مثل قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [المائدة:٢]) (^٣). وقال ابن جزي: (فالأمر هنا إباحة بإجماع) (^٤).
ولم أجد من خالف في أن الأمر للإباحة في هاتين الآيتين من المفسرين (^٥).
والسر في مجيء الإباحة بصيغة الأمر تأكيدُها (^٦) كي لا يبقى أدنى شبهة أو حرج في بقاء شيء من النهي الأول. والله أعلم.
_________________
(١) جامع البيان ٨/ ٤٢.
(٢) أحكام القرآن ٢/ ٢٠.
(٣) المحرر الوجيز ٥/ ٣٠٩.
(٤) التسهيل ١/ ٢٢٣.
(٥) ينظر: تفسير السمرقندي ١/ ٣٩٠، تفسير السمعاني ٢/ ٨، زاد المسير ٢/ ٢٧٤، التفسير الكبير ١١/ ١٠٣.
(٦) ينظر: التحرير والتنوير ٦/ ٨٥.
[ ٢١٧ ]
قال تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣)﴾ [المائدة:٣].
٤٦/ ٢ - قال ابن عقيل: (﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾، والمراد به: إمساككم إياها، وتناولكم منها أكلًا واستعمالًا (^١)، فعاد النهي إلى أفعالنا فيها، ومقصودِنا إلى التناول لها والانتفاع بها، الذي يدخل تحت مقدورنا، إذ لم تكن هي بأعيانها داخلة تحت مقدورنا فتحرم ذواتها علينا اهـ) (^٢).
_________________
(١) مثال الاستعمال: التداوي بالميتة، طلاء السفن والاستصباح بدهنها، بيعها أو بعضها، الانتفاع بها أو ببعض أجزائها، على خلاف في أكثرها، ينظر: الموسوعة الفقهية ٣٩/ ٣٨٧ وما بعدها.
(٢) الواضح ٢/ ٤٤٣.
[ ٢١٨ ]
الدراسة:
وضح ابن عقيل أن المراد بالآية تحريم أفعالنا في الميتة، وليس تحريم ذواتها، لأن تحريم الذوات لا يدخل تحت مقدورنا، وأول ما يتبادر إلى الذهن ما قاله ابن عقيل، ولم يقل أحد من المفسرين بخلافه (^١). وقد سبق الحديث عن مثل هذه المسألة عند قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ الآية [النساء:٢٣] (^٢).
قال الآلوسي: (﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ﴾ [البقرة:١٧٣] أي: أكلها والانتفاع بها، وأضاف الحرمة إلى العين مع أن الحرمة من الأحكام الشرعية التي هي من صفات فعل المكلف، وليست مما تتعلق بالأعيان؛ إشارة إلى حرمة التصرف في الميتة، وهي التي ماتت من غير ذكاة شرعية من جميع الوجوه بأخصر طريق وأوكده، حيث جعل العين غير قابلة؛ لتعلق فعل المكلف بها إلا ما خصه الدليل) (^٣).
وعلى هذا فالأصل في الأكل أو الاستعمال للميتة التحريم إلا ما خصه الدليل. والله أعلم.
قال تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٣٣)﴾ [المائدة:٣٣].
٤٧/ ٣ - قال ابن عقيل: (واعلم أن حدودهم على الترتيب دون التخيير فمن قتل منهم وأخذ المال قتل وصلب، ومن أخذ المال ولم يقتل قطعت يده ورجله من خلاف، ومن قتل ولم يأخذ المال قتل ولم يصلب، وإن لم يوجد منه إلا النهب نُفي عن البلاد اهـ) (^٤).
_________________
(١) ينظر على سبيل المثال: تفسير السمرقندي ١/ ٣٩١، الجلالين ص ٢٦، أضواء البيان ٢/ ٢٤٤.
(٢) ينظر: ص ١٨٥.
(٣) روح المعاني ٢/ ٤١.
(٤) التذكرة ص ٣٠٨.
[ ٢١٩ ]
الدراسة:
أشار ابن عقيل في تفسير هذه الآية إلى أن عقوبة المحاربين مرتبة على حسب جنايتهم.
واختلف العلماء في هذه المسألة على قولين:
وقبل الدخول في المسألة فقد أجمع العلماء على أن من قتل من المحاربين فإن الإمام يقتله حدًا ولا يجوز العفو عنه بحال (^١).
القول الأول: وهو قول ابن عقيل: أنها على الترتيب على قدر جناية المحارب، وهو قول كثير من أهل العلم كالشافعية (^٢)، والحنابلة (^٣)، وهو قريب من قول الحنفية، على اختلاف في كيفية التفصيل (^٤)، وهو قول: ابن عباس، والنخعي، والحسن، وقتادة (^٥).
قالوا: إن أخذ المحاربون المال فقط قطعت أيديهم وأرجلهم من خلاف، وإن قتلوا ولم يأخذوا المال قتلوا ولم يصلبوا، وإن قتلوا وأخذوا المال قتلوا وصلبوا، وإن أخافوا الطريق نفوا من الأرض، وحجتهم: أن العقوبة يجب أن تكون على قدر الاعتداء، وأن الله أوجب على القاتل القود، وعلى السارق القطع، ويستدلون بما روي عن ابن عباس - ﵁ - بهذه الكيفية (^٦).
القول الثاني: أن الإمام مخير في إقامة أي الحدود شاء على المحاربين حسب المصلحة، وهو قول مالك.
_________________
(١) ينظر: الإجماع لابن المنذر ص ١٠٠، دقائق التفسير ٣/ ٣٥.
(٢) ينظر: الحاوي ١٣/ ٣٥٣، المجموع ٢٢/ ٢٢٧.
(٣) ينظر: المغني ١٢/ ٤٧٥، السياسة الشرعية لابن تيمية ص ٧٦.
(٤) ينظر: بدائع الصنائع ٩/ ٣٦٧، حاشية ابن عابدين ٦/ ١٣٩.
(٥) ينظر: جامع البيان ٨/ ٣٧٣ وما بعدها.
(٦) أخرجه البيهقي في كتاب السرقة باب قطاع الطريق ٨/ ٤٩١ (١٧٣١٣)، ينظر: التلخيص ٤/ ١٩٧، نيل الأوطار ٧/ ١٦٧، وضعفه الألباني في الإرواء ٨/ ٩٢.
[ ٢٢٠ ]
قال الشنقيطي: (وكون الإمام مخيرًا بينهما مطلقًا من غير تفصيل هو مذهب مالك) (^١)، وهو قول مجاهد، وعطاء، والضحاك (^٢)، واستحسنه النحاس (^٣)، واستظهره القرطبي (^٤).
وحجتهم: أن حرف [أو] المذكور في آية المحاربة يفيد التخيير؛ لأن استعماله في القرآن في كل ما أوجب فرضًا بمعنى التخيير، كقوله تعالى في كفارة اليمين: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المائدة:٨٩].
وسبب الخلاف: هل حرف [أو] للتخيير، أو للتفصيل على حسب جناياتهم؟ (^٥).
والقول الراجح: أن عقوباتهم ترتب وتفصل على قدر جناياتهم؛ وذلك لأمور منها:
١ - أن اختلاف العقوبات توجب اختلاف أسبابها، ومن قال بالتخيير سوى بينها.
٢ - أن القول بالتخيير يفضي إلى أن يعاقب من قل جرمه بأغلظ العقوبات ومن كثر جرمه بأخف العقوبات، والترتيب يمنع من هذا التناقض.
٣ - أنه بدأ بالأغلظ فالأخف، وعرف القرآن فيما أريد به التخيير البداية بالأخف، ككفارة اليمين، وما أريد به الترتيب بدئ فيه بالأغلظ، ككفارة الظهار والقتل.
٤ - أن النبي - ﷺ - قال: " لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثيب الزاني، والمفارق لدينه التارك
_________________
(١) ينظر: أضواء البيان ١/ ٣٠١ - ٣٠٢.
(٢) ينظر: جامع البيان ٨/ ٣٧٨ وما بعدها.
(٣) معاني القرآن ٢/ ٣٠٠.
(٤) الجامع لأحكام القرآن ٦/ ١٥٢.
(٥) بداية المجتهد ص ٧٦٤.
[ ٢٢١ ]
للجماعة " (^١)، ومن قال بالتخيير جوز القتل في غيرها.
٥ - قول النبي - ﷺ -: " تقطع اليد في ربع دينار فصاعدا " (^٢)، والقول بالتخيير خلاف هذا.
٦ - أما قولهم: إن [أو] في العطف تأتي بمعنى التخيير في الفرض، فقد أجاب عنه الطبري بأنه: (كلام لا معنى له؛ لأن [أو] في كلام العرب قد تأتي بضروب من المعاني) (^٣)، ومعناها هنا: التنويع والتفصيل والتقسيم (^٤).
وهذا القول هو ما رجحه الطبري (^٥)، والشنقيطي (^٦)، وكثير من أهل العلم (^٧).
والله تعالى أعلم.
قال تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٣٨)﴾ [المائدة:٣٨].
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب الديات باب قول الله تعالى: ﴿أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ﴾ [المائدة:٤٥] (٦٨٧٨)، ومسلم في كتاب القسامة باب ما يباح به دم المسلم (١٦٧٦) من حديث ابن مسعود - ﵁ -.
(٢) أخرجه البخاري في كتاب الحدود باب قول الله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة:٣٨] وفي كم يقطع؟ (٦٧٨٩)، ومسلم في كتاب الحدود باب حد السرقة ونصابها (١٦٨٤) من حديث عائشة ﵂.
(٣) جامع البيان ٨/ ٣٨١، وينظر: مغني اللبيب ص ٧٣.
(٤) ينظر: بصائر ذوي التمييز ٢/ ١٢٢.
(٥) جامع البيان ٨/ ٣٨١.
(٦) ينظر: أضواء البيان ١/ ٣٠١ - ٣٠٢.
(٧) ينظر للاستزادة: جامع البيان ٨/ ٣٧٣ وما بعدها، أحكام القرآن للجصاص ٢/ ٥١١، الحاوي ١٣/ ٣٥٣، أحكام القرآن لابن العربي ٢/ ٩٧، بدائع الصنائع ٩/ ٣٦٦، زاد المسير ٢/ ٢٠٤، الجامع لأحكام القرآن ٦/ ٩٩، المغني ١٢/ ٤٧٥، أضواء البيان ١/ ٣٠٣.
[ ٢٢٢ ]
٤٨/ ٤ - قال ابن عقيل: (﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة:٣٨] خُص بما روي عن النبي - ﷺ -: " لا قطع في ثمر ولا كثر " (^١) اهـ) (^٢).
الدراسة:
بين ابن عقيل أن عموم قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾ [المائدة:٣٨] مخصوص بما روي عن النبي - ﷺ - في سنته، كالحديث السابق، وقوله - ﷺ -: " تقطع اليد في ربع دينار فصاعدًا " (^٣).
وهذا هو ما عليه عامة العلماء.
قال ابن الجوزي: (وهذه الآية اقتضت وجوب القطع على كل سارق، وبينت السنة أن المراد به: السارق لنصاب من حرز مثله) (^٤).
وقال ابن عطية: (فلفظ السارق في الآية عموم معناه الخصوص) (^٥).
وقال ابن القيم: (تخصيص القرآن بالسنة جائز كما أجمعت الأمة على تخصيص) وذكر آيات ومنها: (عموم قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة:٣٨] بقوله - ﷺ -: " لا قطع في ثمر ولا كثر " ونظائر ذلك كثيرة) (^٦).
_________________
(١) أخرجه أحمد ٣/ ٤٦٣، وأبو داود في كتاب الحدود باب ما لا قطع فيه (٤٣٨٨)، والترمذي في كتاب الحدود باب ما جاء لا قطع في ثمر ولا كثر (١٤٤٩)، والنسائي في كتاب قطع السارق باب ما لا قطع فيه (٤٩٦٠)، وابن ماجة في كتاب الحدود باب لا يقطع في ثمر ولا كثر (٢٥٩٣) من حديث رافع بن خديج - ﵁ - وصححه محقق المسند، والألباني في الإرواء ٨/ ٧٢. والثمر: الرطب ما دام في رأس النخلة؛ فإذا قطع فهو التمر، والكَثَر: جُمَّار النخل، وهو شحمه الذي وسط النخل، ينظر: النهاية ١/ ٢٢١ - ٤/ ١٥٢.
(٢) الواضح ٢/ ٩٦، ٣/ ٤٣٥.
(٣) سبق تخريجه، ينظر: ص ٢٢٨.
(٤) زاد المسير ٢/ ٢٠٧.
(٥) المحرر الوجيز ٢/ ١٨٨.
(٦) أعلام الموقعين ٢/ ٢٢٨.
[ ٢٢٣ ]
وقيل: إنه يُقطع في القليل والكثير، روي عن الحسن، وهو قول داود، والخوارج (^١).
واستدلوا بعموم الآية، ويجاب بأن الإطلاق مقيد بالأحاديث المذكورة.
واستدلوا أيضًا: بقوله - ﷺ -: " لعن الله السارق يسرق البيضة فتقطع يده، ويسرق الحبل فتقطع يده " (^٢)، ويجاب عنه: بأن المراد: التنفير عن السرقة، وجعل ما لا قطع فيه بمنزلة ما فيه القطع، وأن من سرق القليل لم ييأس أن يؤديه ذلك إلى سرقة الكثير فتُقطع فيه اليد (^٣)، على أنه قيل: إن المراد بالبيضة بيضة الحديد ولا شك أن لها قيمة، وكذلك الحبل فإن في الحبال ما تزيد قيمته على ثلاثة دراهم كحبال السفن (^٤)، ولكن مقام المبالغة لا يناسب ذلك (^٥).
قال الجصاص: (وروي عن الحسن البصري أنه قال: (يقطع في درهم واحد) وهو قول شاذ، قد اتفق الفقهاء على خلافه ) إلى أن قال: (ولا يصح الاحتجاج بعموم قوله: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة:٣٨]؛ لما بينا أنه مجمل بما اقترن إليه من توقيف الرسول ﵇ على اعتبار ثمن المجن، ومن اتفاق السلف على ذلك أيضًا؛ فسقط الاحتجاج بعمومه) (^٦).
_________________
(١) ذكره ابن قدامة في المغني ١١٢/ ٤١٨، وابن حجر في فتح الباري ١٢/ ١٢٧ وأشار إلى شذوذه.
(٢) أخرجه البخاري في كتاب الحدود باب لعن الله السارق إذا لم يسم (٦٧٨٣)، مسلم في كتاب الحدود باب حد السرقة ونصابها (١٦٨٧) من حديث أبي هريرة - ﵁ -.
(٣) ينظر: فتح الباري ١٢/ ٩٧، نيل الأوطار ٧/ ١٤٠.
(٤) كما فسره بهذا الأعمش وهو أحد رواة الحديث، ينظر: صحيح البخاري ص ١٤٢٤.
(٥) ينظر: نيل الأوطار ٧/ ١٤٠.
(٦) أحكام القرآن ٢/ ٥٢٠.
[ ٢٢٤ ]
والقول الراجح هو جواز تخصيص القرآن بالسنة، وقد حكى ابن قدامة إجماع الصحابة على تخصيص الآية بالسنة (^١). وتفاصيل نصاب القطع وشروطه الأخرى وأقوال العلماء قد أطال فيها أئمة الفقه وشراح الحديث مما لا يناسب التطويل به هنا (^٢). والله تعالى أعلم.
قال تعالى: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٧٥)﴾ [المائدة:٧٥].
٤٩/ ٥ - قال ابن عقيل: (قال الله سبحانه في عيسى: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ﴾ [المائدة:٧٥]، وهذا مدح يقتضي النبوة، ثم قال: ﴿كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ﴾ [المائدة:٧٥]، وهذا نقص في الكمال يقتضي التغذية اهـ) (^٣).
_________________
(١) المغني ١٢/ ٤١٨.
(٢) ينظر للاستزادة: جامع البيان ٨/ ٤٠٨، أحكام القرآن للجصاص ٢/ ٥٢٠، المحلى ١٣/ ١٨٧، بداية المجتهد ص ٧٥٧ فقد أجاد في تفصيل المسألة، المغني ١٢/ ٤١٨، الجامع لأحكام القرآن ٦/ ١٦٠، فتح الباري ١٢/ ١٢٧، فتح القدير ٢/ ٤٩، نيل الأوطار ٧/ ١٣٧.
(٣) الفنون ٢/ ٤٨٠.
[ ٢٢٥ ]
الدراسة:
بين ابن عقيل أن الوصف بالرسالة صفة مدح تقتضي النبوة، وقد وصف الله به عيسى ﵇، وجاء في الصحيحين عن عبادة بن الصامت - ﵁ - عن النبي - ﷺ - أنه قال: " من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم، وروح منه، والجنة حق، والنار حق، أدخله الله الجنة على ما كان من العمل " (^١). وفي هذا الوصف رد على اليهود في تكذيبهم رسالته.
ثم بين أن أكله الطعام نقص في الكمال يقتضي التغذية، وفي هذا الوصف رد على النصارى الذين غلوا فيه فجعلوه إلهًا، ومعناه أن من يأكل الطعام لا يكون إلهًا يعبد.
قال ابن الجوزي: (قوله تعالى: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ﴾ [المائدة:٧٥] فيه رد على اليهود في تكذيبهم رسالته، وعلى النصارى في ادعائهم إلهيته، والمعنى: أنه ليس بإله، وإنما حكمه حكم من سبقه من الرسل) (^٢).
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب الأنبياء باب قوله تعالى: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ [النساء:١٧١] (٣٤٣٥)، ومسلم في كتاب الإيمان باب الدليل على أن من مات على التوحيد دخل الجنة قطعًا (٢٨).
(٢) زاد المسير ٢/ ٢٤١.
[ ٢٢٦ ]
وقال ابن تيمية: (وهذا ونحوه يتضمن اعترافه بأنه عبد الله، ورسول من الله لا يتعدى حد الرسالة، ولا يدعي المشاركة في الألوهية كما ادعته النصارى في المسيح، ولهذا قال تعالى: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ﴾ [المائدة:٧٥]، فتبين أنه لا يتعدى حد الرسالة وهو كقوله تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ [آل عمران:١٤٤]. ولهذا قال - ﷺ - في الحديث المتفق على صحته: " لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم فإنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله " (^١» (^٢).
وقال أيضًا: (فذكر ﷾: أنهما كانا يأكلان الطعام؛ لأن ذلك من أظهر الأدلة على أنهما مخلوقان مربوبان، إذ الخالق أحد صمد لا يأكل ولا يشرب، وذكر مريم مع المسيح لأن من النصارى من اتخذها إلها آخر فعبدها كما عبد المسيح) (^٣).
وقال ابن القيم: (وقد تضمنت هذه الحجة دليلين ببطلان إلهية المسيح وأمه:
أحدهما: حاجتهما إلى الطعام والشراب، وضعف بنيتهما عن القيام بنفسهما، بل هي محتاجة فيما يقيمها إلى الغذاء والشراب، والمحتاج إلى غيره لا يكون إلهًا، إذ من لوازم الإله أن يكون غنيًا.
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب الأنبياء باب قول الله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا﴾ [مريم:١٦] (٣٤٤٥) من حديث عمر - ﵁ -، وتفرد به البخاري عن مسلم، ينظر: المعجم المفهرس ٣/ ٥٤٣.
(٢) الجواب الصحيح ٣/ ١٥٨.
(٣) الجواب الصحيح ٤/ ٢٥٥، وينظر: مجموع الفتاوى ٣/ ٨٦.
[ ٢٢٧ ]
الثاني: أن الذي يأكل الطعام يكون منه ما يكون من الإنسان من الفضلات القذرة التي يستحي الإنسان من نفسه وغيره حال انفصالها عنه، بل يستحي من التصريح بذكرها، ولهذا والله أعلم كنى سبحانه عنها بلازمها من أكل الطعام الذي ينتقل الذهن منه إلى ما يلزمه من هذه الفضلة، فكيف يليق بالرب سبحانه أن يتخذ صاحبة وولدًا من هذا الجنس،
ولو كان يليق به ذلك أو يمكن لكان الأولى به أن يكون من جنسٍ لا يأكل ولا يشرب، ولا يكون منه الفضلات المستقذرة التي يستحي منها ويرغب عن ذكرها) (^١).
وهذا هو ما عليه عامة المفسرين (^٢). والله تعالى أعلم.
قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠)﴾ [المائدة:٩٠].
٥٠/ ٦ - قال ابن عقيل: (﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠)﴾ [المائدة:٩٠]، ثم علل سبحانه التحريم بقوله: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ﴾ [المائدة:٩١] فكل شراب أسكر، وصد عن ذكر الله، وأوقع العداوة والبغضاء فهو حرام ويجب الحد لشربه، ويسمى خمرًا؛ لأن الخمر ما غطى العقل اهـ) (^٣).
الدراسة:
في كلام ابن عقيل أربع مسائل:
_________________
(١) الصواعق المرسلة ٢/ ٤٨٢، بدائع التفسير ٢/ ١١٧.
(٢) ينظر: جامع البيان ٨/ ٥٨٢، تفسير السمرقندي ١/ ٤٣٢، تفسير السمعاني ٢/ ٥٥، معالم التنزيل ٢/ ٤٥، تفسير ابن كثير ٣/ ١٢١١، تفسير السعدي ٢/ ٣٢٦.
(٣) التذكرة ص ٣٠٨.
[ ٢٢٨ ]
المسألة الأولى:
أن الله ذكر سبب تحريم الخمر والميسر في الآية التالية؛ ليكون أدعى للقبول، ومما ذكر من المفاسد: إيقاع العداوة والبغضاء بين الناس، والصد عن ذكر الله وعن الصلاة، وهذا من بيان القرآن بالقرآن (^١). أضف إلى ذلك ما أكد الله به تحريمه من الأمر باجتنابه، وترتب الفلاح عليه، وأنه رجس من عمل الشيطان، فهل أنتم منتهون بعد سماع هذه الصوارف، وأمر بالآية التالية بطاعته وطاعة رسوله - ﷺ -، فإن تولوا فما على الرسول إلا البلاغ المبين، وفيه تهديد عظيم ووعيد شديد في حق من خالف هذا التكليف (^٢).
المسألة الثانية:
أن كل شراب أسكر وصد عن ذكر الله وأوقع العداوة والبغضاء فهو حرام، وهذا بين وواضح؛ لأن الله جل وعلا ذكر العلة في التحريم؛ فإذا وجدت هذه العلة وجد التحريم، وقد بينت السنة ذلك، فقد قال النبي - ﷺ -: " كل شراب أسكر فهو حرام " (^٣).
قال الجصاص: (فتضمنت هذه الآيات ذكر تحريمها من وجوه، أحدها: قوله: ﴿رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ [المائدة:٩٠]، وذلك لا يصح إطلاقه إلا فيما كان محظورًا محرمًا، ثم أكده بقوله: ﴿فَاجْتَنِبُوهُ﴾ [المائدة:٩٠]، وذلك أمر يقتضي لزوم اجتنابه، ثم قال تعالى: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (٩١)﴾ [المائدة:٩١]، ومعناه: فانتهوا) (^٤).
_________________
(١) ينظر: أضواء البيان ٢/ ١٦٦، تفسير السعدي ١/ ٢٤٣.
(٢) ينظر: التفسير الكبير ١٢/ ٦٨.
(٣) أخرجه البخاري في كتاب الأشربة باب الخمر من العسل وهو البِتع (٥٥٨٥)، ومسلم في كتاب الأشربة باب بيان أن كل ما أسكر خمر وأن كل خمر حرام (٢٠٠١) من حديث عائشة ﵂.
(٤) أحكام القرآن ١/ ٣٩١، ٢/ ٥٧٧.
[ ٢٢٩ ]
وقد أجمعت الأمة على تحريم الخمر (^١).
المسألة الثالثة:
أنه يجب الحد على من شرب الخمر.
أما حد شارب الخمر فقد ثبت في السنة بأحاديث كثيرة، منها ما روي عن أنس - ﵁ -: أن النبي - ﷺ - أتي برجل قد شرب الخمر " فجلده بجريدتين نحو أربعين ". قال: وفعله أبو بكر، فلما كان عمر استشار الناس، فقال عبد الرحمن: أخف الحدود ثمانون، فأمر به عمر (^٢).
وعن السائب بن يزيد - ﵁ - قال: " كنا نؤتى بالشارب على عهد رسول الله - ﷺ - وإمرة أبي بكر وصدرًا من خلافة عمر فنقوم إليه بأيدينا ونعالنا وأرديتنا حتى كان آخر إمرة عمر فجلد أربعين حتى إذا عتوا وفسقوا جلد ثمانين " (^٣).
وقد أجمع الصحابة ومن بعدهم على جلد شارب الخمر، ثم اختلفوا في مقداره ما بين أربعين أو ثمانين، والجمهور على القول بالثمانين (^٤).
المسألة الرابعة:
أن الخمر ما غطى العقل، وهذا هو الأصل في معناها بدليل أن كل الاشتقاقات تعود إلى التغطية.
قال ابن فارس: (الخاء والميم والراء أصل واحد يدل على التغطية، والمخالطة في ستر) (^٥).
_________________
(١) ينظر: الإجماع لابن المنذر ص ٩٩، التمهيد ١٥/ ١٠، الحاوي ١٣/ ٣٧٦، بداية المجتهد ص ٧٥٥، المغني ١٢/ ٤٩٣.
(٢) أخرجه مسلم في كتاب الحدود باب حد الخمر (١٧٠٦).
(٣) أخرجه البخاري في كتاب الحدود باب الضرب بالجريد والنعال (٦٧٧٩).
(٤) ينظر: التمهيد ٢٣/ ٤١١، بدائع الصنائع ٩/ ٢١٣، الحاوي ١٣/ ٤١٢، بداية المجتهد ص ٧٥٥، المغني ١٢/ ٤٩٧.
(٥) معجم مقاييس اللغة ٢/ ٢١٥.
[ ٢٣٠ ]
وقال الرازي: (من الدلائل على أن كل مسكر خمر: التمسك بالاشتقاقات، قال أهل اللغة: أصل هذا الحرف التغطية، سمي الخمار خمارًا لأنه يغطي رأس المرأة، والخمر ما واراك من شجر وغيره من وهدة (^١) وأكمة، وخمرت رأس الإناء، أي: غطيته، والخامر: هو الذي يكتم شهادته) (^٢). والله أعلم.
قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ (٩٥)﴾ [المائدة:٩٥].
٥١/ ٧ - قال ابن عقيل في قوله تعالى: (﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة:٩٥]، ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾ [النساء:٩٣] كان تقييده بالعمد مقيّدًا للحكم بالتقييد، ونافيًا له عما عدم فيه التقييد، وهو صفة العمد اهـ) (^٣).
الدراسة:
أشار ابن عقيل إلى مسألتين:
المسألة الأولى:
ذكر قاعدة في المقيد وهي: وجوب تقييد اللفظ بالوصف المذكور في الآية وهو العمد، وأقول هذه القاعدة تحتاج إلى ضابط وليست على إطلاقها وهو أن يقال: ما لم يدل دليل على عدم اعتبار القيد.
_________________
(١) الوهدة: الهوة تكون في الأرض، ينظر: لسان العرب ٣/ ٤٧١.
(٢) التفسير الكبير ٦/ ٣٧.
(٣) الواضح ٣/ ٢٧٢.
[ ٢٣١ ]
فيكون سبك القاعدة: (وجوب العمل بالقيد إلا أن يدل دليل على عدم اعتباره) (^١).
ومن الأمثلة على ذلك:
١ - قيد معتبر، مثل قوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء:٩٢]، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾ [النساء:٩٣]، فالجزاء المذكور في الآية مقيد فيمن تعمد القتل كما ذكر العلماء، وإنما خلافهم في صفة هذا العمد (^٢).
٢ - قيد غير معتبر، مثل قوله تعالى: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ [النساء:٢٣]، فالقيد الأول غير معتبر فتحرم الربيبة ولو لم تكن في الحجر (^٣)، والثاني معتبر، فلا تحرم إلا بالدخول بالأم، والذي دل على إلغاء القيد الأول بقية الآية حيث قال تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء:٢٣]، فنفى مفهوم القيد الثاني، والأول خرج مخرج الغالب.
٣ - قيد مختلف فيه، وهي:
المسألة الثانية:
هل جزاء الصيد في الإحرام خاص بالمتعمد؟.
اختلف أهل العلم في جزاء الصيد، هل يلزم الناسي؟ أم هو مقيد بالمتعمد فقط؟. على أقوال منها:
_________________
(١) ينظر: القواعد الحسان لتفسير القرآن ص ٧٦.
(٢) ينظر: جامع البيان ٧/ ٣٣٦، الجامع لأحكام القرآن ٥/ ٢١١.
(٣) قال القرطبي: (وشذ بعض المتقدمين وأهل الظاهر؛ فقالوا: لا تحرم الربيبة إلا أن تكون في حجر المتزوج بأمها) ينظر: الجامع لأحكام القرآن ٥/ ٧٤.
[ ٢٣٢ ]
القول الأول: أن الجزاء خاص بالمتعمد فقط، وذلك لتقييده بالمتعمد في الآية، مما يدل على أن غيره بخلافه؛ ولأن الأصل براءة الذمة، روي هذا عن طاووس (^١)، وسعيد بن جبير (^٢)، وبه قال الطبري (^٣)، وأحمد في رواية، وهو قول داود (^٤)، وهو قول ابن عقيل، واستغربه ابن كثير (^٥).
القول الثاني: أن الجزاء خاص بالناسي لإحرامه فقط، وأما الذاكر للإحرام فأمره إلى الله؛ لأن فعله أعظم من أن يكفر، روي هذا القول عن مجاهد، والحسن (^٦).
قال ابن قدامة: (ولا نعلم أحدًا خالف في الجزاء في قتل الصيد متعمدًا، إلا الحسن ومجاهدًا) (^٧).
واستدل مجاهد بقوله: (فإن كان ذاكرًا لإحرامه فقد حل ولا حج له؛ لارتكابه محظور إحرامه، فبطل عليه، كما لو تكلم في الصلاة أو أحدث فيها. ومن أخطأ فذلك الذي يجزئه) (^٨).
_________________
(١) هو طاووس بن كيسان أبو عبدالرحمن اليماني، من كبار التابعين أدرك خمسين صحابيًا، مات سنة ١٠٦ هـ، له ترجمة في: سير أعلام النبلاء ٥/ ٣٨، طبقات الأدنه وي ص ١٢.
(٢) ينظر: جامع البيان ٨/ ٦٧٧، هو سعيد بن جبير هشام أبو عبدالله الأسدي الفقيه المحدث المفسر، جهبذ علماء التابعين، قتله الحجاج سنة ٩٥ هـ، له ترجمة في: سير أعلام النبلاء ٤/ ٣٢١، طبقات الداوودي ١/ ١٨٨.
(٣) جامع البيان ٨/ ٦٧٩.
(٤) ينظر: المغني ٥/ ٣٩٧.
(٥) ينظر: تفسير ابن كثير ٣/ ١٢٤٠.
(٦) ينظر: جامع البيان ٨/ ٦٧٤، المحرر الوجيز ٢/ ٢٣٧.
(٧) المغني ٥/ ٣٩٥.
(٨) الجامع لأحكام القرآن ٦/ ١٩٩.
[ ٢٣٣ ]
القول الثالث: أنه يحكم عليه في العمد والخطأ والنسيان، روي عن ابن عباس - ﵁ - وعطاء، وهو قول الحنفية (^١)، والمالكية (^٢)، والشافعية (^٣)، ورواية عن الحنابلة (^٤).
قال الزهري: (وجب الجزاء في العمد بالقرآن، وفي الخطأ والنسيان بالسنة) (^٥).
وقال ابن كثير: (والذي عليه الجمهور أن العامد والناسي سواء في وجوب الجزاء عليه ) ثم قال: (لكن المتعمد مأثوم، والمخطئ غير ملوم) (^٦).
قال ابن بطال (^٧): (اتفق أئمة الفتوى من أهل الحجاز والعراق وغيرهم على أن المحرم إذا قتل الصيد عمدًا أو خطأً، فعليه الجزاء) (^٨).
والراجح قول الجمهور، لأن النبي - ﷺ - أوجب الجزاء ولم يفرق بين المتعمد والناسي، فعن جابر - ﵁ - قال: " جعل رسول الله - ﷺ - في الضبع يصيده المحرم كبشًا " (^٩) ولم يفرق بين العامد وغيره (^١٠).
_________________
(١) ينظر: شرح فتح القدير ٣/ ٦٤.
(٢) ينظر: بداية المجتهد ص ٢٩٥.
(٣) ينظر: المجموع ٧/ ٣١٦.
(٤) ينظر: المغني ٥/ ٣٩٦.
(٥) ينظر: الجامع لأحكام القرآن ٦/ ١٩٨.
(٦) تفسير ابن كثير ٣/ ١٢٤٠، وينظر: المجموع ٧/ ٣١٦.
(٧) هو أبو الحسن علي بن خلف بن بطال القرطبي، شارح صحيح البخاري، مات سنة ٤٤٩ هـ، له ترجمة في: سير أعلام النبلاء ١٨/ ٤٧، شذرات الذهب ٣/ ٢٨٣.
(٨) ينظر: فتح الباري ٤/ ٢١.
(٩) أخرجه أبو داود في كتاب الأطعمة باب في أكل الضبع (٣٨٠١)، وابن ماجة في كتاب المناسك باب جزاء الصيد يصيبه المحرم (٣٠٨٥)، والحاكم وصححه ووافقه الذهبي ١/ ٦٢٣، وصححه ابن خزيمة ٤/ ١٨٢، وابن حبان ٩/ ٢٧٧، والألباني في الإرواء ٤/ ٢٤٢.
(١٠) ينظر: معاني القرآن للنحاس ٢/ ٣٦٠.
[ ٢٣٤ ]
وقوله تعالى: ﴿مُتَعَمِّدًا﴾ [المائدة:٩٥] يحتمل المتعمد الصيد الذاكر للإحرام، ويحتمل أيضًا المتعمد الصيد الناسي للإحرام، والواجب عدم التفريق بينهما، فيحمل على عموم العمد.
ومما يؤيد هذا القول: أن القتل إتلاف، والإتلاف يضمن عمده وخطؤه؛ فيستدل به على أن التعمد ليس بشرط (^١).
ومن فوائد التقييد به: أن المتعمد إنما ذكر ليُعَلَّقَ به الوعيد في قوله: ﴿وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ﴾ [المائدة:٩٥] إذ لا وعيد على الناسي (^٢).
وقال الزركشي: (فإن قيل: فما فائدة التقييد في هذا القسم إذا كان المسكوت عنه مثله، وهلا حُذفت الصفة واقتصر على قوله: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ﴾ [المائدة:٩٥]؟. قلنا: لتخصيص الشيء بالذكر فوائد منها: اختصاصه في جنسه بشيء لا يشركه فيه غيره من جملة الجنس كما في هذه الآية) (^٣).
ويجاب على دليل مجاهد بما يلي:
١ - أنه خلاف النص؛ فالذاكر لإحرامه متعمد، وفي سياق الآية: ﴿لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ﴾ [المائدة:٩٥] والمخطئ والناسي لا إثم عليهما (^٤).
٢ - قال القرطبي: (ودليلنا على مجاهد: أن الله سبحانه أوجب الجزاء ولم يذكر الفساد، ولا فرق بين أن يكون ذاكرًا للإحرام أو ناسيًا له، ولا يصح اعتبار الحج بالصلاة فإنهما مختلفان) (^٥).
_________________
(١) ينظر: البرهان ٢/ ٢٢، المغني ٥/ ٣٩٧.
(٢) التسهيل ١/ ٢٥٠.
(٣) البرهان ٢/ ٢٢، يوضح هذا مثلًا: أننا لو نظرنا إلى قصة سبب النزول لإحدى الآيات لرأينا أن لها اختصاصًا وأولوية في لفظ الآية ومعناها، مع أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
(٤) ينظر: المغني ٥/ ٣٩٥.
(٥) الجامع لأحكام القرآن ٦/ ١٩٩.
[ ٢٣٥ ]
ويجاب عن القول الأول: بأن السنة لم تفرق بين العمد والخطأ؛ كما في حديث جابر - ﵁ - ولهذا قال بعض العلماء: وجب الجزاء في العمد بالقرآن وفي الخطأ والنسيان بالسنة (^١). والله أعلم.
قال تعالى: ﴿فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا وَمَا اعْتَدَيْنَا إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ (١٠٧)﴾ [المائدة:١٠٧].
٥٢/ ٨ - قال ابن عقيل: (﴿الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ﴾ [المائدة:١٠٧]، أي: استحق منهم اهـ) (^٢).
الدراسة:
اختلف العلماء في تفسير ﴿عَلَيْهِمُ﴾ [المائدة:١٠٧] على ثلاثة أقوال:
القول الأول: أن [على] بمعنى [من]، كما في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (٢)﴾ [المطففين:٢]، أي: من الناس، وهذا هو قول ابن قتيبة (^٣) (^٤)، والسمرقندي (^٥)، وهو اختيار ابن عقيل، وابن الجوزي (^٦)، والزركشي (^٧).
_________________
(١) ينظر للاستزادة: المحرر الوجيز ٢/ ٢٣٧، الجامع لأحكام القرآن ٦/ ١٩٨، زاد المسير ٢/ ٢٥٥، تفسير ابن كثير ٣/ ١٢٤٠، فتح القدير ١/ ٩٧.
(٢) الواضح ١/ ١٢٢.
(٣) هو أبو محمد عبدالله بن مسلم بن قتيبة الدينوري، النحوي اللغوي، صنف غريب القرآن، وتأويل مشكل القرآن، مات سنة ٢٧٦ هـ وقيل غيرها، له ترجمة في: سير أعلام النبلاء ١٣/ ٢٩٦، طبقات الداوودي ١/ ٢٥١.
(٤) ينظر: زاد المسير ٢/ ٢٧٣.
(٥) تفسير السمرقندي ١/ ٤٤٨.
(٦) تذكرة الأريب ٢/ ٢٧٨.
(٧) البرهان ٤/ ٢٨٥.
[ ٢٣٦ ]
القول الثاني: أن [على] بمعنى [في]، كما في قوله تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾ [البقرة:١٠٢]، أي: في ملك سليمان، وهو قول الفراء (^١)، والطبري (^٢)، وقال: (فآخران يقومان مقامهما من الذين استحق فيهم الإثم، ثم حذف الإثم وأقيم مقامه الأوليان؛ لأنهما هما الذان ظلما وأثما فيهما، بما كان من خيانة الذين استحقا الإثم) (^٣).
القول الثالث: أن [على] على بابها، قالوا: بقاء على الأصل، وهذا هو قول الأخفش (^٤)، والزجاج (^٥)، والنحاس حيث قال: (والمعنى: من الذين اسْتَحَقَّ عليهم الإيصاء) (^٦).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (وقوله: ﴿مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ﴾ [المائدة:١٠٧]، يحتمل أن يكون مضمنًا معنى بغى عليهم، وعدى عليهم، كما يقال في الغصب: غصبت علي مالي، ولهذا قيل: ﴿لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا وَمَا اعْتَدَيْنَا﴾ [المائدة:١٠٧]، أي: كما اعتدوا) (^٧).
وقد قال بعض العلماء عن هذه الآية: إنها أعضل ما في هذه السورة من الأحكام (^٨).
قال الزجاج: (وهذا موضع من أصعب ما في القرآن في الإعراب) (^٩).
_________________
(١) معاني القرآن ١/ ٣٢٤.
(٢) جامع البيان ٩/ ١٠١.
(٣) جامع البيان ٩/ ٩٨.
(٤) معاني القرآن ١/ ٢٦٦.
(٥) معاني القرآن وإعرابه ٢/ ٢١٧.
(٦) معاني القرآن ٢/ ٣٨٠.
(٧) مجموع الفتاوى ١٤/ ٤٨٥، وهو قول قوي جدًا ومع ذلك لم يجزم به!.
(٨) ينظر: كشف المشكلات وإيضاح المعضلات في إعراب القرآن وعلل القراءات للباقولي ١/ ٤١٨، الجامع لأحكام القرآن ٦/ ٢٣١.
(٩) معاني القرآن وإعرابه ٢/ ٢١٦.
[ ٢٣٧ ]
وقال مكي: (وهذه الآية في قراءتها وإعرابها وتفسيرها ومعانيها وأحكامها من أصعب آية في القرآن وأشكلِها، ويحتمل أن يبسط ما فيها من العلوم في ثلاثين ورقة أو أكثر) (^١).
والذي ترجح عندي هنا أن [على] على معناها الأصلي، على جميع التقديرات، والمعنى الصحيح لهذه الآية: فآخران يقومان مقامهما من الذين استحق عليهم اليمين، والأوليان: مثنى أَوْلى، وإعرابها خبر لمبتدأ محذوف تقديره: هما الأوليان (^٢).
وسبب الترجيح:
ما جاء في سبب النزول:
_________________
(١) الكشف عن وجوه القراءات السبع ١/ ٤٢٠.
(٢) ينظر في هذه المسألة: الناسخ والمنسوخ للنحاس ١/ ٤١٢، معاني القراءات ص ١٤٦، تفسير السمعاني ٢/ ٧٦، إملاء ما من به الرحمن ١/ ٢٣٠، التبيان في إعراب القرآن ١/ ٤٦٩، كشف المشكلات وإيضاح المعضلات في إعراب القرآن وعلل القراءات للباقولي ١/ ٤١٨، زاد المسير ٢/ ٢٧٢، الجامع لأحكام القرآن ٦/ ٢٣١.
[ ٢٣٨ ]
عن ابن عباس ﵄ قال: (خرج رجل من بني سهم مع تميم الداري، وعدي بن بدَّاء، فمات السهمي بأرض ليس بها مسلم، فلما قدما بتركته فقدوا جامًا (^١) من فضة مُخَوّصًا (^٢) من ذهب، فأحلفهما رسول الله - ﷺ -، ثم وُجد الجام بمكة، فقالوا ابتعناه من تميم وعدي، فقام رجلان من أوليائه فحلفا: ﴿لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا﴾ [المائدة:١٠٧]، وإن الجام لصاحبهم، قال: وفيهم نزلت هذه الآية: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ [المائدة:١٠٦]) (^٣).
قال شيخ الإسلام: (معرفة سبب نزول القرآن، يعين على فهم الآية) (^٤).
ومن قواعد الترجيح عند المفسرين: قاعدة (إذا صح سبب النزول الصريح فهو مرجح لما وافقه من أوجه التفسير) (^٥). والله أعلم.
_________________
(١) الجام: الإناء من فضة، ينظر: لسان العرب ١٢/ ١١٢.
(٢) مخَوّصًا: أي عليه صفائح الذهب مثل خوص النخل، ينظر: لسان العرب ٧/ ٣٣.
(٣) أخرجه البخاري في كتاب الوصايا باب قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ [المائدة:١٠٦] إلى قوله: ﴿الْفَاسِقِينَ (١٠٨)﴾ [المائدة:١٠٨] (٢٧٨٠)، وينظر: أسباب النزول للواحدي ص ١٧٢، لباب النقول ص ١٢٥.
(٤) مقدمة التفسير ص ٤٥.
(٥) ينظر: قواعد الترجيح عند المفسرين ١/ ٢٤١.
[ ٢٣٩ ]