قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنْفَقُوا ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١٠)﴾ [الممتحنة:١٠].
١٣٧/ ١ - قال ابن عقيل: (يقع على الظن اسم العلم في غالب الاستعمال، قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ [الممتحنة:١٠]، ولا طريق لنا إلى علم ذلك، وإنما المراد: ظننتموهن مؤمنات اهـ) (^١).
الدراسة:
أشار ابن عقيل في هذه الآية إلى أن العلم يطلق ويراد به الظن؛ والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ ﴾ [الممتحنة:١٠] ووجه الاستدلال: أنه لا يمكن معرفة إيمان المهاجرات علمًا يقينًا؛ فالمراد بالعلم في الآية: الظن، وهذا ما ذكره الجصاص (^٢)، والسمرقندي (^٣)، والسمعاني (^٤)، وغيرهم (^٥).
ويشهد له في الآية قوله تعالى: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ﴾ [الممتحنة:١٠]، فبني آدم لهم الظاهر والله أعلم بالسرائر.
_________________
(١) الواضح ٣/ ٤٨٨.
(٢) أحكام القرآن ٣/ ٢٢٦.
(٣) تفسير السمرقندي ٣/ ٤١٦.
(٤) تفسير السمعاني ٥/ ٤١٨.
(٥) ينظر: الكشاف ٤/ ٥١٦، التفسير الكبير ٢٠/ ١٦٧، الجامع لأحكام القرآن ١٨/ ٦٣.
[ ٤٦٦ ]
قال القرطبي: (﴿اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ﴾ [الممتحنة:١٠] أي: هذا الامتحان لكم، والله أعلم بإيمانهن؛ لأنه متولي السرائر) (^١).
ومن الأدلة على هذا أيضًا قوله تعالى: ﴿وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا﴾ [يوسف:٨١].
قال الجصاص في تفسيرها: (يعني: من الأمر الظاهر لا من الحقيقة، وهذا يدل على جواز إطلاق اسم العلم من طريق الظاهر وإن لم يعلم حقيقة وهو كقوله: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ ﴾ [الممتحنة:١٠] ومعلوم أنا لا نحيط بضمائرهن علمًا وإنما هو على ما يظهر من إيمانهن) (^٢).
وقال الرازي: (إن الظن قد يسمى بالعلم، والدليل عليه قوله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَكُمْ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾ [الممتحنة:١٠]، ومن المعلوم أنه إنما يمكن العلم بإيمانهن بناء على إقرارهن، وذلك لا يفيد إلا الظن، فههنا الله تعالى سمى الظن علمًا) (^٣).
فإن قيل: ما الفائدة من استعمال العلم مكان الظن؟.
فيجاب بما قال الرازي: (نقول إنه من باب أن الظن الغالب، وما يفضي إليه الاجتهاد والقياس جار مجرى العلم) (^٤).
وقال البيضاوي: (﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ﴾ [الممتحنة:١٠]: العلم الذي يمكنكم تحصيله، وهو الظن الغالب بالحلف وظهور الأمارات، وإنما سماه علمًا إيذانًا بأنه كالعلم في وجوب العمل به) (^٥).
_________________
(١) الجامع لأحكام القرآن ١٨/ ٦٣.
(٢) أحكام القرآن ٣/ ٢٢٦، وينظر ٣/ ٥٨٤.
(٣) التفسير الكبير ٢٠/ ١٦٧.
(٤) التفسير الكبير ٢٩/ ٢٦٥، تفسير النسفي ٤/ ٢٤٩.
(٥) تفسير البيضاوي ٥/ ٣٢٩.
[ ٤٦٧ ]
وقال الزركشي: (إن بين الظن والعلم قدرًا مشتركًا وهو الرجحان فتجوز بأحدهما عن الآخر) (^١).
وقال الفيروزابادي (^٢): (واعلم أن العلم على ثلاث درجات: أحدها: ما وقع من عيان وهو البصر، والثاني: ما استند إلى السمع وهو الاستفاضة، والثالث: ما استند إلى العلم وهو علم التجربة. على أن طرق العلم لا تنحصر فيما ذكرناه؛ فإن سائر الحواس توجب العلم، وكذا ما يدرك بالباطن وهي الوجدانيات، وكذا ما يدرك بالمخبِر الصادق وإن كان واحدًا، وكذا ما يحصل بالفكر والاستنباط وإن لم يكن تجربة) (^٣).
فتبين لي من كلام العلماء أن اختيار هذا اللفظ للاعتقاد الغالب الراجح؛ ليدخل فيه الاعتقاد اليقيني الجازم (^٤) - إذا وجد - من باب أولى (^٥)، كما أن فيه حث على التثبت والتأكد في الامتحان بما يُستطاع من الدلائل والأمارات (^٦). والله أعلم.
_________________
(١) البرهان ٣/ ٣٤٦.
(٢) هو محمد بن يعقوب بن محمد أبو الطاهر الفيروزابادي - وبعضهم بالذال - الشيرازي اللغوي الشافعي، من مصنفاته: بصائر ذوي التمييز في لطائف الكتاب العزيز، والقاموس المحيط، مات سنة ٨١٧ هـ، له ترجمة في: شذرات الذهب ٧/ ١٢٦، البدر الطالع ٢/ ١٤٩.
(٣) بصائر ذوي التمييز ٤/ ٩٢.
(٤) ينظر في تعريف العلم: المفردات ص ٣٨٤، التعريفات ص ١٥٥، المعجم الوسيط ص ٦٢٤.
(٥) ينظر: تفسير ابن كثير ٨/ ٣٥٠٠.
(٦) ينظر: التحرير والتنوير ٢٨/ ١٥٦.
[ ٤٦٨ ]