قال تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢)﴾ [النور:٢].
١٠٥/ ١ - قال ابن عقيل: (فهذه الآية عامة في كل زان وزانية، قضينا عليها بالآية الخاصة في الإماء وهي قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٥)﴾ [النساء:٢٥] اهـ) (^١).
الدراسة:
في هذا الموضع فسر ابن عقيل العام في القرآن بالخاص فيه، فعموم الحكم بجلد الزاني والزانية الحُرَّين غير المحصنين مائة جلدة مخصوص بالآية الأخرى وهي أن الإماء على النصف من العذاب، وهو قول الطبري (^٢)، والجصاص (^٣)، والواحدي (^٤)، وكافة العلماء إلا ما ندر.
قال الآمدي: (اتفق العلماء على تخصيص الكتاب بالكتاب، خلافًا لبعض الطوائف) (^٥).
والمخالف في مسألة تخصيص الكتاب بالكتاب بعض الظاهرية (^٦)، وتمسكوا بأن التخصيص بيان للمراد باللفظ، فلا يكون إلا بالسنة؛ لقوله ﷾: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل:٤٤].
وقال أصحاب أبي حنيفة: إن كان العام هو المتقدم كان الخاص المتأخر ناسخًا لبعضه، وإن كان العام هو المتأخر كان ناسخًا لجميع الخاص (^٧).
واحتجوا: بأن بيان العموم لا يجوز تأخيره عن حال وروده، فإذا ورد متأخرًا عنه، لم يجز أن يقع موقع البيان، فلم يبق إلا أن يكون ناسخًا له.
وأقول: إن تخصيص الكتاب بالكتاب عمومًا هو ما عليه جمهور العلماء، بل نُقل الإجماع في هذه الآية على هذا التخصيص.
_________________
(١) الواضح ٣/ ٤٣٧، ٢/ ٩٦.
(٢) جامع البيان ٦/ ٦١٣.
(٣) أحكام القرآن ٢/ ٢١٣.
(٤) الوجيز ١/ ٢٦٠.
(٥) الإحكام ٢/ ٣١٨.
(٦) الإبهاج ٢/ ١٦٩، شرح الكوكب المنير ٣/ ٣٦٠.
(٧) ينظر: أصول السرخسي ١/ ١٣٣.
[ ٣٧٢ ]
قال ابن عقيل: (وإجماع الأُمَّةِ على تخصيص الأولى بالثانية، إجماع على حمل العام على الخاص، فهو حجة لنا، ولا عذر لهم) (^١)، يعني: تخصيص آية النور بآية النساء.
ويجاب عن استدلال الظاهرية بأن البيان إنما يكون من النبي - ﷺ - لما لم يبينه القرآن، وأيضًا: فبيان النبي - ﷺ - للقرآن إنما هو من القرآن (^٢).
وأما استدلال الحنفية، فيقال: إن العموم، يشمل كل ما يدل عليه بظاهر لفظه، فيحتمل دخول الخاص وعدمه، وأما الخاص فيتناول ما نص عليه بصريح اللفظ دون احتمال، فوجب إعمال الصريح والقضاء على المحتمل والظاهر، وأما تأخير البيان للعموم فيجوز إذا كان للمصلحة (^٣)، وفيه هنا فائدة كبيرة، منها: اعتقاد المكلف ذلك، والعزم على فعله، فيقع له الثواب، إلى أن يأتي دليل الخصوص (^٤)، ويجوز تأخير البيان حتى يأتي وقت الحاجة عند جمهور العلماء (^٥).
ولهذا فالقول الراجح هو ما عليه جمهور العلماء: وهو جواز تخصيص الكتاب بالكتاب؛ وذلك لأمور منها:
١ - أن القول بالتخصيص جمع بين الدليلين وعمل بهما، ومن قال بالنسخ عطل أحدهما، وإعمالهما جميعًا أولى من ترك أحدهما.
_________________
(١) الواضح ٣/ ٤٣٧.
(٢) يراجع ما سبق في تفسير سورة النحل آية: ٨٩. ينظر: ص ٣٣٥.
(٣) لا بد من هذا القيد، وإلا فتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يُجَوزه إلا من يُجَوِّز التكليف بالمحال ينظر: المحصول ٣/ ١٨٧، ومن أمثلته: أن يقول: صلوا غدًا، ثم لا يبين لهم في غد كيف يصلون؟، ومثال تأخيره لمصلحة: كتأخيره الأعرابي المسيء صلاته إلى ثالث مرة كما في الصحيحين.
(٤) ينظر: العدة ٢/ ٦٢٤، الواضح ٣/ ٤٣٨.
(٥) ينظر: العدة ٣/ ٧٢٥، كشف الأسرار ٣/ ١٠٨، نهاية السول ص ٢٣١، الإحكام للآمدي ٣/ ٣٢، شرح الكوكب المنير ٣/ ٤٥٣.
[ ٣٧٣ ]
٢ - أن القرآن مبني بعضه على بعض فيُجعل مفَرَّقُه كالمتصل فإذا قال: اجلدوا الزناة مائة جلدة والأمة على النصف من ذلك وجب إعمال الخصوص، فكذلك إذا كان النصان متفرقين (^١).
٣ - أن وقوع التخصيص في الشرع أغلب من النسخ، فكان الحمل على التخصيص أولى؛ لأنه حمل له على الأغلب (^٢).
وإذا قيل: فما الحكمة من تخصيص الأمة بالنصف من العذاب؟.
فقد قال القرطبي: (والفائدة في نقصان حدهن: أنهن أضعف من الحرائر، ويقال: إنهن لا يصلن إلى مرادهن كما تصل الحرائر، وقيل: لأن العقوبة تجب على قدر النعمة ألا ترى أن الله تعالى قال لأزواج النبي - ﷺ -: ﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾ [الأحزاب:٣٠]، فلما كانت نعمتهن أكثر جعل عقوبتهن أشد، وكذلك الإماء لما كانت نعمتهن أقل فعقوبتهن أقل) (^٣). والله أعلم.
قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥)﴾ [النور:٤ - ٥].
١٠٦/ ٢ - قال ابن عقيل: (إن الاستثناء يعود إلى جميعها، فكأنه يقول بمقتضى الظاهر: فلا تجلدوهم، واقبلوا شهادتهم، ولا تفسقوهم، إلا أن الحد استوفي بدليل انفرد به اهـ) (^٤).
الدراسة:
أشار ابن عقيل في كلامه إلى مسألتين:
المسألة الأولى:
_________________
(١) ينظر: الواضح ٣/ ٤٣٧.
(٢) ينظر: الإحكام للآمدي ٢/ ٣١٨.
(٣) الجامع لأحكام القرآن ٥/ ١٤٥.
(٤) الواضح ٣/ ٤٩٠، وينظر: الفنون ٢/ ٥٧٣.
[ ٣٧٤ ]
الاستثناء إذا تعقب جملًا هل يعود إليها جميعًا، أم إلى الجملة الأخيرة؟
اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: أن الاستثناء إذا تعقب جملًا قد عطف بعضها على بعض وصلح عوده إلى كل منها فإنه يعود إلى جميعها إلا أن يرد دليل بخلافه، وهو قول الشافعية (^١)، والمالكية (^٢)، والحنابلة (^٣).
واستدلوا بأدلة منها:
١ - أن الشرط يعود إلى جميع ما تقدم ذكره؛ لأنه لو قال: نساؤه طوالق وعبيده أحرار وماله صدقة إن شاء زيد لم يقع شيء من ذلك قبل مشيئته، وكان الشرط بنفسه راجعًا إلى الجميع، فكذلك الاستثناء؛ لأن الاستثناء لا يستقل بنفسه، بل هو متعلق بما قبله من الكلام، ويجب أن يكون متصلًا به، وإذا انفصل سقط حكمه، والشرط بمثابته في ذلك، فكانا سواء (^٤)، والاستثناء والشرط متحدان من حيث المعنى لأن قوله تعالى: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ [النور:٤ - ٥] جار مجرى: (وأولئك هم الفاسقون إن لم يتوبوا) (^٥). قال أبو حيان: (اختار ابن مالك أن يعود إلى الجمل كلها كالشرط) (^٦).
٢ - وقالوا: إن حمل الاستثناء على كل الجمل لا طريق له إلا بذكر الاستثناء عقيب الجملة الأخيرة، وإلا صار في الكلام عيًّا (^٧)، فيصير رجوع الاستثناء إلى الجمل جميعًا هو الأصل ما لم يوجد مانع (^٨).
_________________
(١) ينظر: المنخول ص ٢٣٥، الإحكام للآمدي ٢/ ٢٧٩.
(٢) ينظر: أحكام القرآن لابن العربي ٣/ ٣٤٨.
(٣) ينظر: العدة ٢/ ٦٧٨، الصعقة الغضية في الرد على منكري العربية للطوفي ص ٥٩٩.
(٤) ينظر: العدة ٢/ ٦٨٠، المحصول ٣/ ٤٦.
(٥) ينظر: المسودة ١/ ٣٥٦.
(٦) البحر المحيط ٦/ ٤٣٣، شرح التسهيل ٢/ ١٧٥.
(٧) ذكره الموفق باتفاقهم، ينظر: روضة الناظر ٢/ ١٨٧، الإحكام للآمدي ٢/ ٣٠٢، شرح الكوكب المنير ٣/ ٣٢٢.
(٨) ينظر: المحصول ٣/ ٤٧.
[ ٣٧٥ ]
القول الثاني: أنه يعود إلى أقرب مذكور، وهو قول لأبي حنيفة (^١)، واختاره أبو حيان (^٢).
واحتجوا بما يلي:
١ - أن الاستثناء المذكور عقيب الجمل لو رجع إلى جميعها لم يخل: إما أن يضمر مع كل جملة استثناء يعقبها، أو لا يضمر، فيرجع الاستثناء المصرح به في آخر الجمل إلى جميعها، والأول باطل؛ لأن الاضمار على خلاف الأصل فلا يصار إليه إلا لضرورة ولا ضرورة هنا. والثاني: أيضًا باطل؛ لأن العامل في نصب ما بعد حرف الاستثناء هو ما قبله من فعل أو تقدير فعل؛ فإذا فرضنا رجوع ذلك الاستثناء إلى كل الجمل كان العامل في نصب المستثنى أكثر من واحد، وهذا لا يجوز.
٢ - أن الاستثناء من الاستثناء مختص بما يليه، فكذا في سائر الصور دفعًا للاشتراك في الوضع.
والذي ترجح لدي بعد النظر في الأدلة ما قاله الجمهور: وهو أن الاستثناء يرجع إلى جميع ما تقدمه من الجمل ما لم يمنع منه مانع، فإن منع منه مانع فيقدر بقدره.
وسبب الترجيح أمور منها:
١ - أن الاستثناء عقيب الجمل إذا صلح رجوعه لجميعها فلا تخصص جملة دون أخرى إلا بدليل هو قول أكثر العلماء.
_________________
(١) ينظر: تيسير التحرير ١/ ٣٠٢، البرهان للجويني ١/ ٢٦٢ وما بعدها، المعتمد ١/ ٢٤٥.
(٢) ينظر: البحر المحيط ٦/ ٤٣٣، ارتشاف الضرَب ٣/ ١٥٢٢.
[ ٣٧٦ ]
٢ - أن غالب الاستثناءات بعد الجمل ترجع للجميع والعمل بالغالب أولى من غيره، قال ابن النجار: (واحتج الشيخ تقي الدين فقال: من تأمل غالب الاستثناءات في الكتاب والسنة واللغة وجدها للجميع، والأصل إلحاق المفرد بالغالب) (^١). ومن ذلك قوله تعالى: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٨٦) أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (٨٧) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (٨٨) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٨٩)﴾ [آل عمران: ٨٦ - ٨٩]، وقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة:٣]، وقول العباس للنبي - ﷺ - لما حرم شوك مكة وشجرها: إلا الإذخر فإنا نجعله في بيوتنا وقبورنا، فقال النبي - ﷺ -: " إلا الإذخر " (^٢)،
_________________
(١) شرح الكوكب المنير ٣/ ٣٢٣، وينظر: المسودة ١/ ٣٥٥.
(٢) أخرجه البخاري في كتاب العلم باب كتابة العلم (١١٢)، ومسلم في كتاب الحج باب تحريم مكة وصيدها وخلاها وشجرها ولقطتها إلا لمنشد على الدوام (١٣٥٣) من حديث ابن عباس - ﵁ - ..
[ ٣٧٧ ]
وقوله - ﷺ -: " ولا يؤمن الرجل الرجل في سلطانه ولا يقعد في بيته على تكرمته إلا بإذنه " (^١)، فالاستثناء فيها يعود إلى جميع ما سبقه. ولو قال القائل: له علي خمسة وخمسة إلا سبعة، كان مقرًا بثلاثة اتفاقًا، فعاد الاستثناء إلى الجملتين، ولو عاد إلى الأخيرة منهما لزمه عشرة، ولغا الاستثناء، إذ هو مستغرق (^٢).
٣ - أن الواو العاطفة بين الجمل تجعل بينها نوعًا من الاتحاد في الحكم وتدل على أن المتكلم لم يستوف غرضه من الجملة المتقدمة، فيكون الاستثناء راجعًا إلى جمل مترابطة في الحكم والمعنى فيشملها جميعًا (^٣).
٤ - أن رد الاستثناء إلى الجملة الأخيرة تحديد بلا دليل، وإلغاء الاستثناء من باقي الجمل مع وقوعه عليها باطل، فيتعين رده إلى جميع الجمل احتياطًا وبقاء على الأصل.
_________________
(١) أخرجه مسلم في كتاب المساجد ومواضع الصلاة باب من أحق بالإمامة (٦٧٣) من حديث أبي مسعود الأنصاري، والتكرمة: الموضع الخاص لجلوس الرجل من فراش أو سرير مما يعد لإكرامه، ينظر: النهاية في غريب الأثر ٤/ ١٦٨.
(٢) ينظر: الصعقة الغضية ص ٦٠١.
(٣) ينظر: روضة الناظر ٢/ ١٨٧.
[ ٣٧٨ ]
٥ - إمكان الإجابة على أدلة القول الثاني، أما دليلهم الأول: وهو أنه لا يجوز أن يجتمع على المعمول الواحد عاملان، فهذا ليس إجماعًا (^١)، بل على قول من قال: إن العامل في الاستثناء عقب الجمل أكثر من واحد (^٢)، وعلى القول به فإنما يوافقون عليه إذا تضاد العاملان، أو اختلف عملهما، أما إذا اتحدا فليس هناك ما يمنع، وهو محل خلافنا، والمعروف في اللغة أن الجمل المتعاطفة التي يعقبها استثناء يجعلها في حكم الواحدة (^٣)، لا سيما والاستثناء يصلح عوده على الجميع. وأما دليهم الثاني: فلا يُسلم لهم أيضًا قياس الاستثناء من الجمل على الاستثناء من الاستثناء للفارق بينهما، وذلك أن الاستثناء من الاستثناء لو عاد إليه وإلى المستثنى معًا للزم منه التناقض، ولأن الاستثناء من النفي إثبات ومن الإثبات نفي، فلا يمكن اجتماع النفي والإثبات معًا، وذلك غير حاصل في الاستثناء من الجمل (^٤)، ويجاب أيضًا: بأن قول القائل: خمسة وخمسة إلا ستة. يقع على الجميع إجماعًا، فدل على أن المراد بالجمل ما يقبل الاستثناء (^٥) (^٦).
المسألة الثانية:
بيان كلام العلماء في آية القذف التي معنا، أقول:
_________________
(١) ينظر: الصعقة الغضية ص ٥٩٥ وما بعدها.
(٢) فمذهب الكوفيون أن العامل في الاستثناء هو [إلا]، ورجحه ابن مالك في شرح التسهيل ٢/ ١٧١.
(٣) ينظر: شرح التسهيل ٢/ ١٧٥، الاستغناء في الاستثناء للقرافي ص ٥٦٨، الصعقة الغضية ص ٦٠١.
(٤) ينظر: المحصول ٣/ ٤٢، ٥٥، روضة الناظر ٢/ ١٨٥.
(٥) ينظر: المعتمد ١/ ٢٤٦، الإحكام للآمدي ٢/ ٣٠٣، شرح الكوكب المنير ٣/ ٣٢٣.
(٦) ويراجع في هذه المسألة كتاب: الاستثناء عند الأصوليين لأكرم أوزويقان ص ٢٦٥.
[ ٣٧٩ ]
أولًا: لا خلاف بين العلماء أن الجلد لا يسقط عن القاذف إلا بعفو المقذوف، كالقصاص لا يسقط إلا بالعفو (^١).
قال الطبري: ( ولا خلاف بين الجميع أن توبته من ذلك لا تضع عنه الواجب لها من القصاص منه، فكذلك توبته من القذف لا تضع عنه الواجب لها من الحد؛ لأن ذلك حق لها، إن شاءت عفته، وإن شاءت طالبت به) (^٢).
وقال ابن العربي: (إن إقامة الحد سقط بالإجماع) (^٣) - يعني من الاستثناء -.
ثانيًا: لا خلاف بين العلماء أن التوبة ترفع الفسق عن القاذف، لأن أقرب جملة للاستثناء يرتفع حكمها باتفاق العلماء.
قال ابن تيمية: (التوبة لا ترفع الجلد إذا طلبه المقذوف، وترفع الفسق بلا تردد، وهل ترفع المنع من قبول الشهادة؟ فأكثر العلماء قالوا ترفعه) (^٤).
ثالثًا: هل تقبل شهادة من تاب من القذف؟ هذا محل خلاف بين العلماء، وهو مبني على الخلاف السابق:
_________________
(١) ينظر: معاني القرآن للنحاس ٤/ ٥٠٣، معالم التنزيل ٣/ ٢٧٤، تفسير ابن كثير ٦/ ٢٤٦٥.
(٢) جامع البيان ١٧/ ١٧٤.
(٣) أحكام القرآن ٣/ ٣٤٨.
(٤) مجموع الفتاوى ١٥/ ٣٠٥.
[ ٣٨٠ ]
فالقول الأول: أن شهادة التائب من القذف مقبولة بعد توبته، وهذا على قول من قال: إن الاستثناء إذا تعقب جملًا متعاطفة وصلح أن يعود إلى كل واحد منها لو انفرد؛ فإنه يعود إلى جميعها، وهو قول جمهور العلماء (^١)، وهو مروي عن عمر بن الخطاب (^٢)، وعطاء ومجاهد، وطاووس (^٣).
القول الثاني: أن شهادة القاذف لا تقبل أبدًا، وهذا على قول من قال: أن الاستثناء يعود إلى أقرب مذكور، وهذا مروي عن الحسن، والنخعي (^٤)، وهو قول لأصحاب أبي حنيفة (^٥).
واستدلوا بأن عدم قبول الشهادة قد أُبِّد في الآية.
والقول الراجح هو القول الأول بناء على ترجيح أن الاستثناء يعود على كل ما قبله إلا أن يدل دليل على خلاف ذلك، ولا يُشكل على هذا: الاتفاق على أن الاستثناء لا يرفع الحد لأنه ثبت بدليل منفرد (^٦)، وإذا جاء دليل اقتضى عود الاستثناء إلى أحد الجمل أو رفعه عن بعضها، فلا خلاف في عودها إلى ما قام له الدليل (^٧).
والقول بقبول شهادة القاذف إذا تاب هو الصحيح لما يلي:
_________________
(١) ينظر: العدة ٢/ ٦٧٨، الواضح ٣/ ٤٩٠، معالم التنزيل ٣/ ٢٧٤، أحكام القرآن لابن العربي ٣/ ٣٤٨، شرح مختصر روضة الناظر ٢/ ٦١٢، تفسير ابن كثير ٦/ ٢٤٦٥، شرح الكوكب المنير ٣/ ٣١٢.
(٢) ينظر: جامع البيان ١٧/ ١٦٣.
(٣) ينظر: معاني القرآن للنحاس ٤/ ٥٠٢، وينبغي الانتباه لمن سماه نسخًا، لأن السلف يريدون به المعنى العام فيدخل فيه التخصيص، وليس المراد بالنسخ معناه المتأخر؛ لأن الاستثناء تخصيص وليس نسخًا، ينظر: زاد المسير ٥/ ٣٦٦.
(٤) ينظر: جامع البيان ١٧/ ١٧١، معاني القرآن للنحاس ٤/ ٥٠١.
(٥) ينظر: تيسير التحرير ١/ ٣٠٢، شرح فتح القدير ٧/ ٤٠٠.
(٦) ينظر: بداية المجتهد ص ٧٧٠، أحكام القرآن لابن العربي ٣/ ٣٤٨.
(٧) ينظر: شرح الكوكب المنير ٣/ ٣١٥.
[ ٣٨١ ]
١ - أن الصحيح أن الاستثناء عقيب الجمل يعود إلى جميعها، قال ابن العربي: (والصحيح رجوعه إلى الجميع لغة وشريعة) (^١).
٢ - الإجماع على أن من قذف وهو كافر ثم أسلم وتاب، وكان بعد إسلامه عدلًا قبلت شهادته، وإن كان قاذفًا، والقياس قبول شهادة القاذف إذا تاب، فليس القاذف بأشد جرمًا من الكافر (^٢). قال الطبري: (والصواب من القول في ذلك عندنا: أن الاستثناء من المعنيين جميعًا؛ أعني من قوله: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا﴾ النور:٤]، ومن قوله: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤)﴾ [النور:٤]، وذلك أنه لا خلاف بين الجميع أن ذلك كذلك إذا لم يحد في القذف حتى تاب إلى أن قال: بل توبته بعد إقامة الحد عليه من ذنبه أحرى أن تكون شهادته معها أجوز منها قبل إقامته عليه) (^٣).
٣ - أنها تقبل توبة من هو أكبر منه ذنبًا، وتقبل شهادتهم كالقاتل، والمرتد، والزاني، وشارب الخمر فهلا تقبل توبة القاذف وشهادته (^٤). قال ابن الجوزي: (وعلى القول الأول وقع الاستثناء على جميع الكلام، وهذا أصح؛ لأن المتكلم بالفاحشة لا يكون أعظم جرمًا من راكبها، فإذا قبلت شهادة المقذوف بعد ثبوته فالرامي أيسر جرمًا، وليس القاذف بأشد جرمًا من الكافر، فإنه إذا أسلم قبلت شهادته) (^٥). وقال السعدي: (فإذا تاب القاذف وأصلح عمله وبدل إساءته إحسانًا زال عنه الفسق وكذلك تقبل شهادته على الصحيح) (^٦).
_________________
(١) أحكام القرآن ٣/ ٣٤٩.
(٢) ينظر: معاني القرآن وإعرابه ٤/ ٣١، تفسير السمعاني ٣/ ٥٠٣.
(٣) جامع البيان ١٧/ ١٧٢.
(٤) ينظر: الأم ٧/ ٥٤.
(٥) زاد المسير ٥/ ٣٦٦.
(٦) تفسير السعدي ٥/ ٣٩١.
[ ٣٨٢ ]
٤ - أنه لا يوجد مانع في هذه الآية من رجوع الاستثناء إلى كل ما تقدمه إلا جملة الحد، فإن الدليل منع رجوع الاستثناء إليه، وهو أن حد القذف يسقط بالبينة لا بالتوبة بدليل قوله - ﷺ - للذي قذف امرأته: " البينة وإلا حَدٌّ في ظهرك " (^١)، ولو كان يسقط بالتوبة لأمره بها لأنها أسهل من البينة.
٥ - أن قول الحنفية في الآية: يلزم رفع الفسق عن القاذف بالتوبة وعدم قبول شهادته غير صحيح؛ لأن التائب عادل، وشهادة العادل مقبولة؛ ولأن رد الشهادة مترتب على الفسق، فبزواله تعود الشهادة لمكانتها (^٢).
فإن قيل: فما فائدة وجود التأبيد في الآية؟.
فقد ذكر الزجاج الفائدة من ذلك حيث قال: (فإن قال قائل: فما الفائدة في قوله: ﴿أَبَدًا﴾ [النور:٤]، قيل: الفائدة أن الأبد لكل إنسان مقدار مدته في حياته، ومقدار مدته فيما يتصل بقصته، فتقول: الكافر لا يُقبل منه شيء أبدًا فمعناه، ما دام كافرًا فلا يقبل منه شيء، وكذلك إذا قلت: القاذف لا تقبل منه شهادة أبدًا، فمعناه ما دام قاذفًا، فإذا زال عنه الكفر فقد زال أبده، وكذلك القاذف إذا زال عنه القذف فقد زال عنه أبده، ولا فرق بين هذا وذلك) (^٣). والله أعلم.
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب الشهادات باب إذا ادعى أو قذف فله أن يلتمس البينة وينطلق لطلب البينة (٢٦٧٢) من حديث ابن عباس - ﵁ -.
(٢) الإحكام لابن حزم ٤/ ٢٢، الأم ٧/ ٥٤.
(٣) معاني القرآن وإعرابه ٤/ ٣٣١، وينظر: معاني القرآن للنحاس ٤/ ٥٠٣، معالم التنزيل ٣/ ٢٧٤.
[ ٣٨٣ ]