ويَتَلَخَّص القَوْل فيها في النُّقَاط التَّالِية أيضًا:
إثْبَات الأسْمَاء والصِّفَات في الغَالِب:
إثْبَات صِفَة الاسْتِوَاء:
فقد قَرَّر القرطبي مَسْألَة الاسْتِوَاء على طَرِيقَة السَّلَف بِحيث نُقِلَ عنه ذلك التَّقْرِير، فقد نَقَله غَير وَاحد مِنْ العُلَمَاء الْمُحقِّقِين، ومِمَّن نَقَله:
ابن تَيمية في "دَرْء تَعَارُض العَقْل والنَّقْل" (^١) حيث قال: وقال أبو عبد الله القرطبي المالكي - لَمَّا ذَكَر اخْتِلاف النَّاس في تَفْسِير الاسْتِوَاء - قال: وأظْهَر الأقْوَال مَا تَظَاهَرَتْ عليه الآي والأخْبَار والفُضَلاء الأخيار أنَّ الله على عَرْشِه كَمَا أخْبَر في كِتَابِه وعلى لِسَان نَبِيِّه بِلا كيف، بَائن مِنْ جَمِيع خَلْقِه. هذا مَذْهَب السَّلَف الصَّالِح فيما نَقَل عنهم الثِّقَات (^٢).
ثم ذَكَر ابن تيمية مَا قَرَّرَه القرطبي في تَفْسير آية "الأعراف" (^٣).
وابن القيم ضَمْن أقْوَال أئمَّة التفسير في مَسْألَة الاسْتِوَاء، حيث ذَكَر "قول أبي عبد الله القرطبي الْمَالِكي صَاحِب التفسير الْمَشْهُور، ﵀" (^٤).
ونَقَلَه الذهبي في مَقَالات الأئمَّة في إثْبَات العُلُوّ (^٥).
ونَقَلَه مَرْعي الحنبلي في "أقاويل الثِّقَات" (^٦).
كَمَا نَقَلَه الْحَازِمِيّ في "كِتَاب الصِّفَات" (^٧).
_________________
(١) (٦/ ٢٥٨).
(٢) هذا النَّقل عن القرطبي خِلاف مَا جَاء في كِتَاب "الأسْنَى" مِنْ زِيَادة عِبَارَة: وإن كُنْتُ لا أقولُ به ولا أخْتَاره. وستأتي مناقشة هذه العِبَارَة.
(٣) دَرْء تَعَارُض العَقْل والنَّقْل (٦/ ٢٦٠)، و"بيان تلبيس الجهمية" (٢/ ٣٦)، و"مجموع الفتاوى" (٣/ ٢٦١).
(٤) اجتماع الجيوش الإسلامية على غزو المعطلة والجهمية (ص ١٦٦)، و"الصواعق الْمُرْسَلَة على الْجَهْمِيَّة والْمُعَطِّلَة" (٤/ ١٢٩٢)، حيث نَقَل عنه ما قَرَّره في كتاب "الأسْنَى".
(٥) العُلُوّ للعَلِي العظيم، وإيضَاح صحيح الأخبار من سَقيمها (ص ٢٦٦، ٢٦٧).
(٦) (ص ١٣٢).
(٧) (ص ١١٩).
[ ٢١ ]
وأمَّا مَا جاء عنه في كِتاب "الأسْنَى في شَرْح أسْمَاء الله الْحُسْنَى" (^١) مِنْ عِبَارة: أظْهَر الأقْوَال - وإن كُنْتُ لا أقُول بِه ولا أخْتَارُه - مَا تَظَاهَرَتْ عليه الآيُ والأخْبَار والفُضَلاء الأخْيَار؛ أنَّ الله سُبحانه على عَرْشِه كَمَا أخْبَر في كِتَابِه بِلا كيف، بَائن مِنْ جَمِيع خَلْقِه؛ هذا جُمْلَة مَذْهَب السَّلَف الصَّالِح.
فهذه الْجُمْلَة - وإن كُنْتُ لا أقُول بِه ولا أخْتَارُه - مُحْتَمِلة لأمْرين:
الاحْتِمَال الأول: أن تَكُون مُتَقَدِّمَة على تَقْرِير عَقِيدَة السَّلَف في الاسْتِوَاء، كَمَا قَرَّرَها في التفسير.
وكِتَاب "الأسْنَى" مُتَقَدِّم على التفسير، فَهو يُحِيل عليه في التفسير كَثِيرا، فقد أحَال عليه في أكْثر مِنْ ثَلاثين مَوْضِعًا (^٢).
فَعَلى افْتِرَاض ثُبُوت تلك الْجُمْلَة عن القرطبي فهي في كِتاب مُتقدِّم، وتَقْرِير عَقيدة السَّلَف في التفسير، وهو كِتَاب مُتأخِّر، والْمُتأخِّر يَقْضِي على الْمُتَقَدِّم إذا تَعَارَضَ كَلام العَالِم.
الاحْتِمَال الثاني: أن تَكُون مُقْحَمة في الكِتَاب؛ وهذا أرجَح، لِعِدَّة اعْتِبَارَات:
الأوَّل: أن ابن تيمية نَقَل عنه قوله دُون تِلك الْجُمْلَة (^٣)، وابن تيمية يُعتبر مُعاصِرًا للقرطبي، إذ أنَّ وِلادَة ابن تيمية سنة ٦٦١ هـ (^٤) ووفاة القرطبي سنة ٦٧١ هـ، وعلى هذا يُعْتَبَر ابن تيمية أقْدَم مَنْ نَقَل عِبَارة القرطبي، وأقْرَب النَّاس إلى زَمَانِه.
_________________
(١) (٢/ ١٢٢).
(٢) انظر على سبيل المثال: (١/ ٩١)، (١/ ٣٠٣)، (١/ ٣٦٧)، (٢/ ٨٢)، (٢/ ١٢٥).
(٣) انظر: دَرْء تَعَارُض العَقْل والنَّقْل (٦/ ٢٥٨)، و"بيان تلبيس الجهمية" (٢/ ٣٦)، و"مجموع الفتاوى" (٣/ ٢٦١).
(٤) انظر: البداية والنهاية، ابن كثير (١٧/ ٤٥١).
[ ٢٢ ]
الثَّاني: أن عِبَارَة القرطبي لا تستقيم بِتلك الْجُمْلَة، إذ قَرَّر أن "أظْهَر الأقْوَال" في تِلك الْمَسْألَة، هو "مَا تَظَاهَرَتْ عليه الآيُ والأخْبَار والفُضَلاء الأخْيَار"، وأنَّ "هذا جُمْلَة مَذْهَب السَّلَف الصَّالِح"، ثم يُناقِضه بِتِلك الْجُمْلَة! فهذا لا يَسْتَقِيم.
الثَّالث: أنَّ مَنْهَج القرطبي يَرُدّ تِلك الْجُمْلَة؛ إذ لا يُعْرَف عنه رَدّ الأحَادِيث الصَّحِيحَة بِغَير تَأويل. ومن تَتبَّع تفسيره عَرَف ذلك، فهو لا يَتَرَدَّد أن يَقول بِمَا يَدُلّ عليه الْحَديث إذا كان صَحِيحًا عنده، وإن ضَعَّفه غيره، ومِثَال ذلك: أنه لَمَّا نَقَل عن ابن العربي تَضْعِيف حَديث مَنْ قَتَل عَبْدَه قَتَلْنَاه، تَعَقَّبَه بِقوله: هذا الْحَدِيث الذي ضَعَّفَه ابن العربي، وهو حَدِيث صَحِيح، أخْرَجَه النسائي وأبو داود (^١). فَيَبْعُد أن يَعْلَم القرطبي تَظَاهُر الآي والأخْبَار ثم يَعْمَد إلى مُخالَفتِها.
الرَّابع: أنَّ مَجْمُوع عبَارَة القرطبي لا يُشْعِر بسياق من يُريد رَدّ الكَلام، إذ حشَد الدَّلائل على قوله مما تقَدَّم في عِبَارَته.
الْخَامِس: أنَّ عِبَارة "لا أقُول بِه" لَم تَرِد في تفسير القرطبي إطْلاقًا! لا في هذه الْمَسْألَة ولا في غَيرها.
وهذه الْجُمْلَة نَقَلها مَرْعِي الحنبلي وتَعَجَّب منها، إذ يَقُول: والعَجَب من القرطبي حَيث يَقُول: وإن كُنْتُ لا أقُول بِه ولا أخْتَارُه. ولعله خَشِي مِنْ تَحْرِيف الْحَسَدَة، فَدَفَع وَهمَهم بِذَلك (^٢).
ومَا اعْتَمَده "عبد الله البَرَّاك" في تحقيق كِتَاب "العُلو" (^٣) أنَّ القرطبي يَمِيل إلى مَذْهَب الأشَاعِرَة في كَثير مِنْ مَسَائل الاعْتِقَاد، فَهو يُثبِت عُلُوّ القَدْر والقَهْر، لا عُلُوّ الذَّات … ورَبَط "البَرَّاك" بَيْن صِفَة العُلُو وبَيْن صِفَة الاسْتِواء، إذ يَقُول عن القرطبي: وقال عَنْ العُلُو - وهو وثيق الصِّلَة بالاسْتِوَاء -: فَعلُوّ الله تَعَالَى وارْتِفَاعُه عِبَارَة عن عُلُوّ مَجْده، وصِفَاتِه، ومَلَكوتِه.
_________________
(١) الجامع لأحكام القرآن، مرجع سابق (٢/ ٢٤٤).
(٢) أَقَاوِيل الثِّقَات، مرجع سابق (ص ١٣٢).
(٣) (٢/ ١٣٧٧) حاشية (٦).
[ ٢٣ ]
ومَا اعْتَمَده "عبد الله البَرَّاك" في تحقيق كِتَاب "العُلُو" (^١) أنَّ القرطبي يَمِيل إلى مَذْهَب الأشَاعِرَة في كَثير مِنْ مَسَائل الاعْتِقَاد، إذْ يُثبِت عُلُوّ القَدْر والقَهْر، لا عُلُوّ الذَّات ورَبَط البَرَّاك بَيْن صِفَة العُلُو وبَيْن صِفَة الاسْتِواء، إذ يَقُول عن القرطبي: وقال عَنْ العُلُو - وهو وثيق الصِّلَة بالاسْتِوَاء -: فَعُلُوّ الله تَعَالَى وارْتِفَاعُه عِبَارَة عن عُلُوّ مَجْده، وصِفَاتِه، ومَلَكوتِه - ليس دَقيقا، لِكون القرطبي مُضطرِبًا في بعض مسائل الاعتقاد.
وكُنتُ قَدِيما سَألْتُ شَيْخَنا عبد الكريم الْخضير عن عَقِيدَة القُرْطُبِيّ، وأنه ليس مُتَأوِّلًا بإطلاق، فقال: هو مُضْطَرِب في العَقِيدَة.
وقال شيخنا زيد بن عمر عن الْمَدْرَسَة الأنْدَلُسِيَّة في التَّفْسِير: ويُمكِنُنا القَوْل بأنَّ رأي الْمَدْرَسَة مِنْ صِفَات الأفْعَال كان مُضْطَرِبًا (^٢).
فَعَلَى هذا لا يَصِحّ أن يُصَنَّف القرطبي على أنه مُسَايِر لأهل التَّأوِيل.
والإنْصَاف يَقْتَضِي أن يُثبَت ما أثْبَتَه مُوَافِقًا للسَّلَف فيه، ويُبَيَّن مَا وَقَع في تَأوِيلِه.
كَمَا أثْبَت القرطبي رُؤية الْمُؤمِنِين لِربِّهم يَوْم القِيَامَة، وسَيَأتي تَفْصِيل هَذه الْمَسْألَة في الفَصْل الثَّالث.
وأثْبَت صِفَة "الْمَكْر" مُسْتَدِلًّا بِقَولِه ﵊: "وامْكُر لي ولا تَمْكُر عليّ" (^٣)، إذ يَقُول: فَعَلَى هَذا جَائز أن يُقال: يَا خَيْر الْمَاكِرِين امْكُر لِي ولا تَمْكُر عليّ (^٤).
_________________
(١) (٢/ ١٣٧٧) حاشية (٦).
(٢) المدرسة الأندلسيَّة في التفسير، رسالة "دكتوراه" (٢/ ٦٤٣)، وانظر: (٢/ ٦٣٨) وما بعدها من الرسالة.
(٣) رواه أحمد (ح ١٩٩٧)، وأبو داود (ح ١٥١٠)، والترمذي (ح ٣٥٥١)، وابن ماجه (ح ٣٨٣٠)، وقال مُحَقِّقُو الْمُسْنَد: إسْنَادُه صَحِيح.
(٤) الجامع لأحكام القرآن، مرجع سابق (٧/ ٢٨٧)، وانظر: (٤/ ٩٩، ١٠٠).
[ ٢٤ ]
وقال بإثْبَات مَعاني الصِّفَات، حيث يَقُول: وثَبَت بِنَصّ هذه الآيَة (^١) القُوَّة لله بِخِلاف قَوْل الْمُعْتَزِلة في نَفْيِهم مَعَانِي الصِّفَات القَدِيمة (^٢)، تَعَالى الله عن قَوْلِهم (^٣).
فليس يَصِحّ أن يُقَال عنه: "لَم يُثْبِت لله سِوَى الصِّفَات السَّبْع" (^٤).
كَمَا أنَّ القَوْل بأنَّ القرطبي في "الأسْمَاء والصِّفَات … قد ذَهَب إلى مَا ذَهَب إليه الأشاعرة في هذا البَاب، فَجَمِيع الصِّفَات الوَارِدَة في تَفْسِيرِه أوَّلَها، ونَقَل أقْوَال الْمُؤوِّلَة فيها، إلَّا الاسْتِوَاء" (^٥) ليس قَوْلًا فاحِصًا، ولا مُنْصِفًا.
وقد تأوَّل القرطبي بَعض صِفَات الله ﷿، تأثُّرًا بِمَدْرَسَة الأشاعِرَة، وليس أشْعَرِيًّا، وقد تأثَّر القرطبي كَثيرًا بِابن عطِيَّة، إلَّا أنه لَم يَكُنْ مُقَلِّدًا له.
"والقرطبي كان مُتَأوِّلًا، وإن خَالَف ابن عطية في بعض الْمَعَانِي الْمُؤوَّل إليها" (^٦).
ومِمَّا تأوَّله القرطبي مِنْ صِفَات البَارِي ﷿:
صِفَة الوَجْه، تَأوَّلَها بالوُجُود، إذ يَقُول: "فَالوَجْه عِبَارَة عن وُجُودِه وذَاتِه سُبْحَانه" (^٧)، بينما أثْبَت صِفَة الوَجْه لله ﵎ في مَوَاضِع أُخْرَى (^٨).
وسيأتي مَزِيد بَيَان في الفَصْل الثَّالِث.
وصِفَة الْمَجيء، إذ يَقول في قوله تعالى: (ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ) [البقرة: ٢٩]: والقَاعِدَة في هَذه الآيَة ونَحْوها مَنْع الْحَرَكَة والنُّقْلَة (^٩).
_________________
(١) يعني قوله تعالى: (وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا) [البقرة: ١٦٥].
(٢) انظر: العلو للعَلِي العظيم، مرجع سابق (ص ٢٤٣).
(٣) الجامع لأحكام القرآن، مرجع سابق (٢/ ٢٠١).
(٤) هذا ما قاله أحمد المزيد. انظر: منهج الإمام القرطبي في أصول الدِّين، رسالة ماجستير (ص ١١٥).
(٥) من قول المغرَّاوي في "الْمُفسِّرُون بين التأويل والإثْبَات في الصِّفَات" (١/ ٢٨٩).
(٦) المدرسة الأندلسيَّة في التفسير، مرجع سابق (٢/ ٦٤٣).
(٧) الجامع لأحكام القرآن، مرجع سابق (١٧/ ١٤٣).
(٨) انظر: المرجع السابق (١٧/ ٢٢)، (١٧/ ١٦٧).
(٩) المرجع السابق (١/ ٢٩٦).
[ ٢٥ ]
وفي قوله تعالى: (هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ) [البقرة: ٢١٠] نَقَل أقْوَالًا في مَعْنَى الْمَجِيء، وخَتَم تَفْسِير الآيَة بقَولِه: ولا يَجُوز أن يُحْمَل هذا ومَا أشْبَهَه مِمَّا جَاء في القُرْآن والْخَبَر على وَجْه الانْتِقَال والْحَرَكَة والزَّوَال؛ لأنَّ ذلك مِنْ صِفَات الأجْرَام والأجْسَام، تَعَالى الله الكَبير الْمُتَعَال ذو الْجَلال والإكْرَام عن مُمَاثَلَة الأجْسَام عُلُوًّا كَبِيرًا (^١).
ويَقُول في مَوْضِع آخَر: والقَاعِدة تَنْزِيهه جَلَّ وعَزّ عن الْحَرَكَة والانْتِقَال وشَغْل الأمْكِنَة (^٢).
وسيأتي مَزِيد بَيَان وتفصيل في الفَصْل الثَّالِث.
وتأوّل صِفَة النُّزُول، حيث أوْرَد القرطبي في تفسير سورة الْمُزَّمِّل مَا جَاء عنه ﵊ في النُّزُول الإلهي، ثم أوْرَد لَفْظ رِوايَة النسائي (^٣) "إنَّ الله ﷿ يُمْهِل حتى يَمْضِي شَطْر الليل الأوَّل، ثم يَأمُر مُنَادِيًا يَقُول: هل مِنْ دَاع يُسْتَجَاب له؟ هل مِنْ مُسْتَغْفِر يُغْفَر له؟ هل مِنْ سَائل يُعْطَى؟ (^٤) ثم قال: صَحَّحَه أبو محمد عبد الحق. فَبَيَّن هذا الْحَدِيث - مَع صِحَّتِه - مَعْنَى النُّزُول" (^٥).
وسيأتي مَزِيد بَيَان في الفَصْل الثَّالِث.
وقَرَّر أنه لا يَجُوز الابْتِدَاء بِشَيء مِنْ صِفَات الله ﷿، كَالْيَدِ والرِّجْل والأصْبع والْجَنْب والنُّزُول إلى غير ذلك إلَّا في أثْنَاء قِرَاءة كِتَابِه أوْ سُنَّةَ رَسُولِه ﷺ (^٦).
_________________
(١) الجامع لأحكام القرآن، مرجع سابق (٣/ ٢٨).
(٢) المرجع السابق (٦/ ٣٥٩).
(٣) انظر: السنن الكُبْرَى (الأحاديث مِنْ ١٠٣٠٩ إلى ١٠٣٢١).
(٤) أصْل الْحَدِيث ثَابِت في الصَّحِيحَين. وهو بِهذا اللفظ ضعيف. انظر: سلسلة الأحاديث الضعيفة والْمَوضُوعَة، الألباني (٨/ ٣٩٩).
(٥) الجامع لأحكام القرآن، مرجع سابق (١٩/ ٣٤، ٣٥).
(٦) انظر: الجامع لأحكام القرآن، مرجع سابق (١١/ ٢٢٧)، وسيأتي تحقيق هذه المسألة في المثال الثاني من المبحث الثالث مِنْ الفصل الثالث.
[ ٢٦ ]
كَمَا أوَّل صِفَة كَفّ الرحمن ويَمِينه (^١).
وأوَّل العَجَب (^٢) بِعِدَّة تَأوِيلات (^٣)، مِنها:
"بِمَعْنَى وُقُوع ذلك العَمَل عند الله عَظِيمًا".
وبمعنى: "جَازَيْتُهم على التَّعَجُّب".
"ويَجُوز أن يَكُون إخْبَار الله عن نَفْسِه بِالعَجَب مَحْمُولًا على أنه أظْهَر مِنْ أمْرِه وسَخَطِه على مَنْ كَفَر بِه مَا يَقُوم مَقَام العَجَب مِنْ الْمَخْلُوقِين، كَمَا يُحْمَل إخْبَارُه تَعَالى عن نَفْسه بالضَّحِك لِمَنْ يَرْضَى عَنه (^٤).
"ويُقَال: مَعْنَى: "عَجِب رَبُّكُمْ" (^٥)، أي: رَضِي وأثَاب، فَسَمَّاه عَجَبًا وليس بِعَجَب في الْحَقِيقَة" (^٦).
وكَان قَبْل ذلك نَقَل عن الفراء قَوْلَه: العَجَب إن أُسْنِد إلى الله ﷿ فَلَيس مَعْنَاه مِنْ الله كَمَعْنَاه مِنْ العِبَاد، وكَذلك قَوْله: (اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ) [البقرة: ١٥]، ليس ذلك مِنْ الله كَمَعْنَاه مِنْ العِبَاد (^٧).
_________________
(١) انظر: الجامع لأحكام القرآن، مرجع سابق (٨/ ٢٢٩، ٢٣٠)، وسيأتي الكلام على ما يتعلّق باليمين واليدين.
(٢) وقَارِن بـ جامع البيان (١٣/ ٤٣٢ وما بعدها) و(١٩/ ٥١٣، ٥١٤) فقد أثْبَتَ صِفَة العَجَب لله ﷿.
(٣) وقد تَعَقّبه أحمد الْمَزِيْد في رِسَالتِه: "منهج الإمام القرطبي في أصُول الدِّين" (ص ١٨٤ وما بعدها)، فلْتُنْظَر.
(٤) وهذا تَأوِيل لِصِفَة الضَّحِك! وقد بَنَى تأويلا على تَأويل!
(٥) رواه أبو نُعيم في تاريخ أصبهان (٢/ ٢٤) بلفظ: عَجِب رَبُّكُمْ. وقد جاءت أحاديث في إثْبَات العَجَب لله ﷿، وهو عَجَب يَليق به ﷾. فمن ذلك ما رواه البخاري: (ح ٢٨٤٨): عَجب الله مِنْ قَوم يَدْخُلُون الْجَنَّة في السَّلاسِل. ومِمَّا جاء في العَجَب قوله ﵊ لأبي طلحة وَزَوْجِه: عَجِب الله مِنْ صَنِيعِكُمَا بِضَيْفِكُمَا الليلة. رواه البخاري (ح ٤٦٠٧) ومسلم (ح ٢٠٥٤)، وانظر: السنة، ابن أبي عاصم، بابٌ في تَعَجُّبِ رَبّنا مِنْ بَعْض مَا يَصْنَع عِبَاده مِمَّا يُتَقَرَّب بِه إليه (١/ ٢٤٩ وما بعدها)، و"صِفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة"، علوي السقاف (ص ١٧٥ - ١٧٧).
(٦) الجامع لأحكام القرآن، مرجع سابق (١٥/ ٦٤).
(٧) المرجع السابق، الموضع السابق.
[ ٢٧ ]
وهذا الْمَعْنَى صَحِيح، لِقَوْلِه تَعَالى: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْء) [الشورى: ١١]؛ إلَّا أنَّ هذا مِنْ القرطبي ليس نَفْيًا صَرِيحًا للصِّفَة.
وقد قال فِي تفسير آيَة "البقرة": (اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ): أي: يَنْتَقِم مِنهم ويُعَاقِبُهم، ويَسْخَر بِهم ويُجَازِيهم على اسْتِهْزَائهم؛ فَسَمَّى العُقُوبَة بِاسْم الذَّنْب. هذا قَوْل الْجُمْهُور مِنْ العُلَمَاء.
وقال: وليس مِنه سُبْحَانه مَكْر ولا هُزْء ولا كَيد، إنَّمَا هو جَزَاء لِمَكْرِهم واسْتِهْزَائهم، وجَزَاء كَيْدِهم (^١).
وسَبَق أنَّ القرطبي أثْبَت صِفَة الْمَكْر، فَلعلَّه هنا أثْبَتَها بِقَيْد الْمُقَابَلَة.
لأنَّ مِنْ الأسْمَاء "مَا يَجُوز أن يُسَمَّى به ويُدْعَى، ومَا يَجُوز أن يُسَمَّى به ولا يُدْعَى، ومَا لا يَجُوز أن يُسَمَّى بِه ولا يُدْعَى" (^٢).
وفي إثْبَات اليَد لله تَعالى ذَكَر القرطبي عِدَّة مَعَانٍ، مِنها:
"اليَد في كَلام العَرَب تَكُون للجَارِحَة، كَقَوْلِه تَعَالى: (وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا) [ص: ٤٤]، وهذا مُحَال على الله تَعالى"، "وتَكُون للنِّعْمَة".
"وتَكُون للقُوَّة. قَال الله ﷿: (وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ) [ص: ١٧]، أي: ذَا القُوَّة"، "وتَكُون للمِلْك والقُدْرَة. قَال الله تَعالى: (قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ) [آل عمران: ٧٣] "، "وتَكُون بِمَعْنَى الصِّلَة، قال الله تعالى: (مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا) [يس: ٧١] أي: مِمَّا عَمِلْنَا نَحْن"، "وتَكُون بِمَعْنَى التَّأيِيد والنُّصْرَة" (^٣).
ورُدَّ تأوِيل اليَد في قَوله تَعالى: (بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ) [المائدة: ٦٤] بأنَّ "نِعَم الله تَعالى أكْثَر مِنْ أن تُحْصَى، فَكَيف تَكُون: بَلْ نِعْمَتَاه مَبْسُوطَتَان".
_________________
(١) الجامع لأحكام القرآن، مرجع سابق (١/ ٢٥٣).
(٢) المرجع السابق (٧/ ٢٨٨)، وقارِن بـ "فائدة جليلة في قواعِد الأسْمَاء الْحُسْنَى"، مُسْتَلّة من "بدائع الفوائد"، ابن القيم.
(٣) المرجع السابق (٦/ ٢٢٥). وانظر: (١٦/ ٢٧٥).
[ ٢٨ ]
ثم دَافَع القرطبي عن هذا التَّأويل بِقوله:
وأُجيب بِأنه يَجُوز أن يَكُون هَذا تَثْنِيَة جِنْس لا تَثْنِيَة وَاحِد مُفْرَد … فَأحَد الْجِنْسَين نِعْمَة الدُّنيا، والثَّاني نِعْمَة الآخِرَة. وقِيل: نِعْمَتَا الدُّنيا: النِّعْمَة الظَّاهِرَة والنِّعْمَة البَاطِنَة.
وقال: ويَجُوز أن تَكُون اليَد في هَذه الآيَة بِمَعْنَى القُدْرَة، أي: قُدْرَتُه شَامِلَة، فإن شَاء وَسَّع، وإن شَاء قَتَّر (^١).
فانْظُر كَيْف تَحَاشَى إثْبَات مَا أثْبَتَه اللهِ لِنَفْسِه مِنْ صِفَة اليَد، وأثْبَت لَه صِفَة "التَّقْتِير"، بِقَوْلِه: "وإن شَاء قَتَّر" (^٢).
فـ "القرطبي قد تَابَع ابن عطية، فأوَّل هذه الصِّفَات - أعنِي: الوَجْه واليَدَين والأعْيُن - فَخَرَج بذلك عن مذهب السَّلَف" (^٣).
وأمَّا تَأويل صِفَة العُلُو، فهو مِمَّا فُهِم مِنْ قَوْلِه، وصَرَّح به في مَوْضِع واحِد، وهو مع ذلك لا يَقُول بِما تَقُولُه "الْجَهْمِيَّة والقَدَرِيَّة والْمُعْتَزِلَة: هو بِكُلّ مَكَان" (^٤).
فإنَّ القرطبي قَرَّر أنَّ "عُلُوّ الله تَعَالى وارْتِفَاعُه عِبَارَة عن عُلُو مَجْدِه وصِفَاتِه ومَلَكُوته، أي: ليس فَوْقَه فِيمَا يَجِب له مِنْ مَعَاني الْجَلال أحَد، ولا مَعَه مَنْ يَكون العُلُوّ مُشْتَرَكًا بَيْنَه وبَيْنَه، لكنه العَلِيّ بِالإطْلاق سُبحانه" (^٥).
فالقرطبي يُثْبِت عُلُوّ الله بِذَاتِه؛ لأنه يَنْفِي وُجُودَه ﷾ في كُلّ مَكَان.
حيث قال بـ "إثْبَات ذَات غَير مُشَبَّهَة بِالذَّوَات، ولا مُعَطَّلَة عن الصِّفَات (^٦).
_________________
(١) الجامع لأحكام القرآن، مرجع سابق (٦/ ٢٢٦).
(٢) ولا يُوصَف الله ﷿ إلَّا بِما وَصَف به نفسه، ولم يَرِد وَصْف التقتير في كِتاب ولا في سُنة.
(٣) المدرسة الأندلسيَّة في التفسير، مرجع سابق (٢/ ٦٤٠)، وانظر: "منهج الإمام القرطبي في أصول الدِّين". مرجع سابق ص (١٠٣ وما بعدها).
(٤) انظر: الجامع لأحكام القرآن، مرجع سابق (٥/ ٣٦٠).
(٥) المرجع السابق (٧/ ١٩٧) بِتَصَرُّف يسير.
(٦) المرجع السابق (٧/ ٢٨٨).
[ ٢٩ ]
إلَّا في تفسير آيَة الكُرْسي، فإنه قال: والعَلِيّ يُرَاد بِه عُلُو القَدْر والْمَنْزِلَة لا عُلُوّ الْمَكَان؛ لأنَّ الله مُنَزَه عن التَّحَيُّز" (^١).
وهذا هو الْمَوْطِن الوَحِيد الذي وَجَدْت فيه تَصْرِيح القرطبي بِنَفْي عُلُو الْمَكَان. ولَم أجِد له في نَفْي عُلُوّ الذَّات نَفْيًا ولا إثْبَاتًا.
وهذا يُؤكِّد ما تقدَّم مِنْ اضطرابه في بعض مسائل الاعتقاد.
ومِمَّا أَفَادَه القرطبي وأجَاد به:
الرَّدّ على الفِرَق الْمُخَالِفة:
اعْتَنَى القرطبي بِالرَّدّ على الفِرَق الْمُخالِفَة؛ كَالرَّافِضَة والصُّوفِيَّة والْمُعتَزِلة، والْجَهْمِيَّة، والُمُرْجِئة، والْخَوَارِج.
فقد جَاء ذِكْر الرَّافِضة في أحَد عَشَر مَوْضِعا من تفسير القرطبي، فقد رَدّ على الرافضة والصُّوفِيَّة في مسألة إثْبَات الوِلايَة والكَرَامة، إذ يَقُول: قال عُلَمَاؤنا رحمة الله عليهم: ومَن أظْهَر اللهُ تَعَالى على يَدَيْه مِمَّنْ لَيس بَنَبِيّ كَرَامَات وخَوَارِق للعَادَات فَلَيس ذَلك دَالًّا على وِلايَتِه، خِلافًا لِبعض الصُّوفِيَّة والرَّافِضَة حيث قَالُوا: إنَّ ذلك يَدُلّ على أنه وَلِيّ، إذ لَو لَم يَكُنْ وَلِيًّا مَا أظْهَر الله على يَديه مَا أظْهَر (^٢).
وَرَدّ عليهم في مَسْألَة تَواتُر نَقْل القرآن، فقال: وقد طَعَن الرَّافِضة - قَبَّحَهُم الله تَعَالى - في القُرْآن، وقَالُوا: إنَّ الوَاحِد يَكْفِي في نَقْل الآيَة والْحَرْف (^٣).
وفي مَسْألَة الإمَامَة رَدّ القرطبي على الرافضة، فقد أوْرَد حَدِيث "أمَا تَرْضَى أن تَكُون مِنِّي بِمَنْزِلَة هَارُون مِنْ مُوسَى، إلَّا أنه لا نَبِيَّ بَعْدِي" (^٤)، ثم قال: فَاسْتَدَلَّ بِهَذا الرَّوَافِض والإمَامِيَّة (^٥) وسَائر فِرَق الشِّيعة على أنَّ النبي ﷺ اسْتَخْلَف عَلِيًّا على جَمِيع الأمَّة حتى كَفَّر الصَّحَابَةَ الإمَامِيَّةُ - قبحهم الله - لأنَّهم عِندهم تَرَكُوا
_________________
(١) الجامع لأحكام القرآن، مرجع سابق (٣/ ٢٦٦).
(٢) المرجع السابق (١/ ٣٣٩).
(٣) المرجع السابق (١/ ٩١).
(٤) رواه البخاري (ح ٣٥٠٣)، ومسلم (ح ٢٤٠٤).
(٥) الإمامية فِرْقَة من فِرَق الرَّافِضَة، وهي تُسَمَّى "الجعفرية" و"الاثنا عشرية"، فإما أن تكون (واو) العطف - بين الروافض والإمامية - زائدة، وإما أنه مِنْ عَطْف الخاص على العام.
[ ٣٠ ]
العَمَل الذي هو النَّصّ على اسْتِخْلاف عليّ، واسْتَخْلَفُوا غيره بِالاجْتِهَاد مِنهم، ومِنهم مَنْ كَفَّر عَلِيًّا إذْ لَم يَقُم بِطَلَب حَقِّه، وهؤلاء لا شَكَّ في كُفْرِهم، وكُفْر مَنْ تَبِعَهم على مَقَالَتِهم، ولَم يَعْلَمُوا أنَّ هَذا اسْتِخْلاف في حَيَاة، كَالْوِكَالَة (^١) التي تَنْقَضِي بِعَزْل الْمُوَكِّل أوْ بمَوْتِه، لا يَقْتَضِي أنه مُتَمَادٍ بَعد وَفَاتِه؛ فَيَنْحَلّ على هَذا مَا تَعَلَّق بِه الإمَامِيَّة وغَيرهم، وقد اسْتَخْلَف النبي ﷺ على الْمَدِينَة ابن أمِّ مَكْتُوم وغيره، ولَم يَلْزَم مِنْ ذَلك اسْتِخْلافه دَائمًا بِالاتِّفَاق، على أنه قد كَان هَارُون شُرِّك مَع مُوسَى في أصْل الرِّسَالَة، فلا يَكُون لَهم فِيه على مَا رَامُوه دَلالَة. والله الْموَفِّق للهِدَايَة (^٢).
ونَقَل عن الشعبي قَوْله: تَفَاضَلَت اليَهُود والنَّصَارَى على الرَّافِضَة بِخَصْلَة: سُئِلتِ اليَهُود: مَنْ خَيْر أهْل مِلَّتِكُم؟ فَقَالُوا: أصْحَاب مُوسى. وسُئِلَتِ النَّصَارَى مَنْ خَيْر أهْل مِلَّتِكُم؟ فَقَالُوا: أصْحَاب عِيسى. وسُئِلَتِ الرَّافِضَة: مَنْ شَرّ أهْل مِلَّتِكُم؟ فَقَالُوا: أصْحَاب محمد! أُمِرُوا بِالاسْتِغْفَار لَهم فَسَبَّوهُم؛ فَالسَّيْف عَلَيهم مَسْلُول إلى يَوْم القِيَامَة، لا تَقُوم لَهم رَايَة، ولا تَثْبُت لَهم قَدَم، ولا تَجْتَمِع لَهم كَلِمَة؛ كُلَّمَا أوْقَدُوا نَارًا للحَرْب أطْفَأها الله بِسَفْكِ دِمَائِهم، وإدْحَاض حُجَّتِهم، أعاذنا الله وإيَّاكُم مِنْ الأهْوَاء الْمُضِلَّة (^٣).
ونَقَل القرطبي عن ابن العربي قَوْله: تَعَلَّق الرَّافِضَة - لعنهم الله - بِهَذه الآيَة على أم المؤمنين عائشة ﵂ (^٤).
ونَقَل عن ابن الجوزي تَضْعِيف رَدّ الشمس لِعَلِيّ ﵁، ثم بَيَّن ضَعْف الْحَديث مَعْنى ومَبْنى، فقال: وهَذا مِنْ حَيْث النَّقْل مُحَال، ومِن حَيْث الْمَعْنَى؛ فإنَّ الوَقْت قَدْ فَات، وعَوْدُها طُلُوع مُتَجَدِّد لا يَرُدّ الوَقْت (^٥).
_________________
(١) في القاموس (ص ١٣٨١): والاسْم: الوَكَالَة، ويُكْسَر.
(٢) الجامع لأحكام القرآن، مرجع سابق (٧/ ٢٤٥، ٢٤٦).
(٣) المرجع السابق (١٨/ ٣٢).
(٤) المرجع السابق (١٤/ ١٦٠) ويَقْصِد بِالآيَة قَوله تَعالى: (وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَه) [الأحزاب: ٣٣].
(٥) المرجع السابق (١٥/ ١٧٥).
[ ٣١ ]
وبَيَّن القرطبي أُصُول الفِرَق الْمُنْتَسِبَة إلى الإسْلام، وهي بإجْمَال سِتّ فِرَق انْقَسَمَتْ كُلّ فِرْقَة إلى اثْنَتِي عشرة فِرْقَة، على النحو التالي:
"انْقَسَمَتِ الْحَرُورِيَّة اثْنَتِي عَشْرَة فِرْقَة" (^١).
و"انْقَسَمَت القَدَرِيَّة اثْنَتِي عَشْرَة فِرْقَة" (^٢).
و"انْقَسَمَت الْجَهْمِيَّة اثْنَتِي عَشْرَة فِرْقَة" (^٣).
و"انْقَسَمَت الْمُرْجِئة اثْنَتِي عَشْرَة فِرْقَة" (^٤).
و"انْقَسَمَت الرَّافِضَة اثْنَتِي عَشْرَة فِرْقَة" (^٥).
و"انْقَسَمَت الْجَبْرِيَّة اثْنَتِي عَشْرَة فِرْقَة" (^٦).
وذَكَر أصُول الفِرَق عُمومًا، إذ يَقُول: "فقد ظَهَر لَنَا مِنْ أصُول الفِرَق: الْحَرُورِيَّة والقَدَرِيَّة والْجَهْمِيَّة، والْمُرْجِئَة، والرَّافِضَة، والْجَبْرِيَّة.
وقال بَعض أهْل العِلْم: أصْل الفِرَق الضَّالَّة هذه الفِرَق السِّتّ، وقد انْقَسَمَت كُلّ فِرْقَة مِنها اثْنَتِي عَشْرَة فِرْقَة، فَصَارَت اثْنَتَيْن وسَبْعِين فِرْقَة" (^٧).
ورَدّ القرطبي على الصُّوفِيَّة في مَوَاضِع كَثِيرَة مِنْ تفسيره، وبَيَّن الفَاسِد مِنْ أقْوَالِهم ومُعْتَقَدَاتِهم، فمن ذلك:
رَدّه على الصُّوفِيَّة فِيمَا يَتَعَلَّق بالتَّوَكُّل، إذ يَقول في قَوْلِه تَعَالى: (آتِنَا غَدَاءَنَا) [الكهف: ٦٢]: فيه مَسْألَة وَاحِدَة، وهو اتِّخَاذ الزَّاد في الأسْفَار، وهو رَدّ على الصُّوفِيَّة الْجَهَلَة الأغْمَار! الذِين يَقْتَحِمُون الْمَهَامِه والقِفَار زَعْمًا منهم أنْ ذلك هو
_________________
(١) الجامع لأحكام القرآن، مرجع سابق (٤/ ١٥٨).
(٢) المرجع السابق (٤/ ١٥٩).
(٣) المرجع السابق (٤/ ١٥٩).
(٤) المرجع السابق (٤/ ١٥٩).
(٥) المرجع السابق (٤/ ١٦٠).
(٦) المرجع السابق (٤/ ١٦٠).
(٧) المرجع السابق (٤/ ١٥٨).
[ ٣٢ ]
التَّوَكُّل على الله الوَاحِد القَهَّار! هذا مُوسَى نَبِيّ الله وكَلِيمه مِنْ أهْل الأرْض قد اتَّخَذ الزَّاد مَع مَعْرِفَتِه بِرَبِّه وتَوَكُّلِه على رَبِّ العِبَاد (^١).
وفي قَوْله تَعالى حِكَايَة عن إبراهيم ﵊: (إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ) [إبراهيم: ٣٧] قال القرطبي: لا يَجُوز لأحَد أن يَتَعَلَّق بِهَذا في طَرْح وَلَدِه وعِيَالِه بِأرْض مَضْيَعَة اتِّكَالًا على العَزِير الرَّحِيم واقْتِدَاء بِفِعْل إبْراهيم الْخَلِيل، كَمَا تَقُول غُلاة الصُّوفِيَّة في حَقِيقَة التَّوَكُّل! فإنَّ إبراهيم فَعَل ذلك بِأَمْر الله، لِقَوْلِه في الْحَدِيث (^٢): آلله أمَرَك بِهَذا؟ قال: نعم (^٣).
وقال في مَسْأَلَة طَلَب الْوَلَد: وفي هَذا رَدّ على بَعْض جُهَّال الْمُتَصَوِّفَة، حَيْث قَال: الذي يَطْلُب الوَلَد أحْمَق، ومَا عَرَف أنه هُو الغَبِيّ الأخْرَق! قَال الله تَعالى مُخْبِرًا عن إبْراهيم الْخَلِيل: (وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ) [الشعراء: ٨٤]، وقال: (وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ) [الفرقان: ٧٤]. وقَد تَرْجَم البُخاري (^٤) على هذا: بَاب بَاب طَلَب الوَلَد (^٥).
وفي التَّفَكُّر رَدّ على الصَّوفِيَّة قَوْلَهم، إذ يَقُول: فأمَّا طَرِيقَة الصَّوفِية أن يَكُون الشَّيخ مِنهم يَوْمًا ولَيْلَة وشَهْرًا لا يَفْتُر؛ فَطَرِيقَة بَعِيدَة عن الصَّوَاب غير لائقَة بِالبَشَر، ولا مُسْتَمِرَّة على السُّنَن (^٦).
وتَعقّب اسْتِدْلال الشِّبْلِي وغيره مِنْ الصُّوفيَّة على جَوَاز "تَقْطِيع ثِيَابِهم وتَخْرِيقِها بِفِعْل سُليمان هَذا (^٧). قال: وهو اسْتِدْلال فَاسِد؛ لأنه لا يَجُوز أن يُنْسَب إلى نَبِيّ مَعْصُوم أنه فَعَل الفَسَاد" (^٨). ثم بَيَّن الْمَقْصُود بِمَسْح السُّوق والأعْنَاق.
_________________
(١) الجامع لأحكام القرآن، مرجع سابق (١١/ ١٥).
(٢) أخرجه البخاري (ح ٣١٨٤)، وهذا القدْر مِنه موقوف على ابن عباس، وله حُكم المرفُوع.
(٣) الجامع لأحكام القرآن، مرجع سابق (٩/ ٣١٥).
(٤) الصحيح (٥/ ٢٠٠٨).
(٥) الجامع لأحكام القرآن، مرجع سابق (٤/ ٨٠).
(٦) المرجع السابق (٤/ ٣٠٦).
(٧) يَقْصِد مَا جَاء في قَوْله تعالى: (فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ) [ص: ٣٣].
(٨) الجامع لأحكام القرآن، مرجع سابق (١٥/ ١٧٤).
[ ٣٣ ]
ورَدّ على الصُّوفِيَّة مَا زَعَمُوه تَزَهّدًا، إذ يَقول القرطبي: وقد كَرِه بَعض الصُّوفِيَّة أكْل الطَّيِّبَات، واحْتَجَّ بِقَول عُمر ﵁: إيّاكُم واللحْم، فإنَّ لَه ضَرَاوَة كَضَرَاوَة الْخَمْر. والْجَوَاب: أنَّ هَذا مِنْ عُمر قَوْل خَرَج عَلى مَنْ خَشِي مِنه إيثَار التَّنَعُّم في الدُّنيا والْمُدَاوَمَة على الشَّهَوات، وشِفَاء النَّفْس مِنْ اللذَّات، ونِسْيَان الآخِرَة والإقْبَال على الدُّنيا؛ ولِذَلك كَان يَكْتُب عُمَر إلى عُمَّالِه: إيّاكُم والتَّنَعُّم وزِيّ أهْل العَجَم، واخْشَوْشِنُوا. ولَم يُرِد ﵁ تَحْرِيم شَيء أحَلَّه الله، ولا تَحْظِير مَا أبَاحَه الله تَبَارَك اسْمُه، وقَوْل الله ﷿ أوْلَى مَا امْتُثِل واعْتُمِد عليه. قال الله تعالى: (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ) [الأعراف: ٣٢] (^١).
ويقُول في هذا الْمِضْمَار: ولَيس لِمَنْ مَنَع نَفْسَه قَدْر الْحَاجَة حَظّ مِنْ بِرّ ولا نَصِيب مِنْ زُهْد؛ لأنَّ مَا حَرَمَها مِنْ فِعْل الطَّاعَة بِالعَجْز والضَّعْف أكْثَر ثَوَابًا وأعْظَم أجْرًا (^٢).
وقال في تَفْسِير الْمُكَاء والتَّصْدِيَة: فِيه رَدّ على الْجُهَّال مِنْ الصُّوفِيَّة الذِين يَرْقُصُون ويُصَفِّقُون ويُصْعَقُون! وذلك كُلّه مُنْكَر يَتَنَزَّه عن مِثْله العُقَلاء، ويَتَشَبَّه فَاعِلُه بِالْمُشْرِكين فيمَا كَانُوا يَفْعَلُونَه عِند البَيْت (^٣).
ولَه رُدُود على كثير مِنْ الفِرَق، إلَّا أنَّ سَرْد ذلك يَطُول.
وقد اخْتَصَرتُ القَوْل في بَيَان عَقِيدَة القرطبي؛ لأنَّ هذا الْمَقْصِد لَيس مَقْصِدًا للبَاحِث، كَمَا أنه سبقتْ دِرَاسَة مُتَخَصِّصَة في عَقِيدة القُرْطبي، وهي رِسَالة "أحمد الْمَزْيَد"، والتي بِعُنْوَان: "مَنْهَج القرطبي في أُصُول الدِّين"، وستأتي الإشَارَة إليها في الدِّرَاسَات السَّابِقَة.
_________________
(١) المرجع السابق (٧/ ١٧٨).
(٢) المرجع السابق (٧/ ١٧٠).
(٣) المرجع السابق (٧/ ٣٥١).
[ ٣٤ ]