تَمَيَّز تفسير القرطبي الْمُسَمَّى بـ "الْجَامِع لأحْكَام القُرْآن" بأنه مَوْسُوعَة شَامِلَة لِكَثِير مِنْ الفُنُون والعُلُوم، ولا عَجَب فهو "التَّفْسِير الْمَشْهُور الذي سَارَت بِه الرُّكْبَان، وفي أسَامِي الكُتُب، وكان تَفْسِيره الْمَذْكُور مُسَمَّى بِجَامِع أحْكَام القُرْآن، وهو كِتَاب مِنْ أجَلّ الكُتُب" (^١).
ومِمَّا تَمَيَّز به تَفْسِير القرطبي مَا يَلِي:
١ - العِنَايَة بِتَفْسير القُرْآن بِالقُرْآن، وبِتِبْيَان الكِتَاب بِالسُّنَّة (^٢).
٢ - العِنايَة بِأقْوَال السَّلَف في تفسير القرآن (^٣)، وهو "يَنْقُل عن السَّلَف كَثِيرًا، مِمَّا أُثِر عنهم في التَّفْسِير والأحْكَام، مَع نِسْبَة كُلّ قَوْل إلى قَائِلِه كَمَا يَنْقُل عَمَّن تَقَدَّمَه في التَّفْسير، خُصُوصًا مَنْ ألَّف منهم في كُتُب الأحكَام، مع تَعْقِيبِه على ما يَنْقُل مِنها (^٤).
٣ - الرُّجُوع إلى لُغَة القرآن، والإفَادَة مِنْ أقْوَال أهْل اللغَة وأساطِينها (^٥).
٤ - دَفْع تَوَهُّم التَّعَارُض في مَوَاطِن كَثِيرَة، رَبَتْ على الْمِائة مَوْضِع.
٥ - الرَّدّ على الفِرَق الْمُخالِفَة، ودَحْض شُبُهَات أرْبَابِها (^٦)، ويُنْكَر البِدَع، ويُبَيِّن عَوَارَها.
٦ - تفسير القرآن الكَرِيم كَامِلًا، ولَم يَقْتَصِر على آيَات الأحْكَام فَحَسْب.
_________________
(١) طبقات المفسِّرين، الداودي (ص ٢٤٦) باختصار.
(٢) انظر: مقدِّمة الْجَامِع لأحكام القرآن (١/ ٦٦٧٤).
(٣) انظر: المرجع السابق (١/ ٦٩)، والْمَبْحَث الثاني مِنْ الفصل الثاني من هذا البحث.
(٤) التفسير والمفسِّرون، محمد الذهبي (٢/ ٤٥٩).
(٥) انظر: مُقَدِّمَة الْجَامِع لأحكام القرآن (١/ ٦٨)، والْمَبْحَث الثالث مِنْ الفصل الثاني من هذا البحث.
(٦) سَبَقَت الإشَارَة إلى شيء مِنْ ذلك في "بَيَان عقيدة القرطبي" مِنْ هذا التَّمْهِيد.
[ ٣٥ ]
٧ - العِناية بآيَات الأحْكَام عِنَاية بالِغة، إذ هي الْمَقْصِد الأوَّل مِنْ التألِيف، وهو يَسُوق في الْمَبْحَث الواحِد مِنْ الآيَة - أحيانًا - أكثر مِنْ خمسين مَسْألَة (^١).
٨ - قِلَّة الإسْرَائِيلِيَّات في تفسيره مُقارَنَة بِتفاسِير الْمُتأخِّرين. فقد صَان القرطبي "كِتابَه عن الإكْثَار مِنْ ذِكْر الإسْرَائِيلِيَّات، والأحَادِيث الْمَوْضُوعَة، كَمَا أنه إذا ذَكَرَ بعض الإسْرَائِيلِيَّات والْمَوضُوعَات مِمَّا يُخِلّ بِعِصْمَة الْمَلائكَة أو الأنبِياء، أو يُخِلّ بالاعْتِقَاد؛ فإنه يَكُرّ عليها بالإبْطَال، أو يُبيِّن أنها ضَعِيفَة غير أنه وُجِد فيه بعض الإسْرَائِيلِيَّات والْمَوْضُوعَات، على قِلَّة … وقد تَنَوَّعت أساليب القرطبي في إبطال الإسْرَائِيلِيَّات، فَتَارَة يَذْكُرُها بإسْنَادِها كَامِلًا، ثم يُطيل في نَقْدِها، والرَّدّ عليها، مُسْتَعِينًا بأقْوَال الْمُفَسِّرِين والعُلَمَاء الذين ذَكَرُوها، وتَارَة يَخْتَصِرُها بِتَجْرِيدِها مِنْ أسَانِيدِها، ويَكْتَفِي بِرَدِّهَا وإبطَالِها والإشَارَة إليها" (^٢).
وقد "أسْقَط مِنه القَصَص والتَّوَارِيخ وأثْبَت عِوَضَها أحْكَام القرآن واسْتِنْبَاط الأدِلَّة، وذَكَر القِرَاءات والإعْرَاب، والنَّاسِخ والْمَنْسُوخ" (^٣).
وهذا ما نَصّ عليه القرطبي في مُقَدِّمَة تفسيره، إذ يَقُول: وأضْرِب عن كَثِير مِنْ قَصَص الْمُفَسِّرِين، وأخْبَار الْمُؤَرِّخِين إلَّا مَا لا بُدّ مِنه ولا غِنَى عنه للتَّبْيِين، واعْتَضْتُ مِنْ ذلك تَبْيِين آي الأحْكَام بِمَسَائل تُسْفِر عن مَعْنَاها، وتُرْشِد الطَالِب إلى مُقْتَضَاهَا (^٤).
أمَّا لِمَاذا أعْرَضَ عنها؟
فلأنَّ "الإسْرَائيلِيَّات مَرْفُوضَة عند العُلَمَاء على البَتَات؛ فأعْرِض عن سُطُورِها بَصَرَك، وأصْمِم عن سَمَاعِها أُذُنَيْك، فإنَّها لا تُعْطِي فِكْرَك إلَّا خَيَالا، ولا تَزِيد فُؤادَك إلَّا خَبَالا" (^٥).
_________________
(١) انظر على سبيل المثال (٣/ ٣٥٨ - ٣٨٦) فقد ذَكَر في آية الدَّين في البقرة اثنتان وخمسين مسألة.
(٢) الإسرائيليات والموضوعات في كُتُب التفسير، محمد أبو شهبة (ص ١٣٧).
(٣) الدِّيباج المذَهَّب، مرجع سابق (ص ٣١٧).
(٤) مُقَدِّمَة الْجَامِع لأحكام القرآن، مرجع سابق (١/ ٢٩).
(٥) نَقَله القرطبي عن ابن العربي. الجامع لأحكام القرآن، مرجع سابق (١٥/ ١٨٦).
[ ٣٦ ]
والْمَقْصُود بِالْمَرْفُوض على البَتَات مَا تَعلَّق بِعِصْمَة الأنبياء والقَدْح فيهم؛ لأنه سَاق هذا القَوْل في قِصَّة أيوب ﵊، إلَّا أنَّ القرطبي لَم يَلْتَزَم بذلك، ولَم يُعْرِض عن سُطُورِها، بَلْ أَوْرَد في قِصَّة سُليمان ﵊ ما كَان الواجِب الإعْرَاض عنه (^١).
كَيْف وهو القَائل: "وفي الإسْرَائيلِيَّات كَثِير لَيس لَها ثَبَات، فلا يُعَوِّل عَليها مَنْ لَه قَلْب" (^٢).
ومِمَّا تَمَيَّز به تَفْسِير القرطبي:
٩ - عدم تَعَصُّب القرطبي لِمَذْهَبِه، فهو وَاسِع الأُفُق، لا يَضِيق بِالْمُخالِف ذَرْعًا! فهو يُورِد الأقْوَال ويُرجِّح مَا يَرَاه أقْرَب على الدَّلِيل وأقْوَى في التَّعْلِيل دُون النَّظر إلى الْمَذْهَب.
بل إنه يَتعقَّب ابن العربي في مَوَاضِع مِنْ تَفْسِيرِه، خاصَّة فيما يُشَنِّع فيه ابن العربي على مُخَالِفيه.
ومِثَاله:
ما شَنَّع بِه ابن العربي على مُخَالِفِيه في مَسْألة فَرْعِيَّة، حيث قال: فَأمَّا إذا تَضَمَّن الْخَبَر حُكْمًا شَرْعِيًّا فَالأحْكَام تَتَبَدَّل وتُنْسَخ، جَاءَت بِخَبَر أوْ أمْر، ولا يَرْجِع النَّسْخ إلى نَفْس اللفْظ، وإنَّما يَرْجِع إلى مَا تَضَمَّنَه، فإذا فَهِمْتُم هَذا خَرَجْتُم عن الصِّنْف الغَبِيّ الذي أخْبَر الله عن الكُفَّار فِيه بِقَولِه: (وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ) [النحل: ١٠١]. الْمَعْنَى: أنَّهم جَهِلُوا أنَّ الرَّبّ يَأمُر بِمَا يَشَاء، ويُكَلِّف مَا يَشَاء، ويَرْفَع مِنْ ذَلك بِعَدْلِه مَا يَشَاء، ويُثْبِت مَا يَشَاء، وعِندَه أمّ الكِتَاب.
فَتَعَقَّبَه القرطبي بِقَولِه: قلتُ: هذا تَشْنِيع شَنِيع! حتى يُلْحَق فِيه العُلَمَاء الأخْيَار في قُصُور الفَهْم بِالكُفَّار، والْمَسْألَة أصُولِيَّة، وهي أنَّ الإخْبَار عن الأحْكَام الشَّرْعيَّة هل
_________________
(١) انظر: الجامع لأحكام القرآن، مرجع سابق (١٥/ ١٧٦ - ١٧٨) وتعَقَّبه بِتَضْعِيف ضَعيف.
(٢) المرجع السابق (٧/ ٢٩٦).
[ ٣٧ ]
يَجُوز نَسْخُها أم لا؟ اخْتُلِف في ذَلك، والصَّحِيح جَوَازُه لِهَذِه الآيَة ومَا كَان مِثْلُها، ولأنْ الْخَبَر عن مَشْروعِيَّة حُكْمٍ مَا يَتَضَمَّن طَلَب ذَلك الْمَشْرُوع، وذلك الطَّلَب هو الْحُكْم الشَّرْعِي الذِي يُسْتَدَلّ على نَسْخِه. والله أعلم (^١).
"وكان يَنْتَقِد مَوقِف ابن العَرَبي مِنْ مُخَالِفِيه، ويُدافِع عنهم، ويَرُدّ عليه" (^٢).
"وخَيْر مَا في الرَّجُل (^٣) أنه لا يَتَعَصَّب لِمَذْهَبِه الْمَالِكِي، بل يَمْشِي مع الدَّلِيل حَتَّى يَصِل إلى مَا يَرَى أنه الصَّوَاب أيًّا كَان قَائلُه" (^٤).
"وقد الْتَزَم الْمَذْهَب الْمَالِكِيّ إلَّا أنه لَم يَتَعَصَّب له، بل يُرَجِّح مَا يَرَى صَوابَه أيًّا كان قَائلُه" (^٥).
"وعلى الْجُمْلَة، فإنَّ القرطبي - ﵀ - في تَفْسِيرِه هذا حُرّ في بَحْثِه، نَزِيه في نَقْدِه، عَفّ في مُناقَشَتِه وجَدَلِه، مُلِمّ بالتَّفْسِير مِنْ جَمِيع نَواحِيه، بَارِع في كُلّ فَنّ اسْتَطْرَد إليه وتَكَلَّم فِيه" (^٦).