قَال القُرطبي في الآيَة الأُولى: وأكْثَر العُلَمَاء عَلى أنَّ هَذه الآيَة نَاسِخَة لِقَولِه ﷿: (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ) [البقرة: ٢٤٠]؛ لأنَّ النَّاس أقَامُوا بُرْهة مِنْ الإسْلام إذا تُوفِّي الرَّجُل وخَلَّف امْرَأته حَامِلًا أوْصَى لَهَا زَوْجُها بِنَفَقَة سَنَة، وبالسُّكْنَى مَا لَم تَخْرُج فَتَتَزَوّج، ثم نُسِخَ ذلك بأرْبَعَة أشْهُر وعَشْر وبالْمِيرَاث (^٤).
_________________
(١) دفع إيهام الاضطراب، مرجع سابق (ص ٣١).
(٢) أي الآية ذات الرقم (٢٣٤).
(٣) رواه البخاري (ح ٤٢٥٦).
(٤) الجامع لأحكام القرآن، مرجع سابق (٣/ ١٦٥).
[ ٥٤ ]
وقَال في مَوْضِع آخَر: قَوله تَعالى: (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا) [البقرة: ٢٤٠] ذَهَب جَمَاعة مِنْ الْمُفَسِّرين في تَأوِيل هَذه الآيَة أنَّ الْمُتَوفَّى عَنْها زَوْجُها؛ كَانَتْ تَجْلِس في بَيْت الْمُتَوفَّى عَنْها حَوْلًا، ويُنْفَق عَليها مِنْ مَالِه مَا لَم تَخْرُج مِنْ الْمَنْزِل، فَإنْ خَرَجَتْ لَم يَكُنْ عَلى الوَرَثَة جُنَاح في قَطْع النَّفَقَة عَنْها، ثم نُسِخ الْحَول بالأرْبَعَة الأشْهُر والعَشْر، ونُسِخَتِ النَّفَقَة بالرُّبُع والثُّمُن في سُورَة النَّسَاء (^١).
ونَقَل عَنْ ابنِ عَطية قَوله: وهَذا كُلّه قَدْ زَال حُكْمه بالنَّسْخ الْمُتَّفَق عَليه، إلّا مَا قوّله الطبريُّ (^٢) مُجاهدًا رَحمَهُمَا الله تَعالى، وفي ذَلك نَظَر عَلى الطَّبَري.
وقَال القَاضِي عِيَاض: والإجْمَاع مُنْعَقِد عَلى أنَّ الْحَوْل مَنْسُوخ، وأنَّ عِدّتها أرْبَعَة أشْهُر وعَشْر.
قَال غَيْرُه: مَعْنَى قَولِه: (وَصِيَّةً)، أي: مِنْ اللهِ تَعالى تَجِب عَلى النِّسَاء بَعْد وَفَاة الزَّوْج بِلُزُوم البُيُوت سَنَة، ثم نُسِخ (^٣).
وقَال: وكَذلك سَائر الآيَة، فَقَوله ﷿: (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ) [البقرة: ٢٤٠] مَنْسُوخ كُلّه عِنْد جُمْهُور العُلَمَاء، ثُم نُسِخ الوَصِيَّة بالسُّكْنَى للزَّوْجَات في الْحَوْل، إلَّا رِواية شَاذَّة مَهْجُورة جَاءت عن ابن أبي نَجِيح عَنْ مُجَاهِد لَم يُتابَع عَلَيها (^٤)، ولا قَال بِهَا فِيما زَادَ على الأرْبَعَة الأشْهُر والعَشْر
_________________
(١) الجامع لأحكام القرآن، مرجع سابق (٣/ ٢٢٦) ط. الشعب (٣/ ٢١٥) ط. دار الكتاب العربي.
(٢) تَعْصِيب الْجِنَايَة بالطَّبَري لَيْس بِجَيِّد، فَلَم يَنْفَرِد الطَّبَري بهذه الرِّوَايَة، فقد رَوَاها البخاري (ح ٤٢٥٧)، وسيأتي تَعقّب البخاري لها.
(٣) الجامع لأحكام القرآن، مرجع سابق (٣/ ٢١٦).
(٤) قال عقبها البخاري (ح ٤٢٥٧): زَعَم ذَلك عَنْ مُجَاهِد، وقال عَطاء: قال ابن عباس: نَسَخَتْ هَذه الآيَة عدّتَها عِنْدَ أهْلِها فَتَعْتَد حَيْث شَاءَت، وهو قَول الله تَعالى: (غَيْرَ إِخْرَاجٍ). قال عَطاء: إن شَاءت اعْتَدَّتْ عِنْد أهْلِه وسَكَنَتْ في وَصِيَّتِها، وإن شَاءَت خَرَجَتْ، لِقَول الله تعالى: (فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ). قال عطاء: ثُمّ جَاءَ الْمِيرَاث فَنَسَخ السُّكْنَى فَتَعْتَدّ حَيْث شَاءَت ولا سُكْنَى لَها. وعن محمد بن يوسف حدثنا ورقاء عن ابن أبي نَجيح عن مُجاهد بهذا. وع ابن أبي نَجيح عن عَطاء عن ابن عباس قال: نَسَخَتْ هَذه الآيَة عِدَّتها في أهْلِها فَتَعْتَدّ حَيْثَ شَاءَت. لِقَول الله: (غَيْرَ إِخْرَاجٍ). نَحْوَه.
[ ٥٥ ]
أحَد مِنْ عُلَمَاء الْمُسْلِمِين مِنْ الصَّحَابة والتابعين ومَن بَعدهم فِيمَا عَلِمْتُ. وقد رَوى ابن جُريج عن مُجاهد مِثل ما عَليه الناس، فانْعَقَد الإجماع، وارْتَفع الْخِلاف (^١).