قال القرطبي: اخْتَلَف العُلَمَاء في مَعْنَى هَذه الآيَة على سِتَّة أقْوال:
الأوَّل: قِيل: إنها مَنْسُوخَة؛ لأنَّ النبي ﷺ قد أكْرَه العَرَب على دِين الإسْلام، وقَاتَلهم ولَم يَرضَ مِنهم إلَّا بالإسْلام، قَاله سُليمان بن موسى. قَال نَسَخَتْها: (يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ) [التوبة: ٧٣]، ورُوي هَذا عَنْ ابنِ مَسعود وكَثِير مِنْ الْمُفَسِّرِين.
الثَّاني: لَيْسَتْ بِمَنْسُوخَة، وإنما نَزَلَتْ في أهْل الكِتَاب خَاصَّة، وأنهم لا يُكْرَهُون على الإسْلام إذا أدَّوا الْجِزْية، والذين يُكْرَهُون أهل الأوْثَان، فلا يُقْبَل مِنْهم إلَّا الإسْلام، فَهُمْ الذين نَزَل فِيهم: (يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ) والْحُجَّة لهذا القَول مَا رَواه زَيد بن أسْلَم عن أبيه قال: سَمِعْتُ عُمر بن الخطاب يَقُول لِعَجُوز نَصْرَانِيَّة:
_________________
(١) الجامع لأحكام القرآن، مرجع سابق (٣/ ٢٦٨). والمراد بالإكراه عدم قبول غير الإسلام، وقتالهم على ذلك. وسيأتي في تفسير الآية ما يُوضِّح المراد.
[ ٧٢ ]
أسْلِمي أيتها العَجُوز تَسْلَمِي، إنَّ اللهَ بَعَثَ مُحَمَّدًا بالْحَقّ. قَالتْ: أنا عَجُوز كَبِيرَة والْمَوت إليّ قَرِيب! فَقَال عُمر: اللهم اشْهَد (^١)، ولا: (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ).
الثَّالِث: مَا رَوَاه أبو دَاود (^٢) عَنْ ابن عباس قَال: نَزَلَتْ هذه في الأنْصَار، كَانَتْ تَكُون الْمَرْأة مِقْلاتًا، فَتَجْعَل على نَفْسِها إن عَاش لها وَلَد أن تُهَوِّده، فلما أُجْلِيتْ بَنَو النَّضِير كَان فِيهم كَثير مِنْ أبْنَاء الأنْصَار، فَقَالُوا: لا نَدَع أبْنَاءنَا، فأنْزَل اللهُ تَعالى: (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ). قَال أبو دَاود: والْمِقْلات التي لا يَعِيش لَها وَلَد.
قال النَّحَّاس: قَول ابنِ عَباس في هَذه الآيَة أوْلى الأقْوال لِصِحَّة إسْنَادِه، وأنَّ مِثْلَه لا يُؤخَذ بالرَّأي.
الرابع: قال السُّدّي: نَزَلَتْ الآيَة في رَجُل مِنْ الأنْصَار يُقَال لَه أبو حصين (^٣)، كَان له ابْنَان، فَقَدِم تُجَّار مِنْ الشَّام إلى الْمَدِينَة يَحْمِلُون الزَّيْت، فَلَمَّا أرَادُوا الْخُرُوج أتَاهُم ابْنَا الْحُصَين فَدَعَوهما إلى النصرانية فَتَنَصَّرا ومَضَيا مَعَهم إلى الشَّام، فأتى أبُوهما رَسُولَ الله ﷺ مُشْتَكِيًا أمْرَهما، ورَغِبَ في أن يَبْعَثَ رَسُول الله ﷺ مَنْ يَرُدّهما، فَنَزَلَتْ: (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ) (^٤)، ولم يُؤمر يَومَئذٍ بِقِتَال أهْل الكِتَاب، ثم إنه نُسِخَ (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ)، فأُمِرَ بِقِتَال أهْل الكِتَاب في سُورة بَراءة.
الْخَامِس: وقِيل: مَعْنَاها: لا تَقُولُوا لِمَنْ أسْلَم تَحْت السَّيْف مُجْبَرًا مُكْرَهًا.
_________________
(١) إلى هنا رواه الدارقطني في (السنن (ح ٦٣، ٦٤).
(٢) (ح ٢٦٨٢)، ورواه ابن جرير في "جامع البيان" (٣/ ١٤).
(٣) في الإصابة، ابن حجر (٧/ ٧٧): أبو حُصَين الأنْصَارِي السَّالِمِي. وَقَع ذِكْرُه في كتاب "أحْكَام القُرْآن" لإسْمَاعِيل القَاضِي مِنْ طَرِيق أسْبَاط بن نصر عن السدي، أسْنَدَه إلى رَجُل مِنْ قَومِه أنَّ أبا الْحُصَين كان له ابنان فَقَدِم تُجَّار مِنْ الشَّام إلى الْمَدِينَة فَتَنَصَّرَا ولَحِقَا مَعهم بالشَّام فَذَكَرَه. ويُنظَر (٢/ ٨٢، ٨٣) مِنْه.
(٤) قال عبد الرزاق المهدي: أخرجه ابن جرير عن السُّدّي، وهذا مُعْضَل لا حُجّة فيه. وَفَاتَه أنَّ ابن جرير رَوَاه قَبْل ذلك (٣/ ١٤) عن ابن عباس مُخْتَصَرًا.
[ ٧٣ ]
السَّادِس: أنها وَرَدَتْ في السَّبْي مَتَى كَانُوا مِنْ أهْل الكِتَاب لَم يُجْبَرُوا إذا كَانُوا كِبَارًا، وإن كَانُوا مَجُوسًا (^١) صِغَارًا أو كِبَارًا، أوْ وَثَنِيِّين فَإنهم يُجْبَرُون عَلى الإسْلام فأمَّا سَائر أنْوَاع الكُفْر مَتى بَذَلُوا الجِزْيَة لم نُكْرِههم على الإسْلام، سَواء كَانُوا عَرَبًا أم عَجَمًا، قُرَيْشًا أوْ غَيرهم (^٢).