قال القرطبي في آية "البقرة":
اخْتَلَف العُلَماء في تَأويل هذه الآية؛ فقالت طَائفَة: حَرّم الله نِكَاح الْمُشْرِكَات في سورة البقرة، ثم نَسَخ مِنْ هذه الجملة نِساء أهل الكتاب فأحَلَّهن في سُورة المائدة، ورُوي هذا القول عن ابن عباس … وقال قتادة وسعيد بن جبير: لَفْظ الآية العُموم في كُلّ كَافِرة، والمرَاد بها الْخُصُوص في الكِتَابِيَّات، وبَيَّنَتِ الْخُصُوص آية "المائدة"، ولم يَتناول العُموم قط الكِتابيات … وعلى القول الأول يَتَناوَلهن العُمُوم ثم نَسَخَتْ آية "المائدة" بعض العموم … وقال إسحاق بن إبراهيم الحربي: ذَهَب قَوم فَجَعَلُوا الآية التي في "البقرة" هي النَّاسِخَة، والتي في "المائدة" هي الْمَنْسُوخَة؛ فَحَرَّمُوا نِكاح كُل مُشْرِكة كِتابية أو غير كِتابية (^٢).
ثم نقل عن النحّاس قوله: وهذا قول خارِج عن قول الجماعة الذين تَقُوم بهم الْحُجَّة؛ لأنه قد قال بِتَحْلِيل نِكَاح نِسَاء أهل الكِتَاب مِنْ الصَّحَابة والتابعين جَمَاعة … وفُقَهاء الأمْصَار عَلَيْه، وأيضًا فَيَمْتَنِع أن تَكون هذه الآية من سُورة "البَقَرة" نَاسِخَة للآية التي في سُورة "المائدة""؛ لأن "البقرة" مِنْ أوَّل ما نَزَل بالمدينة "والمائدة" مِنْ آخِر مَا نَزَل وإنما الآخِر يَنْسَخ الأول (^٣). وأما حديث ابن عمر فلا حُجة فيه لأن ابن عمر ﵀
_________________
(١) رواه البخاري (ح ٤٩٨١).
(٢) الجامع لأحكام القرآن (٣/ ٦٤).
(٣) سبق في أول مبحث "النسخ" جواز العَكْس، وقَرَّره القرطبي، ولَعَلَّه هُنا يُرِيد أنَّ هذه هي الجادَّة.
[ ١٠٧ ]
كان رَجُلًا مُتَوَقِّفًا، فلمَّا سَمع الآيتين في واحدة التَّحْلِيل، وفي أخْرى التَّحْرِيم، ولم يَبلغه النَّسْخ تَوقَّف، ولم يؤخذ عنه ذِكْر النَّسْخ، وإنما تُؤوِّل عليه، وليس يُؤخَذ الناسِخ والْمَنْسُوخ بالتأويل … وقال ابن عباس في بعض ما رُوي عنه: إن الآية عَامَّة في الوَثَنيات والْمَجُوسِيات والكِتَابِيَّات، وكلّ مَنْ على غَير الإسْلام - حَرَام؛ فَعَلَى هذا هي نَاسِخَة للآية التي في "المائدة".
ونَقَل القرطبي عن ابن المنذر قَوله: ولا يَصِحّ عن أحَد مِنْ الأوائل أنه حَرَّم ذلك.
وقال بعض العلماء: وأمّا الآيتان فلا تَعَارُض بينهما، فإن ظَاهِر لَفْظ الشِّرْك لا يَتَنَاول أهْل الكِتَاب، لقوله تعالى: (مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ) [البينة: ١] فَفَرَّق بينهم في اللفظ، وظَاهِر العَطْف يَقْتَضِي مُغَايرة بين الْمَعْطُوف والْمَعْطُوف عليه، وأيضًا فَاسْمُ الشِّرْك عُمُوم وليس بِنَصّ، وقوله تعالى: (وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ) أي: أوتُوا الكِتَاب مِنْ قَبْلِكم وأسْلَمُوا، كقوله: (وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ) [آل عمران: ١٩٩] الآية، وقوله: (مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ) [آل عمران: ١١٣] الآية.
قيل له: هذا خِلاف نَصّ الآية في قوله: (وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ)، وخِلاف ما قَالَه الجمهور، فإنه لا يُشْكِل على أحَد جَواز التَّزْوِيج ممن أسْلَم وصَار مِنْ أعْيان الْمُسْلِمين. فإن قالوا: فقد قال الله تعالى: (أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ) فَجَعَل العِلَّة في تَحْرِيم نِكَاحِهنّ الدُّعَاء إلى النَّار. والجواب أن ذلك عِلة لِقوله تعالى: (وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ)، لأن الْمُشْرِك يَدعو إلى النَّار، وهذه العِلَّة مُطَّرِدَة في جَميع الكُفَّار، فالْمُسْلِم خَير مِنْ الكافِر مُطْلَقًا، وهذا بَيِّن.
[ ١٠٨ ]
وأما نِكَاح أهْل الكِتَاب إذا كَانُوا حَرْبًا (^١) فلا يَحِلّ، وسُئل ابن عباس عن ذلك، فقال: لا يَحِلّ، وتَلا قَول الله تعالى: (قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ) إلى قوله: (صَاغِرُون) [التوبة: ٢٩] … وكَرِه مالك تَزَوّج الْحَرْبِيَّات لِعِلَّة تَرْك الوَلَد في دار الحرْب، ولِتَصَرُّفِها في الْخَمْر والْخِنْزير (^٢).