الآية تَحْتَمِل أكْثَر مِنْ وَجْه:
فالوَجْه الأوّل: أنَّ "ما" نافية، وهو مَا رجَّحَه القُرطبي دُون غيره مِنْ الأقْوال، وهو مَا ذَهَبَ إليه القاسمي.
فيكون مَعنى قوله تعالى: (وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ):
ومَا كَفَر سُلَيمَان ومَا أُنزِل على الْمَلَكَين، فَتَكُون جُمْلَة (وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ) جُملة مُعْتَرِضَة، وبهذا يَسْتَقِيم الْمَعْنى، ولا يَكُون هُناك تَكَلُّف في القَول بالتَّقْدِيم والتَّأخِير.
_________________
(١) محاسن التأويل، مرجع سابق (١/ ٤٠٥، ٤٠٦) باختصار يسير.
[ ١٤٠ ]
وهذا القَول لا يَحْتَاج إلى تَكَلُّف الْجَوَاب في إنْزَال الْمَلائكَة، ولا في إنْزَال السِّحْر وتَعْلِيمه.
وعلى قول القاسمي في حَمْل الْمَلَكين على أنه "وارِد حَسب العُرْف الْجَارِي بَيْن النَّاس في ذلك الوَقْت" يَزُول الإشْكَال في ذِكْر الْمَلَكَين.
وعلى القَول بأنَّ الْمَقْصُود بـ (الْمَلَكَيْنِ) جِبْرِيل ومِيكَائيل، فإنه تَأكِيد للنَّفْي، أي: ولم يُنَزِّل الله على جِبْرِيل ومِيكَائيل مِنْ سِحْر.
وقد أخْرَج سعيد بن منصور من طريق الأعمش عن يحيى بن وثاب أنه كان يقرأ: وجِبْرِيل ومِيكَايِيل (^١).
وأخرج البخاري في تاريخه (^٢) وابن المنذر (^٣) عن ابن عباس: (وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ): جِبْرِيل ومِيكَائيل.
وما رواه ابن جرير عن ابن عباس ﵄ (^٤) والرَّبيع بن أنس (^٥)؛ مِنْ أنَّ الله لم يُنَزِل السِّحْر (^٦)؛ فيه ضَعْف، إلَّا أنَّ مَجموع الرِّوايات يَدُل على أنَّ لها أصْلًا.
والوَجْه الثاني: أنَّ هَارُوت ومَارُوت كانا مَلَكَين مِنْ مَلائكَة السَّمَاء، وأنهما أُنْزِلا إلى الأرْض، وهذا عزاه ابن كثير إلى كثير مِنْ السَّلَف.
وعلى هذا القول لا يَلزَم أن يَكون السِّحر أُنزِل عَليهما.
_________________
(١) السُّنن (٢/ ٥٧٤).
(٢) التاريخ الكبير (٧/ ١٦٨).
(٣) ذَكَره السيوطي في الدر المنثور (١/ ٥٠٤، ٥٠٥).
(٤) الرواية عن ابن عباس من طريق محمد بن سعد عن أبيه عن عمه عن أبيه عن جدّه، وهذا "إسناد مُسلسل؛ عطية العوفي - الراوي عن ابن عباس - فمن دونه ضعفاء" (مقدمة تحقيق جامع البيان ص ١٨٩).
(٥) قال ابن حبان في ترجمته: والناس يَتَّقُون حديثه ما كان من رواية أبي جعفر عنه؛ لأن فيها اضطرابًا كثيرًا (الثقات ٤/ ٢٢٨) وتُنظر مقدمة تحقيق جامع البيان ص (١٩٠).
(٦) جامع البيان (٢/ ٣٣١) وقد تقدّم ذلك عن ابن جرير.
[ ١٤١ ]
وكَونهما أُنزِلا إلى الأرْض لا يَتَعَارَض مَع إنْكَار نُزُول الْمَلائكَة، ذلك أنَّ مَا جَاء في الآيات التي أوْرَدَها القاسمي مِنْ نَفْي إنْزَال الْمَلائكَة لِتَعْلِيم النَّاس، أي لإنْذَارِهم ودَعْوَتِهم.
ويَدُلّ على هذا أنَّ الله أنْزَل الملائكة بالوَحي، وبالعَذَاب، وهي تَنْزِل لِحُضُور مَجَالِس الذِّكْر، ولِكِتَابَة أعْمَال بَني آدَم، كما في صحيح السنة النبوية (^١).