الصَّحيح أن الآيات مُحْكَمَة، وأنه لا تَعَارُض بَيْن الآيَتَين، والْجَمْع بَيْنَهُما مِنْ وُجُوه:
الأوَّل: أنَّ (حَقَّ تُقَاتِهِ): أن يُطَاع فلا يُعْصَى، وأن يُذْكَر فلا يُنْسَى، وأن يُشْكَر فلا يُكْفَر. كما قال ابن مسعود ﵁ (^٣).
_________________
(١) محاسن التأويل، مرجع سابق (٤/ ٤١٨).
(٢) دفع إيهام الاضطراب، مرجع سابق (ص ٤٦) باختصار.
(٣) رواه ابن أبي شيبة في "المصنف" (ح ٣٤٥٥٣)، وابن جرير في "جامع البيان" (٥/ ٦٣٧).
[ ٨٨ ]
وذلك لا يَقْتَضِي الْعِصْمَة، ولا أنَّ لا يَقَع العَبْد في الذَّنْب، وإنما يَعْنِي أن يَخَاف الله فلا يُصِرّ على ذَنْب، وأن يَشْكُر الله فَلا يَكْفره.
قال ابن جرير: يَعْنِي بِذلك جلّ ثناؤه: يا مَعْشَر مَنْ صَدَّق اللهَ ورَسوله (اتَّقُوا اللَّهَ) [آل عمران: ١٠٢]: خَافُوا الله ورَاقِبُوه بِطَاعَتِه واجْتِنَاب مَعَاصيه. (حَقَّ تُقَاتِهِ): حَقَّ خَوْفه، وهو أن يُطَاع فلا يُعْصَى، ويُشْكَر فلا يُكْفَر، ويُذْكَر فلا يُنْسَى (^١).
وقال ابن الجوزي: (اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ) ذَهَب كَثِير مِنْ الْمُفَسِّرِين إلى أنها نُسِخَتْ بِقَولِه: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) والصَّحِيح أنها مُحْكَمة، وأنَّ (مَا اسْتَطَعْتُمْ) بَيَان لِـ (حَقَّ تُقَاتِهِ)، فإنَّ القَوْم ظَنُّوا أن (حَقَّ تُقَاتِهِ) مَا لا يُطَاق، فَزَال الإشْكَال. ولَو قَال: لا تَتَّقُوه حقّ تُقَاتِه؛ كان نَسْخًا (^٢).
الوَجْه الثَّاني: أنَّ آية "التغابن" (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) لا تُعَارِض آية "آل عمران" (اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ)، وذَلك لأنَّ آيَة "التغابن" جَاءت بَعْد ذِكْر الأهْل والْمَال والوَلَد، والإخْبَار بِأنَّ الْمَال والوَلَد فِتْنَة، ولِمَا جُبِلتْ عليه النَّفُوس مِنْ حُب الْمَال والوَلَد، جَاء الأمْر بِتَقْوَى الله حَسب الاسْتِطَاعَة.
وبَيَان ذَلك: أنَّ الإنْسَان قَدْ يَشْغله الْمَال أوْ الوَلَد عَنْ طَاعَة الله، فإذا كَان ذلك فَلْيَتَّق الله مَا اسْتَطَاع، وذَلك بأن يُسَدِّد ويُقَارِب.
فَفِي سِيَاق آيَات "التغابن" قال تعالى: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٤) إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ)، ثم قَال جَلّ ذِكْرُه: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ).
_________________
(١) جامع البيان، مرجع سابق (٥/ ٦٣٧).
(٢) المصفّى بأكفّ أهل الرسوخ، مرجع سابق (ص ٢٢، ٢٣).
[ ٨٩ ]
فَاتَّقُوا الله مَا اسْتَطَعْتُم، لأنه مَهْمَا يَكُنْ مِنْ شَيء فَإنَّ في الْمَال والوَلَد فِتْنَة.
ويَدُلّ عَلى ذلك مَا جَاء في حَدِيث حُذَيفة ﵁ أنه قَال: سَمِعْتُ رَسُول الله ﷺ يَقُول: فِتْنة الرَّجُل في أهْلِه ومَالِه ونَفْسِه وولَدِه وجَارِه؛ يُكَفِّرها الصِّيَام والصَّلاة والصَّدَقة والأمْر بِالْمَعْرُوف والنَّهْي عَنْ الْمُنْكَر (^١).
قال الزَّين بن الْمُنَيِّر: الفِتْنة بِالأهْل تَقَع بالْمَيْل إلَيْهِنّ، أوْ عَلَيْهِنّ في القِسْمَة والإيثَار حَتى في أوْلادِهِنّ، ومِن جِهَة التَّفْرِيط في الْحُقُوق الوَاجِبَة لَهُنّ، وبِالْمَال يَقَع الاشْتِغَال بِه عَنْ العِبَادَة، أوْ بِحَبْسِه عَنْ إخْرَاج حَقّ الله، والفِتْنَة بِالأوْلاد تَقَع بالْمَيْل الطَّبِيعِي إلى الوَلَد، وإيثارِه عَلى كُلّ أحَد (^٢).
"والْمُرَاد بِالفِتْنة مَا يَعْرِض للإنْسَان مَع مَنْ ذُكِر مِنْ البَشَر، أوْ الالْتِهَاء بِهِم، أوْ أنْ يَأتِي لأجْلِهم بِمَا لا يَحِلّ لَه، أوْ يُخِلّ بِمَا يَجِب عَلَيه" (^٣).
قال ابن بَطَّال: فِتْنَة الرَّجُل في أهْله: أن يَأتي مِنْ أجْلِهم مَا لا يَحِلّ لَه مِنْ القَوْل أوْ العَمَل مِمَّا لَم يَبْلُغ كَبِيرة. وقال الْمُهَلَّب: يُرِيد مَا يَعْرِض لَه مَعَهنّ مِنْ شَرٍّ أوْ حُزْن أوْ شِبْهة.
قَوله: "ومَالِه" فِتْنَة الرَّجُل في مَالِه أن يَأخُذه مِنْ غَير مأخَذِه ويَصْرفه في غَير مَصْرفه، أوْ التَّفْريط بِمَا يَلْزَمه مِنْ حُقُوق الْمَال، فَتَكْثُر عَليه الْمُحَاسَبة.
قَوله: "ووَلِده" فِتْنَة الرَّجُل في وَلَدِه فَرْط مَحَبَّتِهم، وشُغْله بِهم عَنْ كَثِير مِنْ الْخَيْر، أوْ التَّوغَّل في الاكْتِسَاب مِنْ أجْلهم مِنْ غَير اكْتِرَاثٍ مِنْ أن يَكُون مِنْ حَلال أوْ حَرَام (^٤). فلأَجْل هَذا جَاءَ في آيَة "التغابن" (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) والله أعلم.
أمَّا آيَة "آل عمران" فإنها جَاءَت في سِيَاق النَّهْي عَنْ طَاعَة أهْل الكِتَاب، والأمْر بالاعْتِصَام بالله، والتَّمَسُّك بِحَبْلِه الْمَتِين؛ وذلك يَقْتَضِي الأمْر بالاتِّقَاء حَقّ التَّقْوى.
_________________
(١) رواه البخاري (ح ١٣٦٨)، ومسلم (ح ١٤٤).
(٢) فتح الباري، ابن حجر العسقلاني (٦/ ٦٠٥).
(٣) المرجع السابق، الموضع نفسه.
(٤) عمدة القاري، العيني (٥/ ٩) وقول ابن بطال والمهلّب عنده في الموضع نفسه.
[ ٩٠ ]
فَفِي سِيَاق آيَات "آل عمران": (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ (١٠٠) وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٠١» ثم قال: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ).
فيَظْهَر أنَّ الأمْر بالتَّقْوى هُنَا حَقّ التَّقْوَى عَلى ظَاهِره، إذْ لا مَصْلَحَة في طَاعَة أهْل الكِتَاب، وأنّ طَاعَتهم مُفْضِية إلى النَّكُوص على الأعْقَاب، ولذا خُتِمت الآية بـ (وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)، ومِمَّا يُؤكّد هَذا القَوْل ويُؤيِّد هَذا الْمَذْهَب أنَّ النبي ﷺ لَم يَكُنْ يُعْمِل العُموم في هاتين الآيَتَين في الْوَصِيَّة بالتَّقْوى، كمَا أعْمل غيرهما (^١).
وبهذا تَكُون كُلّ آيَة في سِيَاقِها لَهَا دَلالَتها، ولا تَعَارُض بَيْن الآيَات.
وقَد تَقرَّر أنه إذا وَرَد التَّرْغِيب في القُرْآن "قارَنَه التَّرْهِيب في لَواحِقه أوْ سَوابقه أوْ قَرائنِه، وبالعَكْس، وكَذلك التَّرْجِيَة مَع التَّخْويف وقد يُغَلَّب أحَد الطَّرَفَين عَلى الآخَر بِحَسب الْمَوَاطِن ومُقْتَضَيات الْحَال ولَمَّا كَان جَانِب الإخْلال مِنْ العِبَاد أغْلَب؛ كَان جَانِب التَّخْويف أغْلَب، وذَلك في مَظانِّه الْخَاصَّة لا عَلى الإطْلاق" (^٢).
الوَجْه الثَّالِث: أنَّ مِنْ مَعاني التَّقْوَى "أدَاء مَا افْتَرض الله، وتَرْك مَا حَرَّم الله" (^٣).
وأنّ أدَاء الفَرَائض عَلى حَسب الاسْتِطَاعَة، لِحَدِيث أبي هُريرة الْمُتَقَدِّم، وفِيه: "إذا أمَرْتُكُم بأمْرٍ فأتُوا مِنه مَا اسْتَطَعْتُم" (^٤)، ولِقَوْل النبي ﷺ لِعُمْرَان بن حُصِين: صَلِّ قائمًا، فإن لم تَستطع فَقَاعِدا، فإن لم تستطع فَعَلى جَنْب (^٥).
فإذا أدَّى الْمُؤمِن مَا يَجِب عَليه حَسب اسْتِطَاعَته في مثل هذه الْحَالَة، فقد اتَّقَى الله حقّ تُقَاتِه، ولا تَثْرِيب عَليه.
_________________
(١) انظر: خُطبة الحاجة التي كان النبي ﷺ يُعَلِّمُها أصحابه؛ الألباني.
(٢) الموافقات، الشاطبي (٤/ ١٦٧ - ١٧١).
(٣) ذَكَره ابن رجب في "جامع العلوم والْحِكَم" (١/ ٩٦) عن عمر بن عبد العزيز.
(٤) سبق تخريجه، وهو مُخرّج في الصحيحين.
(٥) رواه البخاري (ح ١٠٦٦).
[ ٩١ ]
وبِهَذا يَجْتَمِع مَعْنَى الآيَتَين، ويَنْدَفِع التَّعَارُض، ويَزُول الإشْكَال، ولا حَاجَة للقَوْل بِالنَّسْخ مَا أمْكَن الْجَمْع.
[ ٩٢ ]