أوْرَد ابنُ جَرير سُؤالًا في آيَة "البَقَرَة" قَال فِيه: فإن قَال قَائل: قَدْ عَلِمْتَ أنَّ جَمَاعة مِنْ أهْل العِلْم قَالُوا: الوَصِيَّة للوَالِدَين والأقْرَبِين مَنْسُوخة بِآيَة الْمِيرَاث؟
قِيلَ لَه: وخَالَفَهم جَمَاعَةٌ غَيرُهم فَقَالُوا: هي مُحْكَمَة غَيرُ مَنْسُوخَة. وإذا كَان في نَسْخ ذلك تَنَازُع بَيْن أهْل العِلْم، لم يَكُنْ لَنَا القَضَاءُ عَليه مَنْسُوخ إلَّا بِحُجَّة يَجِب التَّسْلِيم لَهَا، إذْ كَان غَير مُسْتَحِيل اجْتِمَاع حُكْم هَذه الآيَة وحُكْم آيةِ الْمَوَارِيث في حَال وَاحِدةٍ على صِحَّةٍ، بِغير مُدَافَعةِ حُكْم إحْدَاهُما حُكْمَ الأخْرَى - وكَان النَّاسِخ والْمَنْسُوخ هُمَا الْمَعنَيَان اللذَان لا يَجوز اجْتِماع حُكْمِهما على صِحَّةٍ في حَالة واحِدة، لنَفْي أحَدهما صَاحبَه.
ثُمَّ ذَكَر الْخِلاف في ذَلك فَقَال:
واخْتَلَف أهْل العِلْم في حُكْم هَذه الآيَة؛ فَقَال بَعْضُهم: لم يَنْسَخِ اللهُ شَيْئًا مِنْ حَكْمِها، وإنَّمَا هِي آيَة ظَاهِرُهَا ظَاهِر عُمُوم في كُلّ والِد ووالِدة وقَرِيب، والْمُرَاد بِهَا في الْحُكْم البَعْض مِنْهم دُون الْجَمِيع، وهو مَنْ لا يَرِث مِنْهُم الْمَيِّتَ دُون مَنْ يَرِث.
وقال آخَرُون: بَلْ هِي آيَة قَدْ كَان الْحُكْم بِهَا وَجَب، وعُمِل به بُرْهة، ثم نَسَخَ اللهُ مِنْها بِآيَة الْمَوَارِيث الوَصِيَّة لِوالِدَيّ الْمُوصِي وأقْرِبَائه الذِين يَرِثُونَه، وأقَرّ فَرْض الوَصِيَّة لِمَنْ كَان مِنْهُم لا يَرِثَه.
[ ٤٨ ]
وقال آخَرُون: بل نَسَخَ الله ذَلك كُلّه بِآيَة الفَرَائض والْمَوَارِيث، فَلا وَصِيَّة تَجِب لأحَدٍ عَلى أحدْ قَرِيب ولا بَعِيد (^١).
واحْتَجّ السَّمرقندي بِمَا "رَوَى ابنُ أبي نجيح عن عَطاء قَال: كَان ابنُ عَباس يَقول: كَان الْمِيرَاث للوَلَد، وكَانَتِ الوَصِيَّة للوالِدين والأقْرَبين، فَنَسَخَ الله مِنْ ذَلك مَا أحَبّ، فَجَعَل للذَّكَر مِثْل حَظّ الأنْثَيَيْن، وجَعَلَ للوالِدين لِكُلّ واحِد مِنْهُمَا السُّدُس، وللمَرْأة الثُّمُن أوْ الرُّبُع، وللزَّوْج النِّصْف أوْ الرُّبُع" (^٢).
وقال السَّمْعَاني وهو يَذْكُر أوْجُه النَّسْخ:
ومِنْه مَا يُوجِب رَفْع الْحُكْم دُون التِّلاوَة، مِثْل آيَة الوَصِيَّة للوَالِدَين والأقرَبين (^٣).
وقال في مَوْضِع آخَر: وذَلك أنَّ الوَصِيَّة كَانَتْ وَاجِبَة في ابْتِدَاء الإسْلام للوَالدَين والأقْرَبِين، ثم صَار مَنْسُوخًا بآيَة الْمِيرَاث (^٤).
في حين احْتَجَّ الثعلبي بِآيَة الْمَوَارِيث وبِالْحَدِيث، فَقَال: فآية الْمَوَارِيث هِي لَنَا حُجَّة، وقَول رَسُولِ اللهِ ﷺ هو الْمُبيِّن (^٥).
ومِمَّن قَال بالنَّسْخ البَغَوي حَيث قَال: كَانَتِ الوَصِيَّة فَرِيضَة في ابْتِدَاء الإسْلام للوالِدَين والأقْرَبِين عَلى مَنْ مَات ولَه مَال، ثم نُسِخَتْ بِآيَة الْمِيرَاث (^٦).
_________________
(١) جامع البيان، مرجع سابق (٣/ ١٢٤ - ١٣١) باختصار.
(٢) بحر العلوم (١/ ٣١٠)، وسبق تخريج رواية البخاري عن ابن عباس، وهي مِنْ طرِيق ابن أبي نجيح عن عَطاء.
(٣) تفسير القرآن (١/ ١٢١).
(٤) المرجع السابق (١/ ١٧٥).
(٥) الكشف والبيان (٢/ ٥٧).
(٦) مَعَالم التَّنْزِيل (١/ ١٤٧).
[ ٤٩ ]
وأمَّا الرَّازي فإنه ذَكَر في الآيَة وَجْهَين، فَنَقَل الوَجْه الأول عن الأصمّ، وهو:
أنهم كانوا يُوصُون للأبْعَدِين طَلَبًا للفَخْر والشَّرف، ويَتْرُكون الأقارب في الفَقر والْمَسْكَنة، فأوْجَب الله تعالى في أوّل الإسلام الوَصِية لهؤلاء مَنْعًا للقوم عما كانوا اعتادوه؛ وهذا بَيِّن.
ونَقَل الوجه الثاني عن آخرين، وهو: أن إيجاب هذه الوَصية لَمَّا كان قبل آية المواريث جَعَل الله الْخِيار إلى الْمُوصِي في مَالِه، وألزمه ألا يتعدَّى في إخْرَاجه مَاله بعد مَوته عن الوالدان والأقربين، فيكون واصِلًا إليهم بِتَمْليكه واخْتياره، ولذلك لَمَّا نَزَلَت آية المواريث قال ﵊: إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لِوَارِث (^١).
فَبَيَّن أن ما تَقدم كان واصِلًا إليهم بعَطِية الْمُوصِي، فأما الآن فالله تعالى قَدَّر لكل ذي حق حقه، وأن عَطِية الله أوْلى مِنْ عَطية الْمُوصِي، وإذا كان كذلك فلا وَصية لوارث ألبتة؛ فعلى هذا الوجه كانت الوصية مِنْ قبل وَاجِبة للوالدين والأقربين (^٢).
ومُقْتضى قَول الرازي، القَول بأن الآية مَنْسُوخة.
وقال الزمخشري: والوَصِيّة للوَارِث كَانَتْ في بَدْء الإسْلام، فنُسِخَتْ بِآيَة الْمَوَارِيث، وبِقَولِه ﵊: "إنَّ اللهَ أعْطَى كُلّ ذِي حَقّ حَقَّه، ألَا لَا وَصِيَّة لِوارِث" (^٣) وبِتَلَقِّي الأمّة إيَّاه بالقَبول حتى لَحِقَ بالْمُتَواتِر (^٤).
ثم ذَكَر وَجْهًا آخَر في الْجَمْع بين الآيات، فقال: وقيل: لم تُنْسَخ، والوَارِث يُجْمَع لَه بَيْن الوَصيَّة والْمِيرَاث بِحُكْم الآيَتَين. وقِيل: مَا هي بِمُخَالِفة لآيةِ الْمَوَارِيث، مَعْنَاهَا: كُتِبَ عَلَيْكُم مَا أوْصَى بِه الله مِنْ تَورِيث الوَالِدين والأقْرَبِين مِنْ قَوله تَعالى
_________________
(١) سبق تَخْرِيجُه (ص ٤٧).
(٢) التفسير الكبير، مرجع سابق (٥/ ٥٢).
(٣) سبق تخْريجُه (ص ٤٧).
(٤) الكشاف (ص ١١١).
[ ٥٠ ]
(يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ) [النساء: ١١]، أوْ كُتِبَ عَلى الْمُحْتَضَر أن يُوصِي للوَالِدَين والأقْرَبِين بِتَوفِير مَا أوْصَى بِه الله لَهُمْ عَليهم، وألا يُنْقَص مِنْ أنْصِبَائهم (^١).
ورجّح ابن جُزي القَول بالنَّسْخ، فَقَال: (الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ) كانت فَرْضًا قَبْل الْمِيرَاث، ثُمّ نَسَخَهَا آيَة الْمِيرَاث مَع قَوْلِه ﷺ: "لا وَصِيَّة لِوَارِث" وَبَقِيَتِ الوَصِيَّة مَنْدُوبَة لِمَنْ لا يَرِث مِنْ الأقْرَبين. وقِيل: مَعْنَاهَا الوَصِيَّة بِتَوْرِيث الوَالِدَين والأقْرَبِين عَلى حَسَب الفَرَائض، فلا تَعَارُض بَيْنَها وبَيْن الْمَوَارِيث ولا نَسْخ، والأوَّل أشْهَر (^٢).
ونَقَل ابنُ كَثير عن ابن أبي حَاتم رِوايته عن ابنِ عباس في قَولِه: (الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ) قال: نَسَخَتْها هَذه الآيَة: (لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا) [النساء: ٧].
ثم قال ابن كثير: والعَجَب مِنْ أبي عبد الله محمد بن عمر الرازي ﵀ كَيف حَكَى في تَفْسِيرِه الكَبير عَنْ أبي مُسْلِم الأصْفَهَاني أنَّ هَذه الآيَة غَير مَنْسُوخَة، وإنَّمَا هِي مُفسَّرَة بآيَة الْمَوَارِيث (^٣).
ثم ذَكَر التَّفْصِيل في هَذه الْمَسْألَة، وخَرَّج الْمَسْألَة عَلى قَول مَنْ يَقُول: إنَّ الوَصِيَّة مَنْدُوب إِلَيْها في أوَّل الأمْر، وعَلى قَول مَنْ يَقول: كَانَتْ وَاجِبَة.
ثم قال: وهو الظَّاهِر مِنْ سِيَاق الآيَة، فَيَتَعَيَّن أن تَكُون مَنْسُوخَة بِآيَة الْمِيرَاث، كَمَا قَاله أكْثَر الْمُفَسِّرِين والْمُعْتَبَرين مِنْ الفُقَهاء (^٤).
_________________
(١) الكشاف، مرجع سابق (ص ١١١)، والقول الأخير فيه ضعف، لأن غاية ما فيه تحصيل حَاصِل.
(٢) التسهيل لعلوم التنْزيل (١/ ٧١).
(٣) تفسير القرن العظيم (٢/ ١٦٨).
(٤) المرجع السابق (٢/ ١٦٨).
[ ٥١ ]
ولم يُشِر القَاسِمي في تَفْسِير هَذه الآيَة إلى حُكْم الوَصِيَّة (^١).
وقال الشنقيطي: التَّحْقِيق أنَّ النَّسْخ وَاقِع فِيها يَقينًا في البَعْض، لأنَّ الوَصِيَّة للوَالِدَين الوَارِثَين والأقَارِب الوَارِثِين رُفِع حُكْمُهَا بَعْد تَقَرُّرِه إجْمَاعًا، وذَلك نَسْخ في البَعْض لا تَخْصِيص قَصْر العَامِّ عَلى بَعْض أفْرَادِه لِدَلِيل (^٢)، أمَّا رَفْع حُكْمٍ مَعَيَّن بَعْد تَقَرُّرِه فهو نَسْخ لا تَخْصِيص، كَمَا هو ظَاهِر، وقد تَقَرر في عِلْم الأصُول إنّ التَّخْصِيص بَعْد العَمل بالعَامِّ نَسْخ (^٣).