رَجَّح ابنُ جرير قِراءَة مَنْ قَرأ (وَصِيَّةً) بالرَّفْع، وعَلَّل ذَلك بِدَلالة "ظَاهِر القُرْآن عَلى أنَّ مُقَام الْمُتَوفَّى عَنها زَوْجُها في بَيْت زَوجِها الْمُتَوَفَّى حَوْلًا كَامِلًا كَان حَقًّا لها قَبْل نُزُول قَوله: (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا)، وقبل نُزول آيَة الْمِيرَاث، ولِتَظَاهُر الأخْبَار عَنْ رَسُول الله ﷺ بِنَحْو الذي دَلّ عَليه الظَّاهِر مِنْ ذلك؛ أوْصَى لَهُنَّ أزْوَاجُهنَّ بِذلك قَبْل وَفَاتِهنّ (^٢) أوْ لم يُوصُوا لَهُنّ بِه (^٣).
_________________
(١) الجامع لأحكام القرآن، مرجع سابق (٣/ ٢١٧). والقول الأخِير بِحُرُوفِه في "الاستذكار"، ابن عبد البر (٦/ ٢٣٥).
(٢) هكذا في المطبوع، والصواب: قَبْلَ وَفَاتِهم.
(٣) جامع البيان، مرجع سابق (٤/ ٣٩٨).
[ ٥٦ ]
ثم ذَكَر "بَعْض مَنْ قَال إنَّ سُكْنَى حَوْل كَامِل كَان حَقًّا لأزْواج الْمُتَوَفَّين بَعْد مَوْتِهِم عَلى مَا قُلْنا، أوْصَى بِذلك أزْوَاجُهن لَهُنّ أوْ لَم يُوصُوا لَهُنّ بِه، وأنَّ ذَلك نُسِخ بما ذَكَرْنا مِنْ الأرْبَعَة الأشْهُر والعَشْر والْمِيرَاث" (^١).
كَمَا ذَكَر "مَنْ قَال كَان ذَلك يَكُون لَهُنّ بِوَصِيَّة مِنْ أزْوَاجِهن لَهُنَّ بِه" (^٢).
وأعقَبَه بِذِكْر "مَنْ قَال نَسَخ ذَلك مَا كَان لَهُنّ مِنْ الْمَتَاع إلى الْحَوْل مِنْ غَيْر تَنْبيهٍ على أيّ وَجْه كَان ذَلك لَهُنّ" (^٣).
ونَقَل عن آخَرِين قَولهم: "هَذه الآيَة ثَابِتَة الْحُكْم لَم يَنْسَخ مِنها شَيء" (^٤).
ثم ذَكَر اخْتِيَارَه بِقوله: وأوْلى هَذه الأقْوال عِندي في ذَلك بالصَّوَاب أن يُقَال: إنَّ الله تعالى ذِكْرُه كان جَعَل لأزْواج مَنْ مَات مِنْ الرِّجَال بَعد مَوتِهم سُكْنَى حَوْل في مَنْزِلِه، ونَفَقَتَها في مَال زَوجِها الْمَيِّت إلى انْقِضَاء السَّنَة، وَوَجَب عَلى وَرَثة الْمَيِّت أنْ لا يُخْرِجُوهنّ قَبْل تَمَام الْحَوْل مِنْ الْمَسْكَن الذي يَسْكُنُه، وإنْ هُنَّ تَرَكْن حَقَّهُنّ مِنْ ذَلك وخَرَجْن لم تَكُنْ وَرَثة الْمَيِّت مِنْ خُرُوجهن في حَرَج، ثم إنَّ اللهَ تَعالى ذِكْرُه نَسَخَ النَّفَقَة بِآيَة الْمِيرَاث، وأبْطَل مِمَّا كَان جَعَل لَهُنّ مِنْ سُكْنَى حَوْلٍ سَبْعةَ أشْهر وعِشْرِين لَيْلَة (^٥)، وَرَدَّهُنَّ إلى أرْبَعَة أشْهُر وعَشْر، عَلى لِسَان رَسُول الله ﷺ (^٦).
وأبَان السمرقندي أن الاعْتَداد بالسَّنَة كَان في أوَّل الشَّرِيعَة، إذْ "كَانَتْ العِدَّة حَوْلًا، وهَكَذا كَان في الْجَاهِلِيَّة … ثم نُسِخ مَا زَاد عَلى الأرْبَعَة أشْهُر وعَشْرا،
_________________
(١) جامع البيان، مرجع سابق (٤/ ٤٠٠).
(٢) المرجع السابق (٤/ ٤٠٣).
(٣) المرجع السابق (٤/ ٤٠٤).
(٤) المرجع السابق (٤/ ٤٠٥).
(٥) يعني الفَرْق بين السَّنَة والأرْبعة أشْهر وعَشْر (١٢ شهرا - ٤ أشهر و١٠ ليال = ٧ أشْهُر و٢٠ ليلة).
(٦) جامع البيان، مرجع سابق (٤/ ٤٠٦).
[ ٥٧ ]
ونُسِخَت الوَصِيَّة للأزْوَاج بِقَول النَّبِيّ ﷺ: لا وَصِيَّة لِوَارِث (^١).
ويُقال: نُسِخَ بآية الْمِيرَاث" (^٢).
ومِمّن رجّح القَول بالنَّسْخ:
السمعاني، فَإنه قَال: وقَوله: (غَيْرَ إِخْرَاجٍ) [البقرة: ٢٤٠] وحَرم على الوَارِث إخْرَاج الْمُعْتَدَّة مِنْ البَيْت قَبْل تَمَام الْحَوْل، لَكِن إذَا خَرَجَتْ بِنَفْسِها سَقَطت نَفَقَتُها، فنُسِخ ذَلك بِآيَة عِدَّة الوَفَاة (^٣).
والبَغوي حَيث قَال: وكَانَت عِدَّة الوَفَاة في الابْتِدَاء حَوْلًا كَامِلًا، لِقوله تَعالى: (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ) [البقرة: ٢٤٠]، ثُمّ نُسخَتْ بأرْبَعَة أشْهُر وعَشْرا (^٤).
وقَال في الآيَة الثَّانِيَة: وكَانَت عِدَّة الوَفاة في ابْتِدَاء الإسْلام حَوْلًا كَامِلًا، وكَان يَحْرُم عَلى الوَارِث إخْرَاجُها مِنْ الْبَيْت قَبْل تَمَام الْحَوْل، وكَانَت نَفَقَتها وسَكَنها وَاجِبَة في مَال زَوْجِها تِلك السَّنَة مَا لَم تَخْرُج، ولَم يَكُنْ لَهَا الْمِيرَاث، فَإن خَرَجَتْ مِنْ بَيْت زَوْجِها سَقَطَت نَفَقَتها، وكَان عَلَى الرَّجُل أن يُوصِي بِهَا، فَكَان كَذَلك حَتى نَزَلَتْ آيَة الْمِيرَاث، فَنَسَخ اللهُ تَعالى نَفَقَة الْحَوْل بالرُّبُع والثُّمُن، ونَسَخ عِدَّة الْحَوْل بِأرْبَعَة أشْهُر وعَشْرا (^٥).
وكذلك الثعلبي (^٦)، والثعالبي (^٧).
_________________
(١) سبق تخريجه (ص ٤٧).
(٢) بحر العلوم، مرجع سابق (١/ ١٨٤).
(٣) تفسير القرآن، مرجع سابق (١/ ٢٤٤).
(٤) معالم التَّنْزِيل، مرجع سابق (١/ ٢١٣).
(٥) المرجع السابق (١/ ٢٢٢).
(٦) الكشف والبيان، مرجع سابق (٢/ ٢٠١).
(٧) الجواهر الحسان، مرجع سابق (١/ ١٨٧).
[ ٥٨ ]
وقال الزمخشري في التَّربُّص سَنَة: وكَان ذَلك في أوَّل الإسْلام، ثم نُسِخَتْ الْمُدَّة بِقَوله: (أَرْبَعَة أَشْهُرٍ وَعَشْرًا) [البقرة: ٢٣٤]. وقِيل: نُسِخَ مَا زَاد مِنه عَلى هَذا الْمِقْدَار، ونُسِخَتِ النَّفَقَة بالإرْث الذي هُو الرُّبُع والثُّمُن.
ثُم قَال: فإن قُلْتَ: كَيْف نَسَخَتِ الآيَة الْمُتَقَدِّمَة الْمُتَأخِّرة؟ قُلت: قَدْ تَكُون الآيَة مُتَقَدِّمَة في التِّلاوَة وهي مُتَأخِّرَة في التَّنْزِيل، كَقَولِه تَعالى: (سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ) [البقرة: ١٤٢]، مَع قَوله: (قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ) [البقرة: ١٤٤] (^١).
وذَكَر ابن عطية مَعْنَى الآيَة، ورَجَّح أنَّ التَّرَبُّص لمُدّة سَنَة مَنْسُوخ، فَقَال: ومَعْنَى هَذه الآيَة أنَّ الرَّجُل إذا مَات كَان لِزَوْجَتِه أن تُقيم في مَنْزِله سَنَة ويُنْفَق عَليها مَنْ مَالِه، وذَلك وَصِيَّة لَها.
واخْتَلَف العُلَمَاء مِمَّنْ هي هَذه الوَصِيَّة؟ فَقَالَت فِرْقة: كَانَتْ وَصِيَّة مِنْ اللهِ تَعالى تَجِب بَعْد وَفَاة الزَّوج … ثم نُسِخ مَا في هَذه الآيَة مِنْ النَّفَقة بالرُّبع أوْ بالثُّمُن الذي في سُورة النِّسَاء، ونُسِخ سُكْنَى الْحَول بالأرْبَعَة الأشْهُر والعَشْر (^٢).
أما الرازي فقد ذَكَر أنَّ "في هَذه الآيَة ثَلاثَة أقْوَال:
الأوَّل - وهو اخْتِيَار جُمْهُور الْمُفَسِّرِين -: أنَّهَا مَنْسُوخَة.
القَول الثَّاني - وهو قَول مُجَاهِد -: أنَّ الله تعالى أنْزَل في عِدَّة الْمُتَوفَّى عَنها زَوْجها آيَتَين: أحَدُهما: ما تَقَدَّم، وهو قَوله: (يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا) [البقرة: ٢٣٤]، والأخْرَى هَذه الآيَة، فَوَجَب تنْزيل هَاتَين الآيَتَين عَلى حَالَتَين؛ فَنَقُول: إنَّهَا إن لَم تَخْتَر السُّكْنى في دَار زَوْجِها، ولَم تأخُذ النَّفَقَة مِنْ مَالِ زَوْجِها كَانَتْ عِدّتها أرْبَعَة أشْهُر وعَشْرا، عَلى مَا في تِلك الآيَة الْمُتَقَدِّمَة، وأمَّا إن اخْتَارَتْ السُّكْنَى في دار
_________________
(١) الكشاف، مرجع سابق (ص ١٤٠).
(٢) المحرر الوجيز، مرجع سابق (١/ ٣٢٦).
[ ٥٩ ]
زَوْجِها والأخْذ مِنْ مَالِه وتَرِكَتِه فَعِدَّتها هي الْحَوْل، وتَنْزِيل الآيَتَين عَلى هَذين التَّقْدِيرَين أوْلى، حَتى يَكون كُلّ واحِد مِنهما مَعْمُولًا بِه.
القَول الثَّالِث - وهو قَول أبي مُسلم الأصفهاني -: أنَّ مْعَنَى الآيَة: مَنْ يُتَوفَّى مِنْكُم ويَذَرُون أزْوَاجًا وقَد وَصَّوا وَصِيَّة لأزْواجِهم بِنَفَقَةِ الْحَوْل وسُكْنى الْحَوْل، فَإن خَرَجْنَ قَبل ذَلك وخَالَفْنَ وَصِيَّة الزَّوج بَعْد أن يُقِمْنَ الْمُدَّة التي ضَرَبَها الله تَعالى لَهُنّ فَلا حَرَج فِيمَا فَعلن في أنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوف، أي: نِكَاح صَحِيح؛ لأنَّ إقَامَتَهن بِهَذِه الوَصِيَّة غَيْر لازِمَة. قال: والسَّبب أنَّهُم كَانُوا في زَمَان الْجَاهِلِيَّة يُوصُون بالنَّفَقَة والسُّكْنَى حَوْلًا كَامِلًا، وكَان يَجِب عَلى الْمَرْأة الاعْتِدَاد بالْحَوْل، فَبَيَّن الله تَعالى في هَذه الآيَة أنَّ ذَلك غَير وَاجِب، وعَلى هَذا التَّقْدِير فالنَّسْخ زَائل، واحْتَجَّ عَلى قَولِه بوُجُوه:
أحَدها: أنَّ النَّسْخ خِلاف الأصْل، فَوَجَب الْمَصِير إلى عَدَمه بِقَدْرِ الإمْكَان.
الثَّانِي: أن يَكون النَّاسِخ مُتَأخِّرًا عَنْ الْمَنْسُوخ في النُّزُول، وإذا كَان مُتَأخِّرًا عَنه في النُّزُول كَان الأحْسَن أن يَكُون مُتَأخِّرًا عَنه في التِّلاوَة أيضًا، لأنَّ هَذا التَّرْتِيب أحْسَن، فأمَّا تَقَدُّم النَّاسِخ على الْمَنْسُوخ في التِّلاوة فَهو وإن كَان جَائزًا في الْجُمْلَة إلَّا أنه يُعَدّ مِنْ سُوء التَّرْتِيب، وتنْزِيه كَلام الله تَعالى عَنه وَاجِب بِقَدْرِ الإمْكَان، ولما كانت هذه الآية مُتأخِّرَة عَنْ تِلك [في] (^١) التِّلاوَة كَان الأوْلى أن لا يُحْكَم بِكَونِها مَنْسُوخَة بِتِلْك" (^٢).
وقال ابن جُزيّ: هذه الآية مَنْسُوخة، ومَعْنَاهَا أنَّ الرَّجُل إذا مَات كَان لِزَوْجَتِه أن تُقِيم في مَنْزِله سَنَة، ويُنفَق عَليها مِنْ مَالِه، وذَلك وَصِيَّة لَها، ثم نَسِخ إِقامَتها سَنَة
_________________
(١) زيادة يقتضيها السياق.
(٢) التفسير الكبير، مرجع سابق (٦/ ١٣٤، ١٣٥) باختصار، وسيأتي تعقّب قول أبي مسلم هذا في "رأي الباحث".
[ ٦٠ ]
بالأرْبَعة الأشْهُر والعَشْر، ونُسِخَتِ النَّفَقَة بالرُّبُع أوْ الثُّمُن الذي لَها في الْمِيرَاث، حَسْبَما ذُكِرَ في سُورة النِّسَاء (^١).
ونَصّ النَّسَفي عَلى أنَّ ذَلك كَان مَشْرُوعًا في أوَّل الإسْلام ثم نُسِخ بِقَوله تَعالى: (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا) إلى قَوله: (أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا) [البقرة: ٢٣٤]، والنَّاسِخ مُتَقَدِّم عليه تِلاوَة، ومُتأخِّر نُزُولًا" (^٢).
ورَجَّح ابنُ كَثير أنَّ الآيَة الثَّانِية مَنْسُوخَة بالآيَة الأُولى، فَقَال: قَال الأكْثَرُون: هَذِه الآيَة مَنْسُوخَة بالتي قَبْلَها، وهِي قَوله: (يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا) [البقرة: ٢٣٤].
ثم ذَكَر رِواية البخاري وقَول ابن الزبير لِعثمان بِشَأن النَّسْخ، ثم قَال: ومَعْنَى هَذا الإشْكَال الذي قَالَه ابن الزبير لِعثمان: إذا كَان حُكْمها قَدْ نُسِخ بالأرْبَعَة الأشْهُر فَمَا الْحِكْمَة في إبْقاء رَسْمِها مَع زَوَال حُكْمِها؟ وبَقاء رَسْمِها بَعْدَ التي نَسَخَتها يُوهِم بَقَاء حُكْمِها. فأجَابه أمِير الْمُؤمِنين بأنَّ هَذا أمْر تَوقِيفي، وأنا وَجَدْتُها مُثْبَتَة في الْمُصْحَف كَذلك بَعْدَها، فأثْبَتها حَيث وجَدْتُها (^٣).
ونَقَل القاسمي القَول بالنَّسْخ عن جُمْهُور الْمُفَسِّرين، فقال: لِيُعلَم أنَّ اخْتِيَار جُمْهُور الْمُفَسِّرين أنَّ هَذه الآيَة مَنْسُوخَة بالتي قَبْلَها، وهي قَوله تَعالى: (يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا) [البقرة: ٢٣٤] (^٤).
_________________
(١) التسهيل لعلوم التنْزيل، مرجع سابق (١/ ٨٦).
(٢) مَدَارِك التَّنْزِيل وحَقائق التَّأويل (١/ ١١٧) بتصرّف يسير.
(٣) تفسير القرآن العظيم، مرجع سابق (٢/ ٤٠٩، ٤١٠).
(٤) محاسن التأويل، مرجع سابق (٣/ ٢١٢).
[ ٦١ ]
ورجّح الشنقيطي أن الآية الأوْلى نَاسِخة للثَّانِية، وإنْ كَانت قَبْلَها في الْمُصْحَف لأنَّها مُتأخِّرة عَنها في النُّزُول (^١).