أطَال ابنُ جرير في تَقْرِير حُكْم آية "البقرة"، فَقَال - بَعْد أنْ ذَكَر الأقْوَال فِيها -: وأوْلى هَذه الأقْوَال بالصَّوَاب: قَوْل مَنْ قَال: نَزَلَتْ هَذه الآيَة في خَاصٍّ مِنْ النَّاس، وقَال: عَنَى بِقَولِه تَعالى ذِكْرُه: (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ) أهْل الكِتَابَين والْمَجُوس، وكُلّ مَنْ جاء إقْرَاره عَلى دِينِه الْمُخَالِف دِين الْحَقّ، وأَخْذ الْجِزْيَة مِنه.
وأَنْكَرُوا أن يَكُون شَيء مِنْها مَنْسُوخًا.
وإنما قُلْنا هَذا القَوْل أوْلى الأقْوال في ذلك بالصَّوَاب لِمَا قَدْ دَلَّلْنا عَليه مِنْ أنَّ النَّاسِخِ غَير كَائن نَاسِخًا إلَّا مَا نَفَى حُكْم الْمَنْسُوخ، فلم يَجُز اجْتِمَاعُهما.
فأمَّا مَا كَان ظَاهِره العُمُوم مِنْ الأمْرِ والنَّهي، وبَاطِنه الْخُصُوص فَهو مِنْ النَّاسِخ والْمَنْسُوخ بِمَعْزِل (^١).
وإذْ كَان ذَلك كَذَلك وكَان غَير مُسْتَحِيل أن يُقَال: لا إكْرَاه لأحَد مِمَّنْ أُخِذَتْ مِنه الْجِزْية في الدِّين، ولم يَكُنْ في الآيَة دَلِيل عَلى أنَّ تَأوِيلَها بِخِلاف ذَلك، وكَان الْمُسْلِمُون جَمِيعًا قَدْ نَقَلوا عَنْ نَبِيِّهم أنه أَكْرَه عَلى الإسْلام قَوْمًا فَأبَى أن يَقْبَل مِنهم إلَّا الإسْلام، وحَكَم بِقَتْلِهم إن امْتَنَعُوا مِنه، وذَلك كَعَبَدَةِ الأوْثَان مِنْ مُشْرِكي العَرَب، وكالْمُرْتَدّ عَنْ دِينه دِين الحقّ إلى الكُفْر، ومَن أشْبَههم، وأنه تَرَك إكْرَاه آخَرِين عَلى الإسْلام بقَبولِه الْجِزْية مِنه، وإقْرَاره عَلى دِينِه البَاطِل، وذلك كَأهْلِ الكِتَابَيْن ومَن أشْبَهَهم؛ كان بَيِّنًا بذلك أنّ مَعنى قَوله: (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ) إنما هو: لا إكْرَاه في الدِّين لأحَد مِمَّنْ حَلّ قَبول الْجِزْية مِنه بأدَائه الْجِزْية، ورِضَاه بِحُكْم الإسْلام.
ولا مَعْنَى لقَوْل مَنْ زَعَم أنَّ الآيَة مَنْسُوخَة الْحُكم بالإذْن بالْمُحَارَبَة (^٢).
_________________
(١) يُنظر لهذه المسألة الأصُولِيَّة: شرح مُخْتَصَر الرَّوْضة، مرجع سابق (٢/ ٥٨٤ - ٥٨٧).
(٢) جامع البيان، مرجع سابق (٤/ ٥٥٣، ٥٥٤) باختصار.
[ ٧٥ ]
في حِين اخْتَصَر السَّمَرْقَندي الْجَوَاب بِقَولِه: يَعْنِي: لا تُكْرِهُوا في الدِّين أحَدًا بَعْد فَتْح مَكَّة، وبَعْد إسْلام العَرَب. (قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ) يَعْنِي: قَدْ تَبَيَّن الْهُدَى مِنْ الضَّلالَة ويقال: قَدْ تَبيّن الإسْلام مِنْ الكُفْر، فَمَنْ أسْلَم وإلَّا وُضِعتْ عليه الْجِزْية، ولا يُكْرَه على الإسْلام (^١).
فهو لم يَذكر نَسْخًا في الآية، وإنما ذَكَر تَخْصِيصًا لِمَعْنَاهَا.
وأما السَّمعاني فَذَكَر قَول ابن عباس في سَبَب نُزُول الآيَة (^٢)، ونَقَل عن الشَّعبي قَوله: هَذا في أهْل الكِتَاب، لا يُجْبَرُون على الإسْلام إذا بَذَلُوا الْجِزْيَة. ثم قَال: وفِيه قَول ثَالِث: أنه كَان في الابْتِدَاء، ثم صَار مَنْسُوخًا بآيَة القِتَال (^٣).
وذَكَر الثعلبي أقوالًا في الآية، فَذَكَر قول مُجاهِد: وكان هذا قَبل أن يُؤمَر رَسول الله ﷺ بِقِتَال أهل الكِتَاب، ثم نُسِخ قوله: (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ)، وأُمِر بِقِتَال أهْل الكِتَاب في سُورة بَراءة.
ثم قال الثعلبي: وهَكذا قَال ابن مسعود وابن زيد إنها مَنْسُوخَة بآيةِ السَّيف، وقَال البَاقُون: هي مُحْكَمَة (^٤).
"ومَعْنَى الآيَة: لا تَقُولُوا لِمَنْ دَخَل بعد الْحَرْب في الإسْلام أنه دَخَل مُكْرَها، ولا تَنْسِبُوا مَنْ (^٥) دَخَل في الإسْلام إلى الكُرْه" (^٦).
_________________
(١) بحر العلوم، مرجع سابق (١/ ١٩٥).
(٢) تقدّم قول ابن عباس ﵄، وتقدم تخريجه.
(٣) تفسير القرآن، مرجع سابق (١/ ٢٦٠).
(٤) الكشف والبيان، مرجع سابق (٢/ ٢٣٤).
(٥) في المطبوع: (فَمَنْ) وهو خطأ فيما يظهر.
(٦) الكشف والبيان، مرجع سابق (٢/ ٢٣٦).
[ ٧٦ ]
وذَكَر البَغَوي في الآيَة ثَلاثَة أقْوَال، وكأنه ضَعَّف القَوْل بِالنَّسْخ، فإنه قَال بَعْد سِيَاق الأقْوَال في الآيَة: وقِيل: كَان هَذا في الابْتِدَاء قَبْل أن يُؤمَر بالقِتَال، فَصَارَتْ مَنْسُوخَة بِآيَة السَّيف، وهَو قَول ابن مسعود ﵁ (^١).
وقال ابن عطية: ويَلْزَم عَلى هَذا أنَّ الآيَة مَكِّيَّة، وأنها مِنْ آيَات الْمُوادَعَة التي نَسَخَتْها آيَة السَّيف. وقال قَتادة والضحاك بن مُزاحم: هَذه الآيَة مُحْكَمَة خَاصَّة في أهْل الكِتَاب الذين يَبْذُلُون الْجِزْيَة ويُؤدُّونها عن يَدٍ صُغرة. وذَكَر قَول ابن عباس وقول السُّدّي (^٢).
وقال النسفي: أي: لا إجْبَار عَلى الدِّين الْحَقّ، وهو دِين الإسْلام. وقِيل: هو إخْبَار في مَعْنَى النَّهْي (^٣).
وأبَان ابنُ جُزي الْمَعْنَى بِقَولِه: الْمَعْنَى أنَّ دِين الإسْلام في غَاية الوُضُوح، وظُهُور البَرَاهِين عَلى صِحَّتِه، بِحَيث لا يَحْتَاج أن يُكْرَه أحَد عَلى الدُّخُول فِيه، بل يَدْخُل فِيه كُلّ ذِي عَقل سَليم مِنْ تِلْقَاء نَفْسِه دُون إكْرَاه، ويَدُلّ عَلى ذَلك قَوله: (قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ)، أي: قَدْ تَبَيَّن أنَّ الإسْلام رُشْد، وأنّ الكُفْر غَيّ، فلا يَفْتَقِر بَعد بَيَانِه إلى إكْرَاه.
وضَعَّفَ القَول بالنَّسْخ، حيث قَال: وقِيل: مَعْنَاها الْمُوادَعَة، وأنْ لا يُكْرَه أحَد بالقِتَال عَلى الدّخُول في الإسْلام، ثم نُسِخَتْ بالقِتَال، وهذا ضَعِيف لأنها مَدَنية، وإنما آيَة الْمُسَالَمَة وتَرْك القِتَال بِمَكَّة (^٤).
_________________
(١) معالم التنْزيل، مرجع سابق (١/ ٢٤٠).
(٢) الْمُحرَّر الوجيز، مرجع سابق (١/ ٣٤٣).
(٣) مدارك التنْزيل، مرجع سابق (١/ ١٢٥).
(٤) التسهيل لعلوم التنْزيل، مرجع سابق (١/ ٩٠).
[ ٧٧ ]
وبِنَحْو الْمَعْنَى الأوَّل الذي ذَكَره ابن جُزيّ قال ابن كثير، ورَجَّح عُمُوم الْحُكْم لا اخْتِصَاصه بِسَبب النُّزُول، فَقَال: وقَد ذَكَرُوا أنّ سَبَب نُزُول هَذه الآيَة في قَوم مِنْ الأنْصار، وإنْ كَان حُكْمها عَامًّا (^١).
وقال بَعد ذِكْر الرِّوَايات في سَبَب نُزُول الآيَة مَا نَصّه: وقد ذَهَب طَائفَة كَثِيرَة مِنْ العُلَمَاء أنَّ هَذه مَحْمُولَة على أهْل الكِتَاب، ومَن دَخَلَ في دِينِهم قَبْل النَّسْخ والتَّبْدِيل، إذا بَذَلُوا الْجِزْية.
وقَال آخَرُون: بل هي مَنْسُوخَة بِآيَة القِتَال، وأنه يَجِب أن يُدْعَى جَميع الأمَم إلى الدُّخول في الدِّين الْحَنِيف - دِين الإسْلام - فإن أَبَى أحَدٌ مِنهم الدُّخُول فيه، ولم يَنْقَد لَه أو يَبذُل الْجِزْيَة قُوتِل حتى يُقْتَل، وهذا مَعْنَى الإكْرَاه (^٢).
ونَبّه القاسمي عَلى أنّ "سَيْف الْجِهَاد الْمَشْرُوع في الإسْلام، والذي لا يُبْطِله عَدْل عادِل، ولا جَوْر جَائر؛ لم يُسْتَعْمَل للإكْرَاه عَلى الدُّخول في الدِّين، ولَكِن لِحِمَايَة الدَّعْوة إلى الدِّين، والإذْعَان لِسُلْطَانِه، وحُكْمِه العَدْل" (^٣).