أطال ابن جرير النّفَس في تفسير آية "البقرة"، فَكَان مما قَاله: اخْتَلَف أهْل التَّأويل في هذه الآية هل نَزَلَتْ مُرَادًا بها كل مُشْرِكَة، أم مُرَاد بِحُكْمها بعض الْمُشْرِكات دُون بعض؟ وهل نُسِخ منها بَعد وُجُوب الْحُكم بها شَيء أم لا؟
_________________
(١) يعني مُحَارِبِين.
(٢) الجامع لأحكام القرآن، مرجع سابق (٣/ ٦٥، ٦٦) باختصار. وقد أطَال القرطبي في المسألة، وأطَلْتُ في بعض ما نَقَلْتُه عنه - مع الاختصار - لأن المقصود بَيان مَنْهَجِه في "دَفْع توهّم التعارُض".
[ ١٠٩ ]
فقال بعضهم: نَزَلَتْ مُرَادًا بها تَحْريم نِكَاح كُلّ مُشْرِكَة على كل مُسْلِم مِنْ أيّ (^١) أجْنَاس الشِّرك؛ كانت عَابِدة وَثَن، أو كانت يَهودية، أو نَصرانية، أو مَجوسية، أو مِنْ غيرهم مِنْ أصْناف الشِّرك، ثم نُسِخ تَحْرِيم نِكَاح أهْل الكِتَاب بِقولِه: (الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ).
وقال آخرون: بل أُنْزِلَتْ هذه الآية مُرَادًا بِحُكْمِها مُشْرِكَات العَرَب، لم يُنْسَخ منها شيء، ولم يُسْتَثْنَ، إنما هي آية عامٌّ ظَاهِرها، خَاصٌّ تأويلها.
وقال آخرون: بل أُنْزِلَت هذه الآية مُرَادًا بها كل مُشْرِكة من أي أصْناف الشِّرك كانت، غير مَخصوص منها مُشْركة دون مُشْرِكة، وثَنية كانت، أو مَجوسية، أو كِتابية، ولا نُسِخَ منها شيء.
ثم رجّح ابن جرير أنه لا نَسْخ، وأنّ الآيتين بَينهما عُمُوم وخُصُوص، فقال: وأوْلى هذه الأقْوال بِتأويل الآية مَا قَاله قَتادة مِنْ أنّ الله تعالى ذِكْرُه عَنَى بِقولِه: (وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ) مَنْ لم يكن مِنْ أهل الكِتاب مِنْ الْمُشْرِكات، وأنّ الآية عامٌّ ظاهرها، خَاصٌّ باطِنها، لم يُنْسَخ منها شيء، وأن نِسَاء أهْل الكِتاب غَير دَاخِلات فيها، وذلك أن الله تعالى ذِكْرُه أحَلَّ بِقَولِه: (وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ) للمؤمنين مِنْ نِكاح مُحْصَنَاتِهِنّ مثل الذي أبَاحَ لهم مِنْ نِسَاء المؤمِنَات (^٢).
_________________
(١) في بعض النُّسَخ: مِنْ أنّ.
(٢) جامع البيان، مرجع سابق (٣/ ٧١١ - ٧١٥) باختصار.
[ ١١٠ ]
في حين اقْتَصَر البغوي على ذِكْر سَبب النُّزول، وعلى قولَه: وقِيل: الآية مَنْسُوخَة في حَقّ الكِتابيَّات، لِقولِه تعالى: (وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ)، وبِخَبَرِ رسول الله ﷺ، وبإجْمَاع الأمَّة (^١).
ولم يَذْكُر السمرقندي في هذه الآية سِوى سَبَب النُّزول والْمَعْنَى العَامّ (^٢).
أما السمعاني فَنَقل عن ابن عباس قوله: لا يَجُوز نِكَاح الكَوافِر أبَدًا إلى يوم القيامة بِحُكْم هذه الآية.
وقَرَّر السَّمْعاني أن "سَائر الْمُفَسِّرين والعُلَماء مِنْ الصَّحَابة وغيرهم على أنَّ الآية مَنْسُوخَة في الكِتابِيَّات بقوله: (وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ) " (^٣).
وأما الزمخشري فيُفهَم مِنْ كَلامِه أنَّ الآية مُحْكَمَة لم يُنْسَخ منها شيء، وبأن آية "البقرة" في حقّ الْمُشْرِكَات الْحَرْبِيَّات. وعَضَد قَوْله بأنَّ "سُورة المائدة كُلها ثَابِتَة لم يُنْسَخ منها شَيء قَطّ" (^٤).
ونَقَل ابن عطية عن قتادة وسعيد بن جبير قولهما: لَفْظ الآية العُمُوم في كُلّ كَافِرَة والْمُرَاد بها الْخُصُوص في الكِتَابِيَّات. ثم قال: وبَيَّنَت الْخُصُوص آية "المائدة"، ولم يَتَنَاول قَطّ الكِتابيَّات.
كما نَقَل عن ابن عباس والحسن قولهما: تَنَاولَهنّ العُمُوم ثم نَسَخَت آية سُورة المائدة بَعض العُمُوم في الكِتَابيَّات.
_________________
(١) معالم التنْزيل، مرجع سابق (١/ ١٩٥).
(٢) بحر العلوم، مرجع سابق (١/ ١٧٣).
(٣) تفسير القرآن، مرجع سابق (١/ ٢٢٢).
(٤) الكشّاف، مرجع سابق (ص ١٢٩).
[ ١١١ ]
ثم أورَد قول ابن عباس - في بعض ما رُوي عنه -: إن الآية عَامَّة في الوَثَنِيَّات والْمَجُوسِيَّات والكِتَابِيَّات، وكُلّ مَنْ كَان على غَير الإسْلام حَرَام.
ورجّح ابن عطية النَّسْخ، فقال: فَعَلى هذا هي نَاسِخَة للآية التي في سُورة المائدة.
ورُوي عن عُمر أنه فَرَّق بين طلحة بن عبيد الله وحذيفة بن اليمان وبين كِتَابِيَّتَين، وقالا: نُطَلِّق يا أمير المؤمنين ولا تَغْضَب! فقال: لو جَاز طَلاقكما لَجَاز نِكَاحَكما، ولكن أُفَرِّق بينكما صُغْرة قمأة (^١).
ثم عَقّب عليه بِقولِه: وهذا لا يَسْتَنِد جَيِّدًا، وأسْنَد مِنه أنَّ عُمَر أرَاد التَّفْرِيق بَينهما، فقال له حُذيفة: أتَزْعُم أنها حَرَام؟ فأُخْلِي سَبيلها يا أمير المؤمنين. فقال: لا أزْعُم أنَّها حَرَام، ولكني أخاف أن تَعَاطَوا المومِسَات مِنْهُنّ. ورُوي عن ابن عباس نحو هذا (^٢).
أما الرازي فقال: واعْلَم أنَّ الْمُفَسِّرين اخْتَلَفُوا في أنّ هذه الآية ابْتِدَاء حُكْم وَشَرْع، أوْ هُو مُتَعَلِّق بِمَا تَقَدَّم؛ فالأكْثَرُون على أنه ابْتِدَاء شَرْع في بَيَان مَا يَحِلّ ويَحْرُم.
ثم قال: اخْتَلَفُوا في أنَّ لَفْظ الْمُشْرِك هل يَتَنَاول الكُفَّار مِنْ أهْل الكِتَاب؟ فأنْكَر بعضهم ذلك، والأكْثَرُون مِنْ العُلَمَاء على أنَّ لَفْظ الْمُشْرِك يَنْدَرِج فيه الكُفَّار مِنْ أهْل الكِتَاب، وهو الْمُخْتَار، ويَدُلّ عليه وُجُوه - ثم ذَكَرَها - (^٣).
كما قال: واحْتَجّ مَنْ أبَاه بأنَّ الله تعالى فَصَل بين أهْل الكِتَاب وبين الْمُشْرِكِين في الذِّكْر (^٤).
_________________
(١) قَمْأة وقَمَاءة وقُمْأة، بالضم والكسر: ذَلّ وصَغَّر، فهو قمئ (القاموس المحيط ص ٦٢).
(٢) المحرر الوجيز، مرجع سابق (١/ ٢٩٦، ٢٩٧) وقول عمر: رواه سعيد بن منصور في سُننه (ح ٧١٦)، وابن أبي شيبة (ح ١٦١٦٣)، والبيهقي (ح ١٣٧٦٢)، وصححه الألباني في (الإرواء ٦/ ٣٠١).
(٣) يُنظر تفصيل ذلك في "التفسير الكبير" (٦/ ٤٨).
(٤) ليس هذا على إطلاقه، بل في المسألة تَفْصِيل في خِطَاب أهْل الكِتَاب في القُرآن. يُنظر لذلك: مجموع فتاوى ابن تيمية، مرجع سابق (١٦/ ٤٨٨ - ٥١٦)، و"مفتاح دار السعادة"، مرجع سابق (١/ ٣٥١ وما بعدها).
[ ١١٢ ]
وذلك يَدُلّ على أنَّ أهْل الكِتَاب لا يَدْخُلون تَحْت اسْم الْمُشْرِك (^١).
وقال في تَفْسِير قَوله تعالى: (وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ) [النساء: ٢٥] ما نَصّه:
مِنْ النَّاس مَنْ قَال: إنه لا يَجُوز التَّزَوّج بالكِتَابيَّات ألبتة، واحْتَجُّوا بهذه الآيات فَقَالُوا: إنه تَعالى بَيَّن أنَّ عند العَجْز عن نِكَاح الْحُرَّة الْمُسْلِمَة يَتَعَيَّن له نِكَاح الأمَة الْمُسْلِمَة، ولو كان التَّزَوّج بالْحُرَّة الكِتَابيَّة جَائزًا لَكَان عند العَجْز عن الْحُرَّة الْمُسْلِمَة لم تَكُنْ الأمَة الْمُسْلِمَة مُتَعَيِّنَة، وذلك يَنْفِي دَلالة الآية، ثم أكَّدُوا هذه الدَّلالة بِقولِه تعالى: (وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ)، وقد بَيَّنَّا بالدَّلائل الكَثِيرَة في تَفْسير هذه الآية أنَّ الكِابية مُشْرِكَة (^٢).
وخَلص إلى تَرْجِيح قَول الأكْثَرين مِنْ الأئمة الذين قَالُوا: إنه يَجُوز للرَّجُل أن يَتَزَوّج بالكِتَابِيَّة، وحُجّة الْجُمْهُور قوله تعالى في سورة المائدة: (وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ)، وسُورة المائدة كُلّها ثابِتة لم يُنْسَخ مِنها شَيء قَطّ (^٣).
ونَفَى ابن جُزي التَّعارُض فَقَال: ولا تَعَارُض بَين هَذه الآية وبَين قَولِه: (وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ)؛ لأنَّ هَذه في الكِتَابِيَّات، والأخْرى في الْمُشْرِكَات. وقد جَعَلَ بَعض النَّاس هذه نَاسِخَة لِتِلْك، وقيل: بالعكس (^٤).
ورَجَّح ابن كثير أنَّ آية "البقرة" عَامَّة مَخْصُوصَة بآية "المائدة"، فقال: هَذا تَحْرِيم مِنْ الله ﷿ على الْمُؤْمنين أنْ يَتَزَوَّجُوا الْمُشْرِكَات من عَبَدَة الأوْثَان، ثم إنْ
_________________
(١) التفسير الكبير، مرجع سابق (٦/ ٤٩).
(٢) المرجع السابق (١٠/ ٤٨).
(٣) المرجع السابق (٦/ ٥٠)، ويُنظر (١١/ ١١٦).
(٤) التسهيل لعلوم التنزيل، مرجع سابق (١/ ١٧٠).
[ ١١٣ ]
كان عُمُومها مُرَادًا، وأنه يَدخل فيها كُلّ مُشْرِكَة مِنْ كِتَابِيَّة ووَثَنِيَّة، فَقَد خَصّ مِنْ ذلك نِسَاء أهْل الكِتَاب بِقولِه: (وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ).
وقيل: بل الْمُرَاد بذلك الْمُشْرِكُون مِنْ عَبَدة الأوْثَان، ولم يُرِد أهْل الكِتَاب بالكُلِّيَّة، والْمَعْنى قَرِيب مِنْ الأوَّل (^١).
وقد تَزَوَّج جَمَاعة مِنْ الصَّحَابة مِنْ نِسَاء النَّصَارى ولم يَرَوا بذلك بَأسًا، أَخْذًا بِهَذِه الآية الكَرِيمة: (وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ)، فَجَعَلُوا هذه مُخَصِّصَة للتي في سورة البقرة: (وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ)، إن قِيل بِدُخُول الكِتَابِيَّات في عُمُومِها، وإلَّا فلا مُعَارَضَة بَينها وبَينها؛ لأن أهْل الكِتَاب قد انْفَصَلُوا في ذِكْرِهم عن الْمُشْرِكِين في غير مَوْضِع (^٢).
في حين ذَكَر الثَّعَالبي ثَلاثَة أقْوَال اخْتَصَرها بقوله: قالتْ طَائفة: الْمُشْرِكَات هُنا مَنْ يُشْرِك مَع الله إلَهًا آخَر.
وقال قتادة وابن جبير: الآية عَامَّة في كُلّ كَافِرة، وخَصَّصَتْها آية "المائدة"، لم يَتَنَاول العُمُوم قَطّ الكِتَابِيَّات.
وقال ابن عباس والحسن: تَنَاوَلهن العُمُوم، ثم نَسَخَتْ آية المائدة بَعضَ العُمُوم في الكِتَابِيَّات (^٣).
ونَقَل القاسمي قَول ابن كثير، وأشَار إلى تَفصيل الرَّازي ثم قال: والتَّحْقِيق أنَّ الْمُشْرِك لا يَتَنَاول الكِتَابِيّ، لأنَّ آيات القُرآن صَرِيحَة في التَّفْرِقة بينهما، وعَطْف أحدِهِما
_________________
(١) تفسير القرآن العظيم (٢/ ٢٩٦) باختصار يسير.
(٢) المرجع السابق (٥/ ٨٣).
(٣) الجواهر الحسان، مرجع سابق (١/ ١٧٠).
[ ١١٤ ]
على الآخَر في مثل: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ) [البينة: ٦]، وسِرّ ذلك أنَّ الْمُشْرِك هو مَنْ يَتَدَيَّن بالشِّرك، أي يَكُون أصْل دِينه الإشْراك، والكِتَابي - وإنْ طَرَأ في دِينه الشِّرْك - فلم يَكن مِنْ أصْله وجَوهَرِه (^١).