روى ابن جرير - بإسناده - إلى ابن إسْحَاق أنَّ رَسُول الله لما ذَكَر سُلَيمَان بن دَاود في الْمُرْسَلِين. قال بعض أحْبَار اليَهود: ألَا تَعْجَبُون مِنْ مُحَمد يَزْعُم أنَّ ابن دَاود كان نَبِيًّا، والله ما كان إلَّا سَاحِرًا؛ فأنْزَل الله في ذلك مِنْ قَولهم: (وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا)، أي: باتِّبَاعِهم السِّحْر وعَمَلِهم بِه، وما أُنْزِل على الْمَلَكَين بِبَابِل هَارُوت ومَارُوت.
ثم قال ابن جرير: فإذا كان الأمْر في ذَلك على مَا وَصَفْنا وتَأويل قَوله: (وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا) مَا ذَكَرْنا، فَبَيِّنٌ أنَّ في الكَلام مَتْرُوكًا تُرِك ذِكْره اكْتِفَاء بما ذُكِر مِنه، وأنَّ مَعْنَى الكَلام: واتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّياطِين مِنْ السِّحْر على مُلْك سُلَيمَان، فتُضِيفه إلى سُلَيمان، ومَا كَفَر سُلَيمَان فَيَعْمَل بالسِّحْر، ولكن الشَّياطِين كَفَرُوا يُعَلِّمون النَّاس السِّحْر.
_________________
(١) الجامع لأحكام القرآن، مرجع سابق (٢/ ٥٠).
[ ١٣٣ ]
وقد كان قتادة يتأوَّل قوله: (وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا) على ما قُلْنا (^١).
كما رَوى ابن جرير - بإسْناده - إلى ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: (وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ). قال: لم يُنْزِل الله السِّحْر.
وروى أيضًا عن الربيع بن أنس (وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ) قال: ما أنْزَل الله عليهما السِّحْر (^٢).
ثم قال ابن جرير: فَتَأويل الآيَة عَلى هَذا الْمَعْنَى الذي ذَكَرْنَاه عن ابن عباس والرَّبِيع مِنْ تَوجِيهِهما مَعْنَى قَوله: (وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ) إلى: "ولم يُنْزِل على الْمَلَكَين".
واتَّبَعُوا الذي تَتْلُوا الشَّياطِين عَلى مُلْك سُلَيمَان مِنْ السِّحْر، وما كَفَر سُلَيمَان ولا أَنْزَل الله السِّحْر على الْمَلَكَين، ولكِنَّ الشَّيَاطِين كَفَرُوا يُعَلِّمُون النَّاس السِّحْر بِبَابِل هَارُوت ومَارُوت، فَيَكُون حِينئذ قوله: (بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ) مِنْ الْمُؤخَّر الذي مَعْنَاه التَّقْدِيم.
فإن قَال لنا قائل: وكَيف وَجْه تَقْديم ذَلك؟ قيل: وَجْه تَقْدِيمه أن يُقَال: واتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِين عَلى مُلْك سُلَيمَان، ومَا كَفَر سُلَيمَان، وما أُنْزِل على الْمَلَكَين، ولكن الشَّياطِين كَفَرُوا يُعَلِّمُون النَّاس السِّحْر بِبَابِلَ هَارُوت ومَارُوت؛ فيكون مَعنيًا بـ (الْمَلَكَيْنِ) جِبْرِيل ومِيكَائيل؛ لأن سَحَرَة اليَهود - فيما ذُكِر - كانت تَزْعُم أنَّ الله أنْزَل السِّحْر على لِسَان جِبْرِيل ومِيكَائيل إلى سُلَيمَان بن دَاود، فأكْذَبها الله بِذلك، وأخْبَر نَبِيَّه مُحَمَّدًا ﷺ أنَّ جِبْرِيل ومِيكَائيل لم يَنْزِلا بِسِحْرٍ قَطّ، وبَرّأ سُلَيمَان مما نَحَلُوه مِنْ السِّحْر، فأخْبَرَهم أنَّ السِّحْر مِنْ عَمَل الشَّياطين، وأنها تُعَلِّم النَّاس ذَلك بِبَابِل، وأنَّ الذين يُعَلِّمُونهم ذلك رَجُلان؛ اسْمُ أحَدِهما هَارُوت، واسْم الآخَر مَارُوت؛ فيكن هَارُوت ومَارُوت على هذا التَّأويل تَرْجَمَةً على النَّاس ورَدًّا عَليهم (^٣).
_________________
(١) جامع البيان، مرجع سابق (٢/ ٣٢٨).
(٢) سيأتي تخريج هذه الروايات.
(٣) جامع البيان، مرجع سابق (٢/ ٣٣١، ٣٣٢).
[ ١٣٤ ]
ثم ذَكَر بَقِيَّة الأقْوال في مَعْنَى الآية، ورَجَّح قَول مَنْ وَجَّه "مَا" في الآية إلى مَعْنَى "الذي" دُون مَعْنى "مَا" التي هِي بِمَعْنَى الْجَحْد (^١).
وهذا التّرْجِيح لم يَرْتَضِه ابن كثير حَيث قال: ثم شَرَع ابن جرير في رَدِّ هَذا القَول وأنَّ "مَا" بِمَعْنَى "الذي"، وأطَال القَول في ذَلك، وادَّعَى أن هَارُوت ومَارُوت مَلَكَان أنْزَلَهُما الله إلى الأرض، وأذِن لهما في تَعْلِيم السِّحْر اخْتِبَارًا لِعِبَادِهِ وامْتِحَانًا بَعْد أن بَيَّن لِعِبَادِه أنَّ ذلك مِمَّا يَنْهَى عنه على ألْسِنَة الرُّسُل، وادَّعَى أنَّ هَارُوت ومَارُوت مُطِيعَان في تَعْلِيم ذلك؛ لأنَّهُما امْتَثَلا مَا أُمِرَا بِهِ. وهَذا الذي سَلَكَه غَرِيب جِدًّا! وأغْرَب مِنه قَول مَنْ زَعَم أنَّ هَارُوت ومَارُوت قَبِيلان مِنْ الْجِنّ، كَمَا زَعَمَه ابن حَزْم (^٢).
وأما السمرقندي فقد أطَال في ذِكْر الرِّوَايات في سَبَب نُزُول الْمَلَكَين، وفِتْنَتهما بالزّهْرَة (^٣).
_________________
(١) جامع البيان، مرجع سابق (٢/ ٣٣٧).
(٢) تفسير القرآن العظيم (١/ ٥٢١)، وقول ابن حزم المشار إليه في: الفصل (٣/ ١٤٥).
(٣) لا يَصِحّ في هذا الباب شيء. قال البيهقي بعد أن ساق روايات في هذا الصَّدَد: ورويناه من وَجْه آخر عن مُجاهد عن ابن عمر مَوقوفًا عليه، وهو أصَحّ، فإن ابن عمر إنما أخَذَه عن كَعب (شُعب الإيمان ١/ ١٨١). وقال ابن عطية بعد سياق الروايات: وهذا كُلّه ضَعيف. (المحرر الوجيز ١/ ١٨٧). وقال القرطبي: لا يَصِحّ منه شيء، فإنه قَول تُدْفَعه الأصُول في الملائكة الذين هُمْ أمَناء الله على وَحْيِه، وسُفَراؤه إلى رُسُله. (الجامع لأحكام القرآن ٢/ ٥٢). وقال ابن كثير: وقد رُوِيَ في قِصة هارُوت ومَاروت عن جماعة من التابعين … وحَاصِلها رَاجِع في تَفْصِيلها إلى أخْبَار بني إسْرائيل، إذْ ليس فيها حَديث مَرفوع صَحيح مُتَّصِل الإسْناد إلى الصَّادِق المصدوق المعصوم الذي لا يَنطق عن الهوى، وظاهِر سياق القرآن إجمال القِصَّة من غير بَسْط ولا إطْناب، فنحن نُؤمن بما وَرَد في القرآن على ما أرَادَه الله تعالى، والله أعلم بِحَقيقَة الْحَال. (تفسير القرآن العظيم ١/ ٥٣٢). ويُنظر لذلك أيضًا: تفسير القرآن العظيم (١/ ٥٢٤، ٥٢٨، ٥٣٠، ٥٣٢). وقال القاسمي: وللقُصّاص في هَارُوت ومَارُوت أحَادِيث عَجيبة! ثم ذَكَرَ أنَّ هذا في التلمود ثم قال: وجَارَاه جَهَلَة القُصَّاص مِنْ المسلمين، فأخَذُوها منه. ثم نَقَلَ عن الرازي وجوه بُطلان تلك القصة. (محاسن التأويل ١/ ٤٠٦، ٤٠٧).
[ ١٣٥ ]
ثم أشَار إلى مَا قِيل في قَوله تعالى: (وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ) حيث قال: قال بعضهم: "مَا" للنَّفْي، فَكَأنه يَقول: ولم يُنْزِل على الْمَلَكَين السِّحْر (^١).
وذَكَر السَّمعاني القَولين في الآية، ورَجَّح مَا رَجَّحَه ابن جرير، فقال: قوله تعالى: (وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ) قُرِئ على النَّفْي، وهو مَحْكِيّ عن عَطية بن عوف. فَعَلَى هذا في الآية تَقْدِيم وتَأخِير، تَقْدِيره: ومَا كَفَرَ سُلَيمَان ومَا أُنْزِل على الْمَلَكَين بِبَابِل هَارُوت ومَارُوت، ولكِنَّ الشَّياطِين كَفَرُوا يُعَلِّمُون النَّاس السِّحْر ومَا يُعَلِّمَان مِنْ أحَد. وهَذا قَول غَريب. والصحيح أن "ما" بمعنى "الذي" يَعني: والذي أُنْزِل على الْمَلَكَين (^٢).
وكذلك قال الثعلبي، فإنه ذَكَر القولين، ثم رجَّح ما رجَّحه ابن جرير والسمعاني قبلَه (^٣).
وهذا القَول هو الذي رَجَّحه البغوي أيضًا، فإنه قال: فإن قيل: كيف يَجُوز تَعْلِيم السِّحْر مِنْ الْمَلائكَة؟ قيل: له تأويلان:
أحَدُهما: أنهما لا يَتَعَمّدان التَّعْلِيم لَكِن يَصِفَان السِّحْر، ويَذْكُران بُطْلانِه، ويأمُرَان باجْتِنَابِه. والتَّعْلِيم بِمَعْنى الإعْلام، فالشَّقِي يَتْرُك نَصِيحَتهما ويَتَعَلَّم السِّحْر مِنْ صَنْعَتهما.
_________________
(١) بحر العلوم، مرجع سابق (١/ ١٠٦).
(٢) تفسير القرآن، مرجع سابق ١/ ١١٦).
(٣) الكشف والبيان، مرجع سابق (١/ ٢٤٥).
[ ١٣٦ ]
والتأويل الثاني - هو الأصحّ -: أنَّ الله تعالى امْتَحَن النَّاس بالْمَلَكَين في ذَلك الوَقْت، فَمَنْ شَقِي يَتَعَلَّم السِّحْر مِنْهُما فَيَكْفُر بِهِ، ومَن سَعُد يَتْرُكْه فَيَبْقَى على الإيمان، ويَزْدَاد الْمُعَلِّمَان بالتَّعْلِيم عَذَابًا، فَفِيه ابْتِلاء للمُعَلِّم والْمُتَعَلِّم، ولله أنْ يَمْتَحِن عِبَادَه بِمَا شَاء، فَلَه الأمْر والْحُكْم (^١).
ولابن عطية تَفْصِيل آخَر، فإنه قال: "ما" عُطِف على السِّحْر، فَهْي مَفْعُولَة، وهذا على القَول بأنَّ الله تَعالى أنْزَل السِّحْر عَلى الْمَلَكَين فِتْنَة للنَّاس؛ لِيَكْفُر مَنْ اتَّبَعَه، ويُؤمِن مَنْ تَرَكَه، أوْ على قَول مُجاهِد وغَيره: إنَّ الله تعالى أنْزَل على الْمَلَكَين الشيء الذي يُفَرَّق بِه بَين الْمَرْء وَزَوْجِه دُون السِّحْر، أوْ على القَول: إنه تعالى أنْزَل السِّحْر عَليهما ليُعْلَم على جِهَة التَّحْذِير مِنه، والنَّهْي عنه.
ثم قال: والتَّعْلِيم عَلى هَذا القَول إنّما هو تَعْرِيف يَسِيرٌ بِمَبَادِئه.
وقيل: إن "ما" عُطِف على "ما" في قوله: (مَا تَتْلُو).
وقيل: "ما" نافية، رَدّ على قوله: (وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ)، وذَلك أنَّ اليَهود قَالوا: إنّ الله أنْزَل جِبْرِيل ومِيكَائيل بالسِّحْر؛ فَنَفَى الله ذلك (^٢).
وأطال الرازي في معنى "ما"، وفَرّع عليه تَفْرِيعَات، فَذَكَر في قَوله تعالى: (وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ) مَسَائل، منها:
الأولى: "ما" في قوله: (وَمَا أُنْزِلَ)، وفِيه وَجْهَان:
الأول: أنه بِمَعْنَى "الذي". وذَكَر أنَّ الذين قَالوا بهذا القَول اخْتَلَفُوا فيه على ثلاثة أقوال، وذَكَر ضِمنها احتجاج أبي مُسلم، وأطَال في رَدّ احْتِجَاجِه.
الثاني: أن يكون "ما" بِمَعْنَى الْجَحْد.
_________________
(١) مَعَالم التنْزيل، مرجع سابق (١/ ٩٩، ١٠٠)، والتأويل الثاني بِحُرُوفِه في "الكشف والبيان" (١/ ٢٤٥).
(٢) المحرر الوجيز، مرجع سابق (١/ ١٨٦).
[ ١٣٧ ]
وخَتَم ذلك بِقَولِه: واعْلَم أنَّ هَذه الأقْوال وإنْ كانَتْ حَسَنَة، إلَّا أنَّ القَول الأول أحْسَن منها؛ وذلك لأن عطف قوله: (وَمَا أُنْزِلَ) على ما يَلِيه أوْلى مِنْ عَطْفِه عَلى ما بَعُدَ عنه إلَّا لِدَلِيل مُنْفَصِل (^١).
وأطال أيضًا في تَقْرِير مَسْأَلة مَا إذا كان هَارُوت ومَارُوت مَلَكَين، وفي الاخْتِلاف في سَبَب نُزُولِهِما (^٢).
وقال ابن جُزي: (وَمَا أُنْزِلَ) نَفْي، أو عَطْف على السِّحْر عَلَيهما، إلَّا أنَّ ذلك يَرُدّه آخِر الآية، وإنْ كانت مَعْطُوفَة بِمَعْنَى "الذي"، فالْمَعْنَى أنَّهُما أُنْزِل عَلَيهما ضَرْب مِنْ السِّحْر ابْتِلاء مِنْ الله لِعِبَادِه، أوْ لِيُعْرَف فيُحْذَر. وقُرئ الْمَلِكِين بِكَسْر اللام، وقال الْحَسَن: هُمَا عِلْجَان؛ فَعَلَى هَذا يَتَعَيَّن أنْ تَكون "ما" غير نافِيَة (^٣).
وقد أطال ابن كثير في ذِكْر الرّوايات في نُزُول الْمَلَكَين، ونَقَل عن ابن جرير قوله ورِوايته، ثم قال: وذَهَب كَثير مِنْ السَّلَف إلى أنهما كانا مَلَكَين مِنْ السَّمَاء، وأنَّهُمَا أُنْزِلا إلى الأرْض، فَكَان مِنْ أمْرِهما مَا كَان (^٤).
ثم أجَاب عَمَّا يَرِد مِنْ إشْكَال، فقال: وعلى هذا فَيَكُون الْجَمْع بَيْن هَذا وبَيْن مَا وَرَد مِنْ الدَّلائل على عِصْمَة الْمَلائكَة - أنَّ هَذَين سَبَق في عِلْم اله لَهُما هَذا، فيَكُون تَخْصِيصًا لهما، فلا تَعَارُض حِينئذ، كما سَبَق في عِلْمِه مِنْ أمْر إبْليس مَا سَبَق، وفي قولٍ: إنه كَان مِنْ الْمَلائكَة، لقَوله تعالى: (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى)
_________________
(١) التفسير الكبير، مرجع سابق (٣/ ١٩٧، ١٩٨) باختصار.
(٢) المرجع السابق (٣/ ١٩٨ - ٢٠٠).
(٣) التسهيل لعلوم التنْزيل، مرجع سابق (١/ ٥٥).
(٤) تفسير القرآن العظيم، مرجع سابق (١/ ٥٢٢).
[ ١٣٨ ]
[البقرة: ٣٤]. إلى غير ذلك من الآيات الدَّالّة على ذلك، مَع أنّ شَأن هَارُوت ومَارُوت على ما ذُكِر أخَفّ مما وَقَع مِنْ إبْلِيس لَعَنَه اللهُ تعالى (^١).
ورجّح القاسمي كون "ما" نافية، وأنَّ هَارُوت ومَارُوت كَانا رَجُلَين مُتَظَاهِرَين بالصَّلاح. فقال: اعْلَم أنَّ للعُلَمَاء في هذه الآية وُجُوهًا كَثيرة، وأقْوالًا عَديدة؛ فمنهم مَنْ ذَهَب فيها مَذْهب الأخْبَارِيين نَقَله الغَثّ والسَّمِين، ومِنهم مَنْ وَقَفَ مَع ظَاهِرِها البَحْت وتَمَحَّل لِمَا اعْتَرَضَه بِمَا الْمَعْنَى الصَّحِيح في غِنى عَنه، ومِنهم مَنْ ادَّعَى فِيها التَّقْدِيم والتَّأخِير، ورَدّ آخِرَها على أوّلها، بِمَا جَعَلها أشبَه بالألْغَاز والْمُعَمَّيَات، التي يَتَنَزَّه عنها بَيان أبْلَغ كَلامِهم، إلى غير ذلك مما يَرَاه المُتَتَبِّع لِمَا كُتِب فيها.
والذي ذَهَب إليه الْمُحَقِّقُون أنَّ هَارُوت ومَارُوت كَانا رَجُلَين مُتَظَاهِرَين بالصَّلاح والتَّقْوى في بَابِل وكانا يُعلِّمان النَّاس السِّحْر. وبَلَغ حُسْن اعْتِقَاد النَّاس بِهِما أنْ ظَنُّوا أنَّهُما مَلَكَان مِنْ السَّمَاء، وما يُعلِّمَانِه للنَّاس هو بِوحْي مِنْ الله، وبَلَغ مَكْر هَذَين الرَّجُلَين ومُحَافَظتهما على اعْتِقَاد النَّاس الْحَسَن فِيهما أنهما صَارَا يَقُولان لِكُلّ مَنْ أرَاد أن يَتَعَلَّم مِنهما: (إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ)، أي: إنما نَحْن أُولو فِتْنَة نَبْلُوك ونَخْتَبِرُك، أتَشْكُر أمْ تَكْفُر، ونَنْصَح لَك ألَّا تَكْفُر. يقولان ذلك لِيُوهِما النَّاس أنَّ عُلومَهما إلَهِيَّة، وصِنَاعَتهما رَوْحَانِيَّة، وأنهما لا يَقْصِدَان إلَّا الْخَير …
فـ "ما" هنا نافية على أصَحَّ الأقْوال، ولفظ (الْمَلَكَيْنِ) هنا وارِد حَسب العُرْف الْجَارِي بَيْن النَّاس في ذلك الوَقْت.
ثم خَلَص القاسمي إلى: "أنَّ مَعْنَى الآية مِنْ أوَّلها إلى آخِرها هكذا:
أن اليَهود كَذَّبُوا القُرآن ونَبَذُوه وَرَاء ظُهورِهم، واعْتَاضُوا عَنه بالأقَاصِيص والْخُرَافَات التي يَسْمَعُونَها مِنْ خُبَثَائهم عن سُلَيمَان ومُلْكِه، وزَعَمُوا أنه كَفَر، وهُو لَمْ
_________________
(١) تفسير القرآن العظيم، مرجع سابق (١/ ٥٢٢، ٥٢٣) وهذا لا يَتَعَارَض مع مَا سَبَق نَقْله عنه في رَدّ قول ابن جرير، فإنه إنما ردّ إنزال السِّحْر عليهما، والإذْن بِتَعْلِيمِه.
[ ١٣٩ ]
يَكْفُر، ولكن شَياطِينهم هُمْ الذين كَفَرُوا، وصَارُوا يُعَلِّمُون النَّاس السِّحْر، ويَدّعُون أنه أُنْزِل على هَارُوت ومَارُوت، اللذين سَمَّوهما مَلَكَين، ولم يَنْزِل عَليهما شَيء … فأنْتَ تَرَى أنَّ هَذا المقَام كُله ذَمّ، فلا يَصِحّ أن يَرِد فيه مَدْح هَارُوت ومَارُوت. والذي يَدُلّ على صِحَّة مَا قُلْنَاه فِيهما أنَّ القُرآن أنكَر نُزُول أيّ مَلَك إلى الأرْض لِيُعَلِّم النَّاس شَيئًا مِنْ عِند الله، غَير الوَحْي إلى الأنْبِيَاء، ونَصَّ نَصًّا صَرِيحًا أنّ الله لَم يُرْسِل إلَّا الإنْس لِتَعْلِيم بَنِي نَوْعِهم، فقال: (وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) [الأنبياء: ٧]، وقال مُنكِرًا طَلَب إنْزَال الْمَلَك: (وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ) [الأنعام: ٨]، وقال في سورة الفرقان: (وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا) إلى قَولِه: (فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا) [الآيات: ٧ - ٩] (^١).