رَوَى ابن جَرير الطَّبَرِي بإسْنَادِه إلى الليث قال: ثَنا أبو الزَّبير عن جَابر قال: لَم يَكُنْ رَسُول الله يَغْزُو في الشَّهْر الْحَرَام إلَّا أن يُغْزَى، أوْ يَغْزُو حَتى إذا حَضَر ذلك أقَام حتى يَنْسَلِخ (^٢).
_________________
(١) الجامع لأحكام القرآن، مرجع سابق (٣/ ٤٣، ٤٤)، وسيأتي قول جابر ﵁ عند ابن جرير.
(٢) جامع البيان، مرجع سابق (٣/ ٦٤٨، ٦٤٩)، والحديث رواه أحمد (ح ١٤٥٨٣) من طريق الليث به. وقال محققو المسند: إسناده صحيح على شرط مسلم، رجاله ثقات رجال الشيخين غير أبي الزبير - وهو محمد بن مُسْلِم بن تَدْرُس - فَمِنْ رجال مسلم، والراوي عنه هو ليث - وهو ابن سعد - وهو لا يَروي عن أبي الزبير إلّا مَا عَلِم أنه سَمِعه مِنْ جَابر.
[ ٦٥ ]
وأشَارَ إلى الْخِلاف بِقَوله: اخْتَلَف أهْل التَّأوِيل في قَوله: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ) (^١)؛ هَلْ هُو مَنْسُوخ أم ثَابِت الْحُكْم؟ فَقَال بَعْضُهم: هُو مَنْسُوخ بِقَول اللهِ جَلّ وعزَّ: (وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً)، وبِقَولِه: (فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ) [التوبة: ٥].
ثم رَوَى بإسْنَادِه إلى عَطَاء بن مَيْسَرة أنه قَال: أَحَلّ القِتَال في الشَّهْر الْحَرَام في "بَرَاءة" قَوله: (فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً) يَقُول: فِيهِنّ وفي غَيْرِهِنّ.
وحَكَى ابنُ جَرير عن آخَرِين قَولَهم: بَلْ ذَلك حُكْمٌ ثَابِت لا يَحِلّ القِتَال لأحَد في الأشْهر الْحُرُم بِهَذِه الآيَة، لأنَّ اللهَ جَعَل القِتَال فِيه كَبِيرًا.
ثم رجّح ابنُ جَرير القَوْل بالنَّسْخ، فَقَال:
والصَّواب مِنْ القَوْل في ذَلك مَا قَاله عَطاء بن مَيْسَرة مِنْ أنَّ النَّهْي عن قِتَال الْمُشْرِكين في الأشْهُر الْحُرُم مَنْسُوخ بِقَول اللهِ جَلَّ ثَنَاؤه: (إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً) [التوبة: ٣٦]. وإنما قُلْنا ذَلك نَاسِخ لِقَولِه: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ) لِتَظَاهُر الأخْبَار عَنْ رَسُول الله أنَّه غَزَا هَوازن بِحُنين، وَثَقِيفًا بِالطَّائف، وأرْسَل أبَا عَامِر إلى أوْطاس لِحَرْب مَنْ بِها مِنْ الْمُشْرِكِين في بَعْض الأشْهُر الْحُرُم، وذَلك في شَوَّال وبَعْض ذِي القَعْدَة، وهُمَا مِنْ الأشْهُر الْحُرُم، فَكَان مَعْلُومًا بِذَلك أنه لَو كَان القِتَال فِيهنَّ حَرَامًا وفِيه مَعْصِيَة كَان أبْعَد النَّاس مِنْ فِعْلِه.
ثم ذَكَر حُجَّة أخْرى تَعْضُد القَول بالنَّسْخ، وهي "أنَّ جَمِيع أهْل العِلْم بِسِيَرِ رَسُول الله لا تَتَدَافَع أن بَيعَة الرِّضْوان على قِتَال قُرَيش كَانت في أوَّل ذِي القَعْدَة" (^٢).
_________________
(١) وقع في طبعة دار هجر: (وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ) بَدَل أول الآية، وأوّل الآية في القتال في الأشهر الْحُرُم هو المقصود بالنَّسخ. وما أثْبَتَه هو ما في طبعة دار الفِكر.
(٢) يعني: وهو من الأشْهر الْحُرُم.
[ ٦٦ ]
ثم قَال: فَإذا كَان ذَلك كَذلك، فَبَيِّنٌ صِحَّة مَا قُلْنا في قَولِه: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ) وأنه مَنْسُوخ (^١).
"وأكْثَر الأقَاويل عَلى أنَّهَا مَنْسُوخَة بِقَولِه: (فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ) [التوبة: ٥] " (^٢).
وضَعَّف ابنُ عَطية قَوْل عَطَاء في أنَّ الآيَة مُحْكَمَة، فَقَال: وقَال الزُّهْرِي ومُجَاهِد وغَيْرُهما: قَوله: (قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ) مَنْسُوخ بِقَولِهِ: (وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً) [التوبة: ٣٦] وبِقَولِه: (فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ) [التوبة: ٥].
وقال عَطَاء: لم تُنْسَخ، ولا يَنْبَغِي القِتَال في الأشْهُر الْحُرُم؛ وهَذا ضَعِيف (^٣).
وذَكَر ابن الجوزي القَولَين، فَقَال: اخْتَلَف العُلَمَاء في تَحْريم القِتَال في الأشْهُر الْحُرُم، هَلْ هُو بَاقٍ أم نُسِخ؛ على قولين:
أحدهما: أنه بَاقٍ.
والثاني: أنه مَنْسُوخ.
وهذا قَول فُقَهَاء الأمْصَار (^٤).
في حين اقْتَصَر على القَوْل بالنَّسْخ في "الْمُصَفَّى بأكُفّ أهْل الرّسُوخ مِنْ عِلْم النَّاسِخ والْمَنْسُوخِ" (^٥).
_________________
(١) جامع البيان، مرجع سابق (٣/ ٦٦٢ - ٦٦٤) باختصار.
(٢) قاله الزمخشري في الكشاف (ص ١٢٦) وقد ذَكَر بقية الأقوال في المسألة.
(٣) المحرر الوجيز، مرجع سابق (١/ ٢٩٠).
(٤) زاد المسير (١/ ٢٣٧) باختصار.
(٥) (ص ١٨).
[ ٦٧ ]
وحَكَى الرَّازِي الاتِّفَاق عَلى حُكْم الآيَة والاخْتِلاف في بَقَائه، فَقَال: اتَّفَق الْجُمْهُور عَلى أنَّ حُكْم هَذه الآيَة حُرْمة القِتَال في الشَّهْر الْحَرَام، ثم اخْتَلَفُوا أنَّ (^١) ذلك الْحُكْم هل بَقي أم نُسخ؟ فَنُقِل عن ابنِ جُريج أنه قَال: حَلَفَ لي عَطَاء بِالله أنه لا يَحِلّ للنَّاس الغَزْو في الْحَرَم ولا في الأشْهُر الْحُرُم إلَّا عَلى سَبِيل الدَّفْع.
رَوَى جَابِر قَال: لم يَكُنْ رَسُول الله ﷺ يَغْزو في الشَّهْر الْحَرَام إلَّا أن يُغْزَى (^٢). وسُئل سَعيد بن المسيب: هل يَصْلُح للمُسْلِمِين أن يُقَاتِلُوا الكُفَّار في الشَّهْر الْحَرَام؟ قَال: نَعَم. قال أبو عُبيد: والنَّاس بالثُّغُور اليَوم جَمِيعًا عَلى هَذا القَوْل، يَرَون الغَزو مُبَاحًا في الشُّهور كُلّها، ولم أرَ أَحَدًا مِنْ عُلَمَاء الشَّام والعِرَاق يُنكِره عَليهم، كَذلك حَسب قَوْل أهْل الْحِجَاز.
والْحُجَّة في إبَاحَته قَوله تَعالى: (فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْث وَجَدْتُمُوهُمْ) [التوبة: ٥]، وهَذِه الآية نَاسِخَة لِتَحْرِيم القِتَال في الشَّهْر الْحَرَام.
ثم رجّح الرَّازي عَدَم القَول بالنَّسْخ، إذ يَرى أنَّ الآية في سِيَاق الإثْبَات، فَتَتَنَاول الشَّهْر الْحَرَام الْمُعيَّن والْمُشَار إلَيه في الآيَة، فَقَال:
والذي عِنْدي أنَّ قَوله تَعالى: (قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ) هذا نَكِرَة في سِيَاق الإثْبَات، فَيَتَنَاول فَرْدًا وَاحِدًا، ولا يَتَنَاول كُلّ الأفْرَاد، فَهَذِه الآيَة لا دَلالَة فِيها عَلى تَحْرِيم القِتَال مُطْلَقا في الشَّهْر الْحَرَام، فلا حَاجَة إلى تَقْدير النَّسْخ فيه (^٣).
وإلى القول بالنَّسْخ ذَهَب ابن جُزيّ، إلَّا أنَّه نازَع في النَّاسِخ، حَيْث قَال: (قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ) أي: مَمْنُوع، ثم نَسَخَه: (فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ) [التوبة: ٥]، وذَلك
_________________
(١) هكذا في المطبوع، ولعل العبارة: في ذلك الْحُكْم
(٢) سبق تخريجه.
(٣) التفسير الكبير (٦/ ٢٨) باختصار. ومعنى قوله هَذا، مَا سَيأتي في قَول الألُوسي "الْمُرَاد بالأشْهر الْحُرُم أشْهُر مُعَيَّنة أُبِيح للمُشْرِكين السِّيَاحَة فِيها".
[ ٦٨ ]
بَعِيد، فإن (حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ) عُمُوم في الأمْكنة لا في الأزْمِنة، ويَظْهَر أنَّ نَاسِخَه: (وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً) بَعْد ذِكْر الأشْهُر الْحُرُم، فَكَان التَّقْدِير: قَاتِلُوا فِيها، ويَدُلّ عَليه: (فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ). ويُحتَمَل أن يَكُون الْمُرَاد وُقُوع القِتَال في الشَّهْر الْحَرَام، أي إبَاحَته حَسبما اسْتَقَرّ في الشَّرع، فلا تَكُون الآيَة مَنْسُوخَة، بل نَاسِخَة لِمَا كَان في أوَّل الإسْلام مِنْ تَحْرِيم القِتَال في الأشْهُر الْحُرُم (^١).
وقال الألوسي: والأكْثَرُون على أنَّ هَذا الْحُكْم مَنْسُوخ بِقولِه سُبْحَانَه: (فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ) [التوبة: ٥]، فإنَّ الْمُرَاد بالأشْهر الْحُرُم أشْهر مُعَيَّنة أُبِيح للمُشْرِكين السِّيَاحَة فيها بقولِه تَعالى: (فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ) [التوبة: ٢١]، ولَيْس الْمُرَاد بها الأشْهُر الْحُرم مِنْ كُلّ سَنَة، فالتَّقْيِيد بها يُفِيد أنَّ قَتْلَهم بعد انْسلاخها مَأمُور به في جَمِيع الأمْكِنَة والأزْمِنَة (^٢).
في حين اقتصر الثعالبي على ذِكر النَّسْخ، فَحَكى عن الزهري ومجاهد وغيرهما في قوله تعالى: (قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ) أنه مَنْسُوخ (^٣).
وفَرَّق القاسمي بين حُكْم القِتَال دَفعًا وبَيْن ابْتِدَاء القِتَال في الشَّهْر الْحَرَام، فَقَال: ولا خِلاف في جَواز القِتَال في الشَّهْر الْحَرَام دَفْعًا، وإنما الْخِلاف أن يُقاتَل فيه ابتداء؛ فالْجُمْهُور جَوَّزُوه، وقالوا: تَحْريم القِتَال فيه مَنْسُوخ، وهو مَذْهَب الأئمَّة الأرْبَعَة (^٤).
_________________
(١) التسهيل لعلوم التنْزيل، مرجع سابق (١/ ٧٨).
(٢) روح المعاني (٢/ ١٠٨).
(٣) انظر: الجواهر الحسان (١/ ١٦٧).
(٤) محاسن التأويل، مرجع سابق (٣/ ١٤٨).
[ ٦٩ ]