قال ابن جرير: وأمَّا قوله: (يَتَرَبَّصْنَ بِأُنْفُسِهِنَّ) [البقرة: ٢٣٤] فإنَّه يَعْني بِه يَحْتَبِسْن بأنْفُسِهِنّ مُعْتَدَّات عَنْ الأزْوَاج والطِّيب والزِّينة والنُّقْلَة عن الْمَسْكَن الذي كُنَّ يَسْكُنَّه في
_________________
(١) الجامع لأحكام القرآن، مرجع سابق (٣/ ١٦٦).
(٢) المرجع السابق (٣/ ١٦٧).
(٣) المرجع السابق (١٨/ ١٤٨). وحديث سُبيعة مُخرّج في الصحيحين، وسبق تخريجه.
[ ١٢٤ ]
حَياة أزْوَاجِهن، أرْبعة أشْهر وعَشرا، إلَّا أن يَكُنّ حَوامِل، فَيَكُون عَليهن مِنْ التَّرَبّص كَذلك إلى حِين وَضْع حَمْلِهن، فإذا وَضَعْن حَمْلَهُن انْقَضَت عِدَدهن حِينئذ (^١).
وقال السمعاني: وقوله: (وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ) هذا الْحُكْم مُتَّفَق عليه في الْمُطَلَّقَات الْحَوامِل، فأمَّا المتوفَّى عنها زَوجها [فقد] (^٢) اخْتَلَف الصَّحَابة في ذلك، فقال علي وابن عباس: إنّ عِدّتها أبْعَد الأجَلَين. وقال عمر وابن مسعود وابن عمر وأبو هريرة: إنّ عِدّتها بِوَضْع الْحَمْل، وهذا هو القَول الْمُخْتَار (^٣).
وأوْجَز الثعلبي وأوْضَح أنَّ: عِدَّة الْمُتَوفَّى عنها زَوجها ضَرْبَان: إنْ كَانَتْ حَامِلًا فَعِدّتها أنْ تَضَع حَمْلها، وإلَّا فَعِدّتها أرْبَعة أشْهُر وعَشرة (^٤).
وقال في التَّرَبُّص: إلَّا أن يَكُنْ حَوامِل فَيَتَرَبَّصْن إلى أنْ يَضَعْن حَمْلَهن، فإذا وَلَدْن انْقَضَتْ عِدّتُهنّ (^٥).
وقال في قوله تعالى: (وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ): في الْمُطَلَّقَات والْمُتَوفَّى عنهن أزْواجُهنّ (^٦).
وقال البغوي: وجُمْلَة الْحُكم في العِدَد أنّ الْمَرْأة إذا كَانَتْ حَامِلًا فَعِدّتها بِوَضْع الْحَمْل، سَواء وَقَعَتِ الفُرْقَة بينها وبين الزّوج بالطَّلاق أوْ بِالْمَوت، لِقوله تعالى: (وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ) (^٧).
_________________
(١) جامع البيان، مرجع سابق (٤/ ٢٤٨).
(٢) زيادة يقتضيها السياق.
(٣) تفسير القرآن، مرجع سابق (٥/ ٤٦٣).
(٤) الكشف والبيان، مرجع سابق (٢/ ١٧١).
(٥) المرجع السابق (٢/ ١٨٤).
(٦) المرجع السابق (٩/ ٣٣٩).
(٧) معالم التنزيل، مرجع سابق (١/ ٢٠٤).
[ ١٢٥ ]
كما قال في تَفسير سُورة الطلاق: أمَّا الْمُتَوفَّى عنها زَوجها فَعِدَّتها أرْبعة أشْهر وعَشر، سَواء كانَت مِمَّنْ تَحِيض أوْ لا تَحِيض، وأمَّا الْحَامِل فَعِدَّتها بِوَضْع الْحَمْل، سَواء طَلَّقَها زَوجها، أوْ مَاتَ عنها، لقوله تعالى: (وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ) (^١).
في حين قال ابن الجوزي في آية "البقرة": فأمَّا التي نَحن في تَفْسِيرها فقد رُوي عن ابن عباس أنه قال: نَسَخَتها (وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ)، والصَّحِيح أنها عَامَّة دَخَلَها التَّخْصِيص؛ لأنَّ ظَاهِرَها يَقْتَضِي وُجُوب العِدَّة على الْمُتَوفَّى عَنها زَوجها أرْبعة أشْهر وعَشرا، سَواء كانت حَامِلًا أوْ غَير حَامِل، غَيْر أنَّ قَوله تعالى: (وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ) خَصّ أوْلات الْحَمْل، وهي خَاصَّة أيضًا في الْحَرَائر، فإنَّ الأمَة عِدّتها شَهْرَان وخَمْسَة أيَّام؛ فَبَان أَنَّها مِنْ العَامِّ الذي دَخَلَه التَّخْصِيص (^٢).
وهذا الذي قَالَه القُرْطُبي قَال بِه مِنْ قَبله ابن عطية، فإنه قال ما نَصّه: وهذه الآية هي في عِدَّة الْمُتَوفَّى عَنها زَوجها، وظَاهِرُها العُمُوم ومَعْنَاها الْخُصُوص في الْحَرَائر غَير الْحَوامِل، ولم تَعْنِ الآية لِمَا يَشِذّ مِنْ مُرْتَابَة ونحوها.
قال: وحَكَى الْمَهْدَوي عن بَعض العُلَمَاء أنَّ الآية تَنَاوَلَتِ الْحَوامِل ثم نُسِخ ذلك بِقَولِه: (وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ)، وعِدَّة الْحَامِل وَضْع حَمْلها عند جُمْهُور العُلَمَاء. وروي عن علي بن أبي طالب وابن عباس وغيرهما أنَّ تَمَام عِدَّتِها آخِر الأجَلين (^٣).
_________________
(١) معالم التنْزيل، مرجع سابق (٤/ ٣٥٨).
(٢) زاد المسير، مرجع سابق (١/ ٢٧٥).
(٣) المحرر الوجيز، مرجع سابق (١/ ٣١٤).
[ ١٢٦ ]
وبِقَول ابن عطية والقُرطبي قال ابن جُزي أيضًا، فإنه قال: الآية عُمُوم في كُلّ مُتَوفَّى عنها، سَواء تُوفِّي زَوجها قَبْل الدّخُول أوْ بَعْدَه إلَّا الْحَامِل فَعِدَّتُها وَضْع حَمْلها، سَواء وَضَعَتْه قَبْل الأَرْبَعة الأشْهر والعَشْر أو بَعْدَها؛ عند مالك والشافعي وجُمْهُور العُلَمَاء. وقال علي بن أبي طالب: عِدّتُها أبْعَد الأجَلَين (^١).
وقال ابن كثير: وهذا الْحُكْم يَشْمَل الزَّوجَات الْمَدْخُول بِهِنّ وغَير الْمَدْخُول بِهِنّ بالإجْمَاع … ولا يَخْرُج مِنْ ذَلك إلَّا المُتَوفَّى عَنها زَوجها وهي حَامِل، فإنَّ عِدَّتها بِوَضْع الْحَمْل، ولو لَمْ تَمْكُث بَعْده سِوى لَحْظَة، لِعُمُوم قوله: (وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ). وكان ابن عباس يَرى أنَّ عَليها أن تَتَرَبَّص بأبْعَد الأجَلَين مِنْ الوَضْع، أو أرْبَعة أشْهر وعَشر للجَمْع بَين الآيَتين، وهذا مأخَذ جَيِّد ومَسْلَك قَوي، لولا مَا ثَبَتَتْ بِه السُّنَّة في حَديث سُبَيْعة الأسلمية الْمُخَرَّج في الصحيحين (^٢).
وقال في تَفْسِير سُورة الطَّلاق: وقوله تعالى: (وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ) يقول تعالى: ومَن كَانَتْ حَامِلًا فَعِدَّتها بِوَضْعِه ولو كَان بَعْد الطَّلاق أوْ الْمَوت بِفَوَاق نَاقَة (^٣) في قَول جُمْهُور العُلَمَاء مِنْ السَّلَف والْخَلَف، كما هو نَصّ هذه الآية الكريمة، وكما وَرَدَتْ به السُّنَّة النَّبَويَّة (^٤).
وقال الثعالبي في قَوله تعَالى: (وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ): وهو لَفْظ يَعُمّ الْحَوامِل الْمُطَلَّقَات والْمُعْتَدَّات مِنْ الوَفَاة (^٥).
_________________
(١) التسهيل لعلوم التنْزيل، مرجع سابق (١/ ٨٤).
(٢) تفسير القرآن العظيم، مرجع سابق (٢/ ٣٧٧، ٣٧٨) باختصار وحديث سُبيعة الأسلمية سبق تخريجه.
(٣) في اللسان (١٠/ ٣١٦): فواق ناقة: وهو قَدْر ما بين الْحَلْبَتَين من الرَّاحة. تُضَمّ فاؤه وتُفْتح.
(٤) تفسير القرآن العظيم، مرجع سابق (١٤/ ٣٥).
(٥) الجواهر الحسان، مرجع سابق (٤/ ٣١٢).
[ ١٢٧ ]
وممن قال بِتَخْصِيص الْحَامِل مِنْ عُمُوم الآية: القاسمي، فإنه قَال في آية "البقرة" ما نَصّه: خُصّ مِنْ عُمُوم الآية الْحَامِل الْمُتَوفَّى عَنها زَوجها، فإنَّ عِدَّتها بِوَضْع الْحَمْل لِقَولِه تَعالى: (وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ)، ولِمَا في الصَّحِيحَين (^١) عَنْ سُبَيعَة الأسْلَمِية (^٢).