مِمَّنْ حَكَى القَولين - النَّسْخ والإحْكَام -: ابن جرير الطبري، فإنه قَال في آيَة "آل عمران": اخْتَلَف أهْل التأويل في هَذه الآيَة: هَلْ هي مَنْسُوخَة أم لا؟
_________________
(١) الجامع لأحكام القرآن، مرجع سابق (١٨/ ١٢٩).
(٢) وإليه ذهب الشوكاني في "فتح القدير" (١/ ٣٦٧).
[ ٨١ ]
فَقَال بَعْضُهم: هي مُحْكَمة غير مَنْسُوخَة.
وقال آخَرُون: هي مَنْسُوخَة، نَسَخَها قَوله: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) (^١).
وكأنه رَجَّح القَوْل بالنَّسْخ حَيث أكْثَر مِنْ الرِّوَاية عن القَائِلين بالنَّسْخ، في حِين اقْتَصَر عَلى رِوايَتَين فِيما يَتَعَلَّق بالقَوْل الأوَّل، وهو أنها مُحْكَمَة.
وأَلْمَحَ أبو الليث السمرقندي إلى القَول بالنَّسْخ، فَقَال: قَوله تَعالى: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ) يَقُول: أطِيعُوا الله حَقّ طَاعَته، وحَقّ طَاعَته أن يُطَاع فلا يُعْصَى طَرْفَة عَين، وأن يُشْكَر فَلا يُكْفَر طَرْفَة عَين، وأن يُذكَر فلا يُنْسَى طَرْفَة عَين، فَشَقّ ذلك على الْمُسْلِمِين، فأنْزَل اللهُ تَعالى: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) فَنَسَخَتْ هَذه الآيَة
وقال بَعْضُهم: لا يَجُوز أن يُقَال هَذه الآيَة مَنْسُوخة؛ لأنه لا يَجُوز أن يأمُرَهم بشَيء لا يُطِيقُونَه بل إنهم يُطِيقُونَه ولَكِن تَلْحُقُهم مَشَقَّة شَدِيدَة، وكَان ذَلك مَجْهُود الطَّاقَة، ولا يَسْتَطِيعون الدَّوَام عَليه، واللهُ تَعالى لا يُكَلِّف عِبَادَة إلَّا دُون ما يُطِيقُونَه، فَخَفَّفَ عنهم بِقوله تَعالى: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) ولم يُنْسَخ آخِر الآيَة، وهو قَوله تعالى: (وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) يَعني: اثبُتُوا عَلى الإسْلام، وكُونُوا بِحَالِ يَلْحَقكم الْمَوت، وأنْتم عَلى الإسْلام (^٢).
وجَمَع السمعاني بَيْن آية "آل عِمْران" وآيَة "الطَّلاق" بِأنَّ إحْدَى الآيَتَين مُوافِقَة للأخْرَى ودَفَعَ القَول بالنَّسْخ، فأوْرَد قول قتادة: الآين مَنْسُوخَة بِقوله: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ)، ثُم قَال:
_________________
(١) جامع البيان، مرجع سابق (٥/ ٦٤١) باختصار.
(٢) بحر العلوم، مرجع سابق (١/ ٢٥٩).
[ ٨٢ ]
قَال أهْل الْمَعَاني: لا يَسْتَقِيم النَّسْخ فِيه، وقَوله: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) تَفْسِير لِهَذِه الآيَة؛ لأنَّ مَنْ أطَاع الله في وَقت وُجُوب الطَّاعة، وذَكَرَه في وَقت وُجوب الذِّكْر، وشَكَرَه في مَوضِع وُجُوب الشُّكر، فقد اتَّقَى الله حَقّ تُقَاتِه. وهَذا لم يَصِرْ مَنْسُوخًا.
وقَوله: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) مُوافِق لَه، لأنَّ التَّقْوَى إن كَان في مَوْضِع الأمْر والوُجُوب والأوَامِر والوَاجِبَات عَلى قَدْر الاسْتِطاعة؛ فَتَكُون إحْدَى الآيَتَين مُوافِقَة للأُخْرَى، فَلا يَسْتَقِيم فِيه النَّسْخ (^١).
وأشَار الثعالبي إلى النَّسْخ فَحَكَى عَنْ الزَّجَّاج قَوله: أي: اتَّقُوا فِيمَا يَحِقّ عَليكم أن تَتَّقُوه، واسْمَعُوا وأطِيعُوا.
ثم قَال: قَال الْمُفَسِّرُون: فَلَمَّا نَزَلَتْ هَذه الآيَة قَالُوا (^٢): يا رَسُول الله ومَن يَقْوى على هَذا؟ وشَقّ عَليهم، فأنزل الله تعالى: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) فَنَسَخَتْ هذه الآية.
قال مُقَاتِل: ولَيس في "آل عمران" مِنْ الْمَنْسُوخ إلَّا هَذا. (وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) قَال طَاوس: مَعْنَاه: اتَّقُوا الله حَقّ تُقَاتِه، وإن لَم تَفْعَلُوا ولَم تَسْتَطِيعُوا فَلا (^٣) تَمُوتن إلَّا وأنْتُم مُسْلِمُون (^٤).
في حين اقتَصَر البَغوي على ذِكر القَول بالنَّسْخ، حيث قَال: قَال أهْل التَّفْسِير: لَمَّا نَزَلَت هَذه الآيَة شَقَّ ذلك عَليهم، فَقَالُوا: يا رَسُول الله ومَن يَقْوَى عَلى هَذا؟
_________________
(١) تفسير القرآن، مرجع سابق (١/ ٣٤٥).
(٢) يَعني الصَّحَابَة.
(٣) في المطبوع (ولا) والتصحيح من جامع البيان (٥/ ٦٤١).
(٤) الكشف والبيان، مرجع سابق (٣/ ١٦١).
[ ٨٣ ]
فأنْزَل اللهُ تَعالى: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ)، فَنَسَخَتْ هَذه الآيَة. وقَال مُقَاتِل: لَيْس في "آل عِمران" مِنْ الْمَنْسُوخ إلَّا هَذه الآيَة (^١).
وقال في تَفْسِير سُورة "الطَّلاق" مَا نَصّه:
(فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) أي أطَقْتُم. هَذِه الآيَة نَاسِخَة لِقولِه تَعالى: (اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ) (^٢).
ورجّح ابنُ عَطية عَدَم النَّسْخ، حَيْث قَال: واخْتَلَف العُلَمَاء في قَوله: (حَقَّ تُقَاتِهِ)، فَقَالَتْ فِرْقَة: نَزَلَتْ الآيَة عَلى عُمُوم لَفْظِها، وأُلْزِمَت الأُمَّة أن تَتَّقِي الله غَايَة التَّقْوَى حَتَّى لا يَقَع إخْلال في شَيء مِنْ الأشْيَاء، ثُمّ إنَّ الله نَسَخَ ذلك عَنْ الأمَّة بِقَوله تَعالى: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ)، وبِقَولِه: (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا) [البقرة: ٢٨٦].
وقَالَت جَمَاعَة مِنْ أهْل العِلْم: لا نَسْخ في شَيء مِنْ هَذا، وهَذه الآيَات مُتَّفِقَات، فَمَعْنَى هَذِه: اتَّقُوا الله حَقَّ تُقَاتَه فِيمَا اسْتَطَعْتُم، وذَلك أن حَقّ تُقَاتِه هو بِحَسب أوَامِره ونَوَاهيه، وقد جَعَل تَعالى الدِّين يُسْرًا؛ وهَذا هُو القَول الصَّحِيح، وألّا يَعْصِي ابن آدَم جُمْلَة لا في صَغِيرَة ولا في كَبِيرَة، وألَّا يَفْتُر في العِبَادَة أمر مُتَعَذِّر في جِبِلّة البَشَر، ولَو كَلَّف الله هَذا لَكَان تَكلِيف مَا لا يُطَاق، ولم يَلْتَزِم ذلك أحَد في تَأويل هَذه الآيَة، وإنما عَبَّرُوا في تَفْسِير هَذه الآيَة بأنْ قَال ابن مسعود ﵁: حَق تُقَاتِه: هو أن يُطَاع فلا يُعْصَى، ويُشْكَر فلا يُكْفَر، ويُذْكَر فلا يُنْسَى. وكَذلك عَبَّر الربيع بن خثيم وقتادة والحسن، وقال ابن عباس ﵄: مَعْنَى قوله: (اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ)، (وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ) [الحج: ٧٨] ولا نَسْخ في الآيَة.
وقال طَاوس في مَعْنَى قَوله تَعالى: (اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ): يَقُول تَعالى: إن لَم تَتَّقُوه ولَم تَسْتَطِيعُوا ذَلك فَلا تَمُوتُنّ إلَّا وأنْتُم
_________________
(١) معالم التنزيل، مرجع سابق (١/ ٣٣٣).
(٢) المرجع السابق (٤/ ٣٥٤).
[ ٨٤ ]
مُسْلِمُون). وقَوله تَعالى: (وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) مَعْنَاه: دُومُوا عَلى الإسْلام حَتى يُوافِيكُم الْمَوْت وأنْتم عليه. هَكَذا هُو وَجْه الأمْر في الْمَعْنَى (^١).
وأمَّا الرَّازي فَقَد أطَال النَّفَس في رَدّ دَعْوى النَّسْخ، فَقَال: قَال بَعْضُهم: هَذه الآيَة مَنْسُوخَة، وذَلك لِمَا يُرْوَى عَنْ ابنِ عباس ﵄ أنه قَال: لَمَّا نَزَلَتْ هَذه الآيَة شَقّ ذَلك عَلى الْمُسْلِمِين؛ لأنَّ حَقّ تُقَاتِه: أن يُطَاع فلا يُعْصَى طَرْفَة عَيْن، وأن يُشْكَر فلا يُكْفَر، وأن يُذْكَر فَلا يُنْسَى، والعِبَاد لا طَاقَة لَهُمْ بِذَلك، فَأنْزَل الله تَعَالى بَعْد هَذه: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ)، ونَسَخَتْ هَذه الآيَة أوَّلَها ولَم يُنْسَخ آخِرها، وهو قَوله: (وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)، وزَعَم جُمْهُور الْمُحَقِّقِين أنَّ القَول بِهَذا النَّسْخ بَاطِل، واحْتَجُّوا عَليه مِنْ وُجُوه:
الأوَّل: مَا رُوي (^٢) عن مُعَاذ أنه ﵇ قَال له: هَلْ تَدْرِي مَا حَقّ الله على العِبَاد؟ قَال: الله ورَسُوله أعْلَم. قال: هُو أن يَعْبُدُوه ولا يُشْرِكُوا به شَيئًا (^٣). وهَذا لا يَجُوز أن يُنْسَخ (^٤).
الثَّاني: أنَّ مَعْنَى قَوله: (اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ) أي: كَما يَحِقّ أن يُتّقَى، وذَلك بِأن يَجْتَنِب جَمِيع مَعَاصِيه، ومِثْل هَذا لا يَجُوز أن يُنْسَخ؛ لأنه إبَاحَة لِبَعْض الْمَعَاصِي، وإذا كَان كَذلك صَارَ مَعْنى هذا، ومَعْنَى قَوله تَعالى: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) وَاحِدًا، لأنَّ مِنْ اتَّقَى الله مَا اسْتَطَاع فَقَد اتَّقَاه حَقّ تُقَاته، ولا يَجُوز أن يَكُون الْمُرَاد بِقَولِه: (حَقَّ تُقَاتِهِ)
_________________
(١) المحرر الوجيز، مرجع سابق (١/ ٤٨٢، ٤٨٣) باختصار، ويُنظر: (٥/ ٣٢١) مِنه.
(٢) "يُنْكَر على المصنِّف قوله في الحديث: (ورُوي) بصيغة تمريض مع أنه حديث صحيح" قاله النووي في المجموع (١/ ١٥) - ومَقْصُوده بالمصنِّف هو الشيرازي صاحِب المهذّب -.
(٣) أوْرَد الرازي الحديث بِمعناه، وهو مُخرّج في الصحيحين. رواه البخاري (ح ٢٧٠١)، ومسلم (ح ٣٠).
(٤) لأن النَّسْخ لا يكون في العقائد والأخبار. قال ابن حزم في "الإحكام" (١/ ٤٧٦): والنَّسْخ لا يَقَع في الأخْبَار. وقال القرطبي: النسخ في الأخبار يَستحيل (الجامع لأحكام القرآن ٥/ ٢٤٥، ٢٤٦). وقال الشاطبي: والأخْبار لا يَدخلها النَّسْخ (الموافقات ٣/ ٣٤٥).
[ ٨٥ ]
مَا لا يُسْتَطَاع مِنْ التَّقْوى، لأنَّ اللهَ سُبْحَانَه أخْبر أنه لا يُكَلِّف نَفْسًا إلَّا وُسْعَها، والوُسْع (^١) دُون الطَّاقة، ونَظِير هَذه الآيَة قَوله: (وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ) [الحج: ٧٨] أمَّا الذِين قَالوا: إنّ الْمُرَاد هُو أن يُطَاع فلا يُعْصَى؛ فَهَذا صَحِيح، والذي يَصْدُر عن الإنْسَان عَلى سَبِيل السَّهْو والنِّسْيان فَغَير قَادِح فِيه، لأنَّ التَّكْليف مَرْفوع في هَذه الأوْقَات، وكَذلك قَوله: "أن يُشْكَر فلا يُكْفَر"، لأنَّ ذلك واجِب عليه عند خُطُور نِعم الله بالبَال، فأمَّا عِنْد السَّهْو فلا يَجِب، وكَذلك قَوله: "أن يُذْكَر فلا يُنْسى"، فإنَّ هَذا إنما يَجِب عِنْد الدُّعَاء والعِبَادَة، وكُلّ ذَلك مِمَّا [لا] (^٢) يُطَاق، فَلا وَجْه لِمَا ظَنُّوه أنه مَنْسُوخ.
فـ "قَوله تَعالى: (حَقَّ تُقَاتِهِ) أي: كَمَا يَجِب أن يُتّقَى، يَدُلّ عَليه قَوله تَعالى: (حَقُّ الْيَقِينِ) [الواقعة: ٩٥]، ويُقَال: هُو الرَّجُل حَقًّا" (^٣).
وذَكَرَ ابن كثير القَوْلَين، فَنَقَلَ عن جَمَاعَة "أنَّ هَذه الآيَة مَنْسُوخَة بِقوله تعالى: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ).
وقَال عَلي بن أبي طَلحة عَنْ ابن عباس في قَوله تَعالى: (اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ) قَال: لَمْ تُنْسَخ، ولَكِن (حَقَّ تُقَاتِهِ) أن يُجَاهِدُوا في سَبِيلِه حَقّ جِهَادِه، ولا تَأخُذْهم في الله لَومَة لائم، ويَقُومُوا بالقِسْط ولَو عَلى أنْفسِهم وآبَائهم وأبْنَائهم" (^٤).
_________________
(١) في اللسان (٨/ ٣٩٢): والْوُسْع والوُسْع والسَّعة: الْجِدَة والطَّاقَة.
(٢) هكذا في المطبوع، ويظهر أنها مُقحَمة، لأنه لو كان مما لا يُستَطاع لقيل بالنسخ قبل وُقوع التكليف، وهو يُريد أنَّ ما ذَكَره مما يُستَطاع فلا وَجْه للنسخ.
(٣) التفسير الكبير، مرجع سابق (٨/ ١٤١) باختصار.
(٤) تفسير القرآن العظيم، مرجع سابق (٣/ ١٣٠) باختصار.
[ ٨٦ ]
ويَظهر أنه يَرى أنَّ الآيَة مُحْكَمَة، وأنَّه لا نَسْخ، حَيث قَال في تَفْسِير سُورة الحج مَا نَصّه: وقَوله: (وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ) [الحج: ٧٨] أي: بِأمْوالِكُم وألْسِنَتِكُم وأنْفُسِكم، كَمَا قَال تَعالى: (اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ) (^١).
أمَّا في تَفسِير سُورَة التَّغَابُن فَقَد ذَكَر القَولَين، فَقَال: وقَوله تَعالى: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) أي: جُهْدَكم وطَاقَتكم، كَمَا ثَبَت في الصَّحِيحين (^٢) عن أَبي هُريرة ﵁ قَال: قَال رَسُول الله ﷺ: إذا أمَرْتُكُم بأمْر فأتُوا مِنْه مَا اسْتَطَعْتُم، ومَا نَهَيتُكُم عَنه فاجْتَنِبُوه. وقَد قَال بَعْض الْمُفَسِّرِين : إنَّ هَذه الآيَة نَاسِخَة للتي في "آل عمران"، وهي قَوله تَعالى: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) (^٣) ثم ذَكَر سبب نُزُول الآيَة عن سعيد بن جبير، وأنَّ آية "آل عمران" مَنْسُوخَة بآيَة "التغابن" (^٤).
ورجّح الثعالبي عَدم النَّسْخ، فَقَال بَعْد أنْ حَكَى القَوْل بالنَّسْخ: وقَالَتْ جَمَاعَة: لا نَسْخ هُنا، وإنما الْمَعْنى: اتَّقُوا الله حَقَّ تُقاته في مَا اسْتَطَعْتُم؛ وهَذا هو الصَّحِيح (^٥).
كما نَبَّه القاسمي إلى أنَّ مَنْ زَعَم النَّسْخ لم يُصِب الْمَحَزّ، فقال: زَعَم بَعْضُهم أنَّ هَذه الْجُمْلَة مِنْ الآيَة مَنْسُوخَة بِآيَة: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) مُتأوِّلًا (حَقَّ تُقَاتِهِ) بأن يَأتي العَبْد بِكُلّ مَا يَجِب لله ويَسْتَحِقّه، قَال: وهَذا يَعْجَز العَبْد عَنْ الوَفَاء [بِه] (^٦)، فَتَحْصِيله
_________________
(١) تفسير القرآن العظيم، مرجع سابق (١٠/ ٩٩).
(٢) رواه البخاري (ح ٦٨٥٨)، ومسلم (ح ١٣٣٧).
(٣) تفسير القرآن العظيم، مرجع سابق (١٤/ ٢٤).
(٤) انظر: المرجع السابق، الموضع السابق.
(٥) الجواهر الحسان، مرجع سابق (١/ ٢٩٤)، (٤/ ٣٠٩).
(٦) زيادة يقتضيها السياق.
[ ٨٧ ]
مُمْتَنِع. وهَذا الزَّعْم لَم يُصِب الْمَحَزّ، فإنَّ كُلًّا مِنْ الآيَتَين سِيقَ في مَعْنَى خَاصٍ بِه، فلا يُتَصَوَّر أن يَكُون في هَذه الْجُمْلَة طَلَب مَا لا يُسْتَطَاع مِنْ التَّقْوَى، بل الْمُرَاد مِنْها دَوَام الإنَابَة لَه تَعالى وخَشيته وعِرْفَان جَلالِه وعَظَمَته قَلْبًا وقَالَبا. وهَذا مِنْ الْمُسْتَطَاع لِكُلّ مُنِيب. وقَوله تعالى: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) أمْرٌ بِعِبَادَته قَدْر الاسْتِطَاعَة بِلا تَكْلِيف لِمَا لا يُطَاق؛ إذْ (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا) [البقرة: ٢٨٦]، وظاهِرٌ أنّ مَنْ أتَى بِمَا يَسْتَطِيعه مِنْ عِبَادَته تَعالى، وأنَابَ لِجَلالِه، وأخْلَص في أعْمَالِه، وكان مُشْفِقًا في طَاعَتِه؛ فَقَد اتَّقَى الله حَقَّ تُقَاتِه (^١).
وأمَّا الشنقيطي فَقَد اقْتَصَر عَلى قَوله: قَوله تَعالى: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ) الآية. هَذه الآية تَدُلّ عَلى التَّشْدِيد البَالِغ في تَقْوَى الله تَعالى، وقَد جَاءت آيَة أخْرَى تَدُلّ على خِلاف ذَلك، وهي قَوله تَعالى: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ)، والْجَواب بأمْرَين:
الأوَّل: أنَّ آيَة (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) نَاسِخَة لِقَولِه: (اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ).
الثاني: أنَّهَا مُبيِّنةٌ للمَقْصُود بِهَا. والعِلْم عِند الله تعالى (^٢).