رَوى ابنُ جرير - بإسْنَادِه - إلى مُرة الهمداني عن ابن مسعود وعَن نَاسٍ مِنْ أصْحَاب النبي ﷺ (هُدًى لِلْمُتَّقِينَ) يقول: نُور للمُتَّقِين.
ثم قال ابن جرير: والْهُدَى في هذا الْمُوضِع مَصْدَر مِنْ قَولك: هَدَيت فُلانا الطريق، إذا أرْشَدته إليه، ودَلَلته عليه، وبَيَّنْتَه له؛ أهْديه هُدى وهِداية.
فَإن قَال لَنا قَائل: أوَ مَا كِتَاب الله نُورًا إلَّا للمُتَّقِين، ولا رَشَادا إلَّا للمُؤمِنِين؟ قِيل: ذَلك كَمَا وَصَفه رَبُّنَا ﷿، ولَو كَان نُورًا لِغَيْر الْمُتَّقِين ورَشَادًا لِغَيْر الْمُؤمِنِين لم يَخْصُص الله ﷿ الْمُتَّقِين بأنه لَهُمْ هُدى، بل كَان يَعُمُّ بِه جَمِيعِ الْمُنْذَرِين، ولَكِنَّه هُدى للمُتَّقِين، وشِفَاء لِمَا في صُدُور الْمُؤمِنِين، وَوَقْرٌ في آذَان الْمُكَذِّبين، وعَمًى لأبْصَار الْجَاحِدين، وحُجّة لله بَالِغَة على الكَافِرِين، فالمؤمِن به مُهْتَد، والكَافِر بِه مَحْجُوج (^٢).
_________________
(١) الجامع لأحكام القرآن، مرجع سابق (١/ ٢٠٦).
(٢) جامع البيان، مرجع سابق (١/ ٢٣٤).
[ ٩٥ ]
وقال السمرقندي: فَهذا القُرْآن بَيَان لَهُمْ مِنْ الضَّلالَة، وبَيَان لَهُمْ مِنْ الشُّبُهَات، وبَيَان الْحَلال مِنْ الْحَرَام. فَإن قِيل: فيه بَيان لِجَمِيع النَّاس، فَكَيف أضَاف إلى الْمُتَّقِين خَاصَّة؟ قِيل لَه: لأنَّ الْمُتَّقِين هُمْ الذين يَنْتَفِعُون بالبَيَان، ويَعْمَلُون بِه، فَإذا كَانُوا هُمْ الذين يَنْتَفِعُون به صَار في الْحَاصِل البَيَان لَهُمْ (^١).
وقال في تَفْسِير سُورَة الأنْعَام: واسْم الْهُدَى يَقَع على التَّوحِيد والشَّرَائِع (^٢).
أمَّا السمعاني فَقَد قَال: فإن قَال قائل: لِمَ خَصّ الْمُتَّقِين بالذِّكْر، وهو هُدى لِجَمِيع الْمُؤمِنِين؟ قِيل: إنما خَصَّهُم بالذِّكْرِ تَشْرِيفًا، أوْ لأنهم هُمْ الْمُنْتَفِعُون بالْهُدَى حَيث نَزَلُوا مَنْزِل التَّقْوَى دُون غَيْرِهم (^٣).
واقْتَصَر البَغَوي عَلى قَولَه: (هُدًى لِلْمُتَّقِينَ) أي: هو هُدى، أي: رُشْد وبَيَان لأهْل التَّقْوَى وتَخْصِيص الْمُتَّقِين بالذِّكْر تَشْرِيف لَهُم، أوْ لأنهم هُمْ الْمُنْتَفِعُون بالْهُدَى (^٤).
وفَصَّل ابن عطية فقال: وقَال هُنا: (لِلنَّاسِ) [آل عمران: ٤] وقَال في القُرْآن (هُدًى لِلْمُتَّقِينَ) وذَلك عِنْدي لأنَّ هَذا خَبَر مُجَرَّد، وقَوله: (هُدًى لِلْمُتَّقِينَ) خَبر مُقْتَرِن بِه الاسْتِدْعَاء والصَّرْف إلى الإيمان، فَحَسُنَت الصِّفَة لِيَقَع مِنْ السَّامِع النَّشَاط والبِدَار (^٥).
في حين ذَهب ابن الجوزي إلى أنَّ الآية تَشْمَل الْمُؤمِنِين والكَافِرِين، فَقَال: فَإن قِيل: فالْمُتَّقِي مُهْتَدٍ، فما فَائدَة اخْتِصَاص الْهِدَاية بِه؟
_________________
(١) بحر العلوم، مرجع سابق (١/ ٤٨).
(٢) المرجع السابق (١/ ٤٨٥).
(٣) تفسير القرآن، مرجع سابق (١/ ٤٢).
(٤) معالم التنْزيل، مرجع سابق (١/ ٤٥) باختصار.
(٥) المحرر الوجيز، مرجع سابق (١/ ٣٩٩).
[ ٩٦ ]
فالْجَوَاب مِنْ وَجْهَين:
أحَدُهما: أنه أرَاد الْمُتَّقِين والكَافِرين، فاكْتَفَى بِذِكْرِ أحَد الفَرِيقَين، كَقَولِه تَعَالى: (سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ) [النحل: ٨١] أرَاد: والبَرْد.
والثَّاني: أنه خَصّ الْمُتَّقِين لانْتِفَاعِهم بِه، كَقَولِه: (إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا) [النازعات: ٤٥]، وكَان مُنْذِرًا لِمَنْ يَخْشَى ولِمَن لا يَخْشَى (^١).
وذَهَب الرَّازي إلى أنَّ الآيَة الأُولى في تَشْرِيف الْمُتَّقِين، وأنَّ الْمُتَّقِين هُمْ كُلّ النَّاس! فَقَال: وَلو لَم يَكُنْ للمُتَّقِي فَضِيلَة إلَّا مَا في قَولِه تَعَالى: (هُدًى لِلْمُتَّقِينَ) كَفَاه؛ لأنه تَعالى بَيَّن أنَّ القُرْآن هُدى للنَّاس في قَولِه: (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ)، ثم قَال هَهنا في القُرْآن إنه (هُدًى لِلْمُتَّقِينَ)، فهذا يَدُلّ عَلى أنَّ الْمُتَّقِين هُمْ كُلّ النَّاس، فَمَنْ لا يَكُون مُتَّقِيًا كأنه لَيْس بإنْسَان! (^٢).
وقال في مَوْضِع آخَر: إنما قَال: (هُدًى لِلْمُتَّقِينَ) لأنهم هُمْ الْمُنْتَفِعُون به، فَصَار مِنْ [هذا] (^٣) الوَجْه هُدى لَهُمْ لا لِغَيْرِهم (^٤).
ويَرى ابن جُزيّ أن الْهُدى في هَذه الآية خَاصّ بِمَعْنَى الإرْشَاد، فَقَال: (هُدًى) هُنا بِمَعْنى الإرْشَاد، لِتَخْصِيصه بالْمُتَّقِين، ولَو كَان بِمَعْنى البَيَان لَعَمَّ، كَقَولِه: (هُدًى لِلنَّاسِ) (^٥).
_________________
(١) زاد المسير، مرجع سابق (١/ ٢٤).
(٢) التفسير الكبير، مرجع سابق (٢/ ٢٠).
(٣) زيادة يقتضيها السياق.
(٤) المرجع السابق (٧/ ١٣٩).
(٥) التسهيل لعلوم التنْزيل، مرجع سابق (١/ ٣٥).
[ ٩٧ ]
وأمَّا ابن كَثير فإنه يَرَى "اخْتِصَاص الْمُؤْمِنين بالنَّفْع بالقُرْآن، لأنه هُو في نَفْسِه هُدى، ولَكِن لا يَنَاله إلَّا الأبْرَار" (^١).
ثم نَقَل الأقْوَال في مَعْنَى (هُدًى)، ثم ذَكَر اخْتِيَارَه في الآيَة، فَقَال: واخْتِيَار ابن جرير أنَّ الآيَة تَعُمّ ذَلك كُلّه، وهُو كَمَا قَال (^٢).
ونَقَل القاسمي عن ابن الْمُنيِّر قَوله: الْهُدى يُطْلَق في القُرْآن عَلى مَعْنَيين:
أحَدُهما: الإرْشَاد وإيضَاح سَبِيل الْحَقّ، ومِنه قَوله تَعالى: (وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى) [فصلت: ١٧]، وعَلى هَذا يَكُون الْهُدَى للضَّال باعْتِبَار أنه رشد إلى الْحَقّ سَواء حَصَل لَه الاهْتدَاء أوْ لا.
والآخَر: خَلْق الله تَعالى الاهْتِدَاء في قَلْب العَبْد (^٣)، ومِنْه: (أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ) [الأنعام: ٩٠]، فإذا ثَبَت وُرُوده عَلى الْمَعْنَيَين فهو في هَذه الآيَة يُحْتَمَل أن يُرَاد به الْمَعْنَيَان جَميعًا. وعَلى الأوَّل فَتَخْصِيص الْهُدَى بالْمُتَّقِين للتَّنْويه بِمَدْحِهم حَتى يَتَبَيَّن أنهم هُمْ الذِين اهْتَدَوا وانْتَفَعُوا به (^٤).