قال ابن جرير في آية "البقرة": اخْتَلَف أهْل التَّأوِيل فِيمَن عَنَى بِهَذِه الآيَة، وفِيمَن نَزَلَتْ.
_________________
(١) دفع إيهام الاضطراب، مرجع سابق (ص ٧).
(٢) الجامع لأحكام القرآن، مرجع سابق (١/ ٢٣١).
[ ١٠١ ]
وكَان ابن عباس يَرَى أنَّ هذه الآية نَزَلَتْ في اليَهُود الذين كَانُوا بِنَوَاحِي الْمَدِينَة على عَهد رَسُول الله ﷺ تَوبِيخًا لهم في جُحُودِهم نُبُوّة محمد ﷺ وتَكْذِيبِهم به مَع عِلْمِهم به، ومَعْرِفَتهم بأنه رَسُول الله ﷺ إليهم وإلى النَّاس كَافَّة.
وقد رُوي عن ابن عباس في تَأوِيل ذلك قَول آخَر … قَال: كَان رسول الله ﷺ يَحْرِص عَلى أن يُؤمِن جَميع النَّاس ويُتَابِعُوه عَلى الْهُدَى، فَأَخْبَرَه الله جَلَّ ثَناؤه أنه لا يُؤمِن إلَّا مَنْ سَبَقَ لَه مِنْ الله السَّعَادَة في الذِّكْر الأوَّل، ولا يَضِلّ إلّا مَنْ سَبَقَ لَه مِنْ الله الشَّقاء في الذِّكْر الأوَّل.
وذَكَرَ ابن جرير بَقِيَّة الأقْوَال ثم قَال: وإن كَان لِكُلّ قَوْل مِمَّا قَالَه الذين ذَكَرْنا قَولهم في ذَلك مَذْهَب.
وأمَّا عِلَّتُنا في اخْتِيارِنا مَا اخْتَرْنا مِنْ التَّأوِيل في ذَلك، فهي أنَّ قَول الله جَلَّ ثَنَاؤه: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ) عَقيب خَبَر الله جَلَّ ثَنَاؤه عن مُؤمِني أهْل الكِتَاب، وعَقيب نَعْتِهم وصِفَتهم، وثَنَائه عَليهم بإيمانِهم بِه وبِكُتُبه ورُسُله، فَأوْلى الأمُور بِحِكْمَة الله أن يُتْلِيَ ذلك الْخَبر عن كُفَّارِهم ونُعُوتِهم، وذَمّ أسبَابَهم وأحْوَالِهم، وإظْهار شَتْمِهم والبَرَاءة منهم؛ لأن مُؤمنيهم ومُشْرِكِيهم - وإن اخْتَلَفَتْ أحْوَالهم بِاخْتِلاف أدْيَانهم - فإنَّ الْجِنْس يَجْمَع جَمِيعهم بِأنهم "بَنو إسرائيل".
ومما يُنْبئ عن صحَّة ما قُلْنا من أنَّ الذين عَنَى الله تَعالى ذكْرُه بقَوله: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ) هُمْ أحْبَار اليَهُود الذين قُتِلُوا على الكُفْر ومَاتُوا عليه اقْتِصَاص الله تَعالى ذِكْرُه نَبأهم، وتَذْكِيره إيّاهم مَا أخَذَ عَليهم مِنْ العُهود والْمَوَاثِيق في أمْرِ محمد ﵊ بَعْد اقْتِصَاصِه تَعالى ذِكْرُه مَا اقْتَصَّ مِنْ أمْرِ الْمُنَافِقِين.
وأمَّا مَعْنَى الكُفْر في قَوله: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا) فإنه الْجُحُود، وذلك أنّ الأحْبار مِنْ يَهُود الْمَدِينَة جَحَدُوا نُبُوَّة محمد ﷺ، وسَتَرُوه عَنْ النَّاس، وكَتَمُوا أمْرَه، وهُم يَعْرِفُونه كما يَعْرِفُون أبْناءهم.
[ ١٠٢ ]
فَكَذَلك الأحْبَار مِنْ اليَهُود غَطَّوا أمْر محمد ﷺ وكَتَمُوه النَّاس، مع عِلْمِهم بنُبوّته ووجُودهم صِفَته في كُتُبِهم (^١).
وقال النحَّاس في آية "البقرة": هُمْ الكُفَّار الذي ثَبتَ في عِلْم الله تعالى أنهم كُفَّار، وهو لَفظ عَامّ يُرَاد به الْخَاصّ (^٢).
في حين ذَكَر السمرقندي جَوابَين:
أحَدهما: أنّ آية "البقرة" نَزَلَتْ في مُشْرِكي قُريش؛ مِنهم عُتبة بن ربيعة وشَيبة بن ربيعة وأبو جَهل وغيرهم. هذا قَول مُقَاتِل. وقَال الكَلبي: نَزَلَتْ في رُؤسَاء اليَهُود؛ منهم كَعب بن الأشرف وحُيي بن أخطب وأبو يَاسِر بن أخطب.
والثَّاني: أنَّ الآية خَاصَّة ولَيْستْ بِعَامَّة، وإنما أرَاد به بَعض الكُفّار الذين ثَبَتُوا على كُفْرِهم (^٣).
ويَرى السمعاني أنها في قَوم مَخْصُوصِين، حيث قال: وَرَدَتْ هذه الآيَة في قَوْم بأعْيَانِهم عَلِم الله تعالى أنهم لا يُؤمِنُون (^٤).
وذَكَر الثعلبي الأقْوَال في الآيَة، ثم قَال: وهَذه الآيَة خَاصَّة فِيمَن حَقَّتْ عليه كَلِمَة العَذَاب في سَابِق عِلْم الله، وظَاهِرها إنْشَاء، ومَعْنَاهَا إخْبَار (^٥).
_________________
(١) جامع البيان، مرجع سابق (١/ ٢٥٨ - ٢٦٢) باختصار.
(٢) معاني القرآن (١/ ٨٧).
(٣) بحر العلوم، مرجع سابق (١/ ٥٠، ٥١) باختصار.
(٤) تفسير القرآن، مرجع سابق (١/ ٤٦).
(٥) الكشف والبيان، مرجع سابق (١/ ١٥٠).
[ ١٠٣ ]
واقْتَصِر البغوي على قوله في آية "البقرة": وهَذه الآيَة في أقْوَام حَقَّتْ عَليهم كَلِمة الشَّقاوة في سَابِق عِلْم الله (^١).
ونقل ابن عطية "الاتِّفَاق على أنها غَير عَامَّة لِوُجُود الكُفَّار [الذين] (^٢) قد أسْلَمُوا بَعدها" (^٣).
ويَرى الزمخشري أن آية "البقرة" في "العُتَاة الْمَرَدَة مِنْ الكُفَّار، الذين لا يَنْفَع فيهم الْهُدَى، ولا يُجْدِي عليهم اللُّطْف، وسَواء عليهم وُجُود الكِتاب وعَدَمه، وإنْذَار الرَّسُول وسُكُوته" (^٤).
أمَّا الرازي فَقَال: اخْتَلَف أهْلُ التَّفْسِير في الْمُرَاد هَهنا بِقَولِه: (الَّذِينَ كَفَرُوا)؛ فَقَال قَائلُون: إنهم رُؤسَاء اليَهُود الْمُعَانِدُون الذين وَصَفهم الله تَعالى بأنهم يَكْتُمون الْحَقّ وهُم يَعْلَمُون، وهو قَول ابن عباس ﵄.
وقال آخَرُون: بل الْمُرَاد قَوْم مِنْ الْمُشْرِكين، كَأبي لَهب وأَبي جَهل والوَليد بن الْمُغيرة وأضْرَابهم، وهُم الذين جَحَدُوا بَعد البَيِّنَة، وأنْكَرُوا بَعد الْمَعْرفة، ونَظيره مَا قَال الله تَعالى: (فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ (٤) وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ) [فصلت: ٤، ٥]، وكَان ﵇ حَريصًا عَلى أن يُؤمِن قَومه جَمِيعًا، حَيث قَال الله تَعالى لَه: (فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا) [الكهف: ٦]، وقال: (أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ) [يونس: ٩٩]، ثم إنه ﷾ بَيَّن له ﵇
_________________
(١) معالم التنزيل، مرجع سابق (١/ ٤٩).
(٢) زيادة يقتضيها السياق.
(٣) المحرر الوجيز، مرجع سابق (١/ ٨٧).
(٤) الكشاف، مرجع سابق (ص ٤٠).
[ ١٠٤ ]
أنهم لا يُؤمِنون لِيَقْطَع طَمَعَه عَنهم، ولا يَتَأذَّى بِسَبَب ذَلك، فإنَّ اليَأس إحْدَى الرَّاحَتين (^١).
وفَصَّل ابنُ جُزي في الآيَة بِنَاء على الْمُرَاد بالضَّمِير الْمُنْفَصِل، فَقَال: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا) فِيمَن سَبَق القَدَر أنه لا يُؤمِن كَأبي جهل، فإنْ كَان (الَّذِينَ) للجِنْس فَلَفْظُها عَامّ يُرَاد به الْخُصُوص، وإنْ كَان للعَهْد فَهو إشَارَة إلى قَوْم بأعْيَانِهم (^٢). ثم ذَكَر الْخِلاف.
في حين نَقَل ابنُ كثير القولين: الأوَّل الْمَرْويّ عن ابن عباس في حِرْصِه ﷺ على هِدَايَة قَومِه، والقَول الثَّاني الْمَرْوي عن أبي العَالِية في أنها في قَتادَة الأحْزَاب، ثم رَجَّح القَوْل الأوَّل بِقَولِه: والْمَعْنَى الذي ذَكرناه أوّلًا - وهو الْمَرْويّ عن ابن عباس في رواية علي بن أبي طلحة - أظْهَر، ويُفَسَّر بِبَقِية الآيات التي في مَعناها (^٣).
ونقل الثعالبي قول ابن عطية السَّابِق، فقال: اخْتُلِف فيمن نَزَلَتْ هَذه الآيَة بَعْد الاتِّفَاق عَلى أنها غَير عَامَّة لِوُجُود الكُفَّار [الذين] (^٤) قد أسْلَمُوا بَعدها (^٥). ثم ذَكَر الْخِلاف.
ونَقَل الشوكاني قول القرطبي في الآية، وارْتَضَاه (^٦).
_________________
(١) التفسير الكبير، مرجع سابق (٢/ ٣٧).
(٢) التسهيل لعلوم التنْزيل)، مرجع سابق (١/ ٣٧).
(٣) تفسير القرآن العظيم، مرجع سابق (١/ ٢٧٧).
(٤) زيادة يقتضيها السياق.
(٥) الجواهر الحسان، مرجع سابق (١/ ٣١) وهذا هو نصّ قول ابن عطية السابق، إلَّا أنَّ الثعالبي لم يُشِر إليه.
(٦) فتح القدير، الشوكاني (١/ ٣٩).
[ ١٠٥ ]