أولًا: جَعَلتُ البحث في ثلاثة فُصُول هي على النحو التالي:
[ ٨ ]
الفصل الأول:
في طُرق دفع توهّم التعارض بين الآيات، وفيه أربعة مباحث:
المبحث الأول: من خلال النَّسْخ.
المبحث الثاني: فيما يتعلّق بالخصوص والعموم.
المبحث الثالث: مِنْ خلال القول بالتقديم والتأخير.
المبحث الرابع: فيما يتعلّق باختلاف المناسبة.
وقد تَضَمَّن هذا الفَصْل عشرين مِثَالًا في كُلّ مَبْحَث خَمْسَة أمْثِلَة.
والفصل الثاني:
في منهج الإمام القرطبي في دفع التعارض، وفيه أربعة مباحث:
المبحث الأول: الجمع بين الآيات بالاستدلال بالأحاديث المرفوعة.
المبحث الثاني: الجمع بين الآيات من خلال إيراد أقوال السلف.
المبحث الثالث: الاحتكام إلى اللغة العربية وقواعدها لِدفع التعارض المتوهّم.
المبحث الرابع: منهجه في إيراد الآية وما يُتوهّم تعارضه معها، وفيه مطلبان:
المطلب الأول: الجمع بين الآيات بإيراد الآية وما يُعَارِضُها في الظاهر.
المطلب الثاني: الجمع بين الآيات والاكتفاء بالإشارة إلى معنى الآية المقابِلة.
وقد تَضَمَّن هذا الفَصْل تِسْعَة عَشَر مِثَالًا.
والفصل الثالث:
في عناية الإمام القرطبي بِالْجَمْع بين الآيات وفيه ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: إفادة القرطبي ممن سَبقوه، وإفادته لمن أتوا بعده، وموافقة غيره له.
المبحث الثاني: الفَرْق بين كشف معنى الآية بإكثار الأقوال والعناية بِدفع توهّم التعارض، ومظانّ الجمع بين الآيات.
المبحث الثالث: أثر عقيدة القرطبي في توهّم التعارض.
[ ٩ ]
وقَدَّمْتُ بِتَمْهِيد تَضَمَّنَ:
- ترجمة الإمام القرطبي، وبيان عقيدته باختصار.
- أهمية تفسير القرطبي بين التفاسير، وما تميّز به.
- معنى التعارض، وحقيقته، وأهمية دفعه.
وخَتَمْت البحث بِخاتِمَة وفيها أبْرَز النَّتَائج وأهَمّ التَّوْصِيَات.
ثم أعْقَبْتُ ذلك بالفهارس العامة للبحث.
وطَرِيقَتِي في أمْثِلَة هَذا البَحْث أن أُورِد في الْمِثَال مَا يُتَوهَّم تَعَارُضه مِنْ آيات - مِنْ غير حَصْرٍ للآيَات في المثال الواحِد -، فقد يَتَكرَّر وُرُود الآيات في أكْثَر مِنْ مَوْضِع، فأُورِد مَوْضِعًا أو مَوْضِعَين، إذْ بِهما يَتَحقَّق الْمَقْصُود.
ثم أُوَضِّح صُورَة التَّعَارُض، وأُعْقِبه بجَمْع القرطبي بَيْن الآيَات وطَرِيقتِه في دَفْع تَوَهُّم التَّعَارُض، ثم أُلَخَّص جَوَاب القرطبي في نُقَاط مُحَدَّدَة مُخْتَصَرَة.
وأُجْرِي مُقارَنَة بَيْن جَمْعِه وجَمْع غيره مِنْ العُلَمَاء، وحَرَصْتُ على أن تَكُون تِلك الْمُقَارَنَة بَيْن مَنْ سَبَقُوه وبَيْن مَنْ أتَوا بَعْدَه.
وأخْتِم كُلّ مِثَال بِـ "رَأي البَاحِث"، أُوَضِّح فيه مَا تَبَيَّن لي مِنْ خِلالِ مُعَايَشَة أقْوَال الْمُفَسِّرِين، مع ما يَعِنّ مِنْ رَأي مُدَعَّم بِدَلِيل نَقْليّ أو عَقْلِيّ.
وعندما أذْكُر أسْمَاء الأئمَّة الأعْلام فإني أذْكُرَها مُجَرَّدَة عن الأوْصَاف، مُتَّبِعًا مَنْهَجًا عِلْمِيًّا صِرْفًا، وليس لِحَاجَة في النَّفْس! ثم إن أكابر أتْبَاع الأَئمة أصْحَاب الْمَذَاهِب الْمَتْبُوعَة يَذْكُرُون أسْمَاء الأئمة مُجَرَّدَة عن كُلّ وَصْف (^١).
_________________
(١) انظر: "الاستذكار"، ابن عبد البر (١/ ١٣، ١٦، ٢١) ومواضع أُخرى كثيرة، و"الجامع لأحكام القرآن"، مرجع سابق (١/ ١٠، ٨٨ ومواضع أُخرى)، و"المغني" ابن قدامة (١/ ٢٣، ٢٥، ٢٨ ومواضع أُخرى كثيرة).
[ ١٠ ]
كَمَا أني لم أُتَرْجِم للأعلام أثْنَاء بَحْثِي، واعْتَضْتُ عن ذلك بفوائد ومُلَح لُغَويَّة وحديثية رأيت أنها تُفيد القارئ أكثر مِنْ مُجرّد ترجمة في سطر أو سطرين.
وفي التَّخْرِيج لَم ألْتَزِم اسْتِيعَاب التَّخْرِيج؛ لأنه ليس مَقْصدًا أصلِيًّا في البَحْث، واكْتَفَيت بالعَزو بِرَقْم الْحَدِيث، خاصَّة مع توفَّر طَبَعَات الكُتُب وتَرْقِيمها، وهو أسْهَل في الرُّجوع إلى رقم الْحَدِيث.
وأذكُر خُلاصَة الْحُكْم على الْحَدِيث مُسْتَفِيدًا مِنْ تَخْرِيجات أصْحَاب الشَّأن.
وأسْتَثْنِي مِنْ ذلك مَا إذا كان الْحَدِيث مُخَرَّجًا في الصَّحِيحَين أو في أحَدِهما، فإنَّ شُهْرَة الصَّحِيح أغْنَت عن الْحُكْم على الْحَدِيث.
كَمَا أني لَم الْتَزِم عَزْو كُلّ قَوْل إلى قَائِله، خَاصَّة في أقْوَال أئمة مُفَسِّرِي السَّلَف مِنْ الصحابة والتابعين؛ لأنَّ مِنْ شأن ذلك إطالة البَحْث وإتْخَامه بِالْحَوَاشِي.
واسْتَثْنَيتُ مِنْ ذلك مَا دَعَت الْحَاجَة إلى تَخْرِيجه وعَزْوِه؛ كأن يَكون القَوْل لا يَصِح عن ذلك الإمَام، أو وُجِد اخْتِلاف في الْمَنْقُول عنه، ونحو ذلك.
ومِثْلُه مَا يَتَعَلَّق بأقْوَال الْمُفَسِّرِين في كُتُبهم؛ فإني لا أعْزُوها في الغَالِب إلى مَوَاضِع الكُتُب، إلَّا ما دَعَتِ الْحَاجَة إليه؛ فإذا نَقَل الْمُتَأخِّر عن الْمُتَقَدِّم قَولًا فإني أتْرك عَزوه قَصْدًا، إلَّا بِقَدْر الْحَاجَة؛ لِوُجُود اخْتِلاف ونحوه.
وقد أَطَلْتُ في إيرَاد أقْوَال بعْض الْمُفَسِّرِين، وعُذْرِي في ذلك أنهم أطَالُوا في الأصْل فقد يَكُون الْمُفَسِّر قَرَّر مسألةً مَا في عَشْر صَفَحَات، فإذا اخْتَصَرْتُ ذلك في صَفْحَة واحِدة، فإني أرَى أني اخْتَصَرْت، وعُذْر آخَر، وهو أنه لا يَسْتَبِين وَجْه وقُوَّة جَوَاب العَالم إذا مَا اخْتَصَرْتُه جدًّا.
هذا ولَم أسْتَوْعِب جَمِيع الْمَواضِع التي دَفَع عنها القرطبي تَوَهُّم التَّعَارُض؛ لِكَون هذا البَحْث ليس اسْتِقْرَائيًّا، وقد رَأت لجْنَة مَسَار التفسير الاكْتِفاء بِخَمْسَة أمثِلة في كل مَبْحَث، والْتَزَمْتُ ذلك في الْغَالِب إلَّا مَا رَأيتُ أنَّ مَا سَبَقَه مِنْ مَبَاحِث خَدَم ذلك الْمَبْحَث، فَزِيَادَة الأمْثِلَة إطَالَة وتِكْرَار.
[ ١١ ]
وأتقَدَّم بِجزِيل شُكْرِي إلى أستاذي الفاضل وشيخي الكَرِيم د. ناصر بن محمد المنِيع - حفظه الله - فهو الْمُشْرِف على هذا البَحْث، وقد أسْعَدَني بِحِرْصِه الذي كان دَفِعًا لإنْهَاء هَذا البَحْث، كَمَا أتحَفَني بِملْحُوظَاته، وأفادَنِي بِتَوْجِيهَاتِه.
فَشَكَرَ الله سَعْيَه، ويَسَّر له أمْرَه، وجَزَاه عَنِّي خَيْر الْجَزَاء وأوْفَاه وأَوْفَرَه.
كَمَا أتقَدَّم بِالشُّكْر لِكُلّ مَنْ أفادني بِفَائدَة، وأخُصّ أسَاتِذَتِي في هَذِه الدِّرَاسَة العُلْيَا وكُلّ مَنْ وَجَّه وأقَام الاعْوِجَاج.
وأعْتَذِر عن كُل تَقصِير يَرَاه قارئ هذا البَحْث؛ إذ "لو عُورِض كِتَاب سَبْعِين مَرَّة لَوُجِد فيه خَطأ، أبَى الله أن يَكُون كِتَاب صَحِيحًا غَير كِتَابِه" (^١).
وعُذْري كَثْرَة الشَّواغِل والصَّوَارِف، مَع قِصَر البَاع، وتَحْدِيد زَمَن البَحْث.
"فَمَنْ وَقَف على هذا الكِتاب مِنْ أهْل العِلْم، ورَأى فِيه شيئًا مِنْ الْخَلل فلا يَعْجَل بِالْمُؤَاخَذَة! فأني تَوَخَّيْتُ فيه الصِّحَّة حَسْب مَا ظَهَر لي، مع أنه كَمَا يُقَال: أبَى الله أن يَصِحّ إلَّا كِتَابه. لكن هذا جُهْد الْمُقِلّ، وبَذْل الاسْتِطَاعَة، ولا يُكَلِّف الله نَفْسًا إلَّا وُسْعَها، ولا يُكَلِّف الإنْسَان مَا لا تَصِل قُدْرَته إليه، وفُوْق كُلّ ذِي عِلْم عَليم" (^٢).
كَمَا أنَّ النَّاظِر في الكِتَاب أبْصَر بمواقِع الْخَلل، فقد راجَعْتُ هذا البحث أكثر مِنْ أربع مرّات، وفي كُلّ مرة يَظهر مِنْ الْخَطَأ ما لَم يَظهر في السابق، وهذا هو شأن أي عَمل بشري أنه لا يَخلو من نَقص وخَلل.
قال عبد الله بن أحمد بن حنبل: عَارَضْتُ بِكِتَابٍ لأَبِي ثلاث عشرة مَرَّة، فَلَمَّا كان في الرَّابِعَة (^٣) خَرَج فيه خطأ! فَوَضَعَه مِنْ يَدِه، ثم قال: قد أَنْكَرْتُ أن يَصِحّ غَير كِتَاب الله ﷿ (^٤). والله الْهَادي إلى سَوَاء السَّبِيل.
كتبه/ عبد الرحمن بن عبد الله بن صالح السحيم.
_________________
(١) قاله: إسماعيل بن يحيى المزني. (موضح أوهام الجمع والتفريق، الخطيب البغدادي ١/ ١٤).
(٢) مُقْتَبَس مِنْ: مرآة الجنان، اليافعي (٤/ ١٩٦).
(٣) أي: الرابعة عشرة.
(٤) موضح أوهام الجمع والتفريق، مرجع سابق (١/ ١٤).
[ ١٢ ]