مقدمة
" الحمد للَّه الذي برَأ النَّسَم، وأفاض النِّعَم،. . . ذي العزِّة القاهرة، والقدرة الباهرة، والآلاء المتظاهرة، الذي أوجدنا بعد العدَم، وجعلنا الخيار الوسَط من الأُمَم، وخوَّلنا عوارف لا تُحْصى، وهدانا شِرْعَةً رَمَت بنا من رضوانه إلى الغرض الأقصى، أنزل إلينا القرآن العزيز، وَعَدَ فيه وبَشَّر، وأَوْعَد وحذَّر، ونهى وأمَر، وأكمل فيه الدين، وجعله الوسيلة الناجعة والحبل المتين، ويسَّره للذِّكر، وخلَّدَه غابر الدَّهر، عصمةً للمعتصمين، ونورًا صادعًا في مشكلات المُختصمين، وحُجّةً قائمةً على العالم، ودعوةً شاملةً لفِرَق بني آدم، كلامه الذي أعجز الفُصحاء، وأخرس البُلغاء، وشرَّف العلماء، له الحمد دائبًا، والشكر واصبًا، لا إله إلا هو رب العرش العظيم.
وأفضل الصلاة والتسليم، على رسوله محمدٍ الكريم، صفوته من العباد، وشفيع الخلائق في المعاد، صاحب المقام المحمود، والحوض المورود، الناهض بأعباء الرسالة والتبليغ الأعصم، والمخصوص بشرف السعاية في الصلاح الأعظم، صلى اللَّه عليه وعلى آله صلاة مستمرة الدوام، جديدة على مر الليالي والأيام" (^١).
أما بعد، فإن "أحق ما صُرِفت إلى علمه العناية، وبُلِغت في معرفته الغاية، ما كان للَّه في العلم به رضًا، وللعالم به إلى سبيل الرشاد هدًى، وأنَّ أجمع ذلك لباغيه، كتاب اللَّه الذي لا ريب فيه، وتنزيله الذي لا مرية فيه، الفائز بجزيل الذُّخر وسَنِيِّ الأجر تاليه، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد" (^٢).
وإن أول ما ينبغي أن يعتني به المعتنون، ويحرص على تتبعه الجادون لمعرفة معاني كلام اللَّه تعالى وتفسيره = الوقوف على التفسير المأثور عن النبي -ﷺ-، والصحابة والتابعين وتابعيهم.
_________________
(١) من مقدمة ابن عطية لتفسيره ١/ ٦.
(٢) من مقدمة ابن جرير لتفسيره ١/ ٧.
[ ١ / ١١ ]
ولا يخفى ما لهذه المصادر من المكانة العالية في تفسير كتاب اللَّه تعالى؛ فالنبي -ﷺ- هو المبلِّغ عن ربه ﷿ والمبين لكلامه كما قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٤٤]. فما بيَّنه النبي -ﷺ- لا تجوز مخالفته. وأعلم الناس بعد النبي -ﷺ- بالتفسير أصحابه -﵃-؛ لأنهم أهل اللسان الذي نزل به القرآن، وقد شهدوا التنزيل، وعرفوا أحواله، وعرفوا أحوال من نزل فيهم القرآن، مع حسن فهمهم، وسلامة قصدهم، ثم التابعون الذين تلقوا التفسير عن الصحابة، وكذلك أتباع التابعين الذين تتلمذوا على أيدي التابعين. وقد أثنى النبي -ﷺ- على الصحابة والتابعين وأتباعهم بأنهم خير الناس، فتفسيرهم هو تفسير خير الناس، ومعرفته هي السبيل القويم للوصول إلى اللهم الصحيح لمراد ربنا ﷿ في كتابه الكريم.
ولذلك الأمر توجهت عناية الأمة إلى التفسير المأثور، ونهض لجمعه وتدوينه كثير من العلماء المتقدمين، كعبد الرزاق الصنعاني (ت: ٢١١)، وعَبْد بن حُمَيد (ت: ٢٤٩)، وابن جرير الطبري (ت: ٣١٠)، وابن المنذر (ت: ٣١٨)، وابن أبي حاتم (ت: ٣٢٧)، وغيرهم، كما اعتنى به جمْعٌ من المتأخرين وجعلوه أساسًا لمدوناتهم ومنطلقًا لتفاسيرهم، كابن عطية (ت: ٥٤٣)، وابن كثير (ت: ٧٧٤)، رحمة اللَّه على الجميع.
وكان من أوسع من اعتنى بجمعه ومحاولة استيعابه الإمام السيوطي ﵀ (ت: ٩١١) في تفسيره "الدر المنثور في التفسير بالمأثور" غير أن المتتبع لآثاره يجد أنه فاته الكثير من أقوال السلف (^١)، ولحاجة طلاب العلم والباحثين إلى الوقوف على آثار التفسير مستوعبة في كتاب واحد؛ فقد سمت همَّة مركز الدراسات والمعلومات القرآنية بمعهد الإمام الشاطبي لإكمال هذه المسيرة وجمع الجهود السابقة وتصنيفها وترتيبها في مؤَلَّف واحد، فجاءت هذه الموسوعة التفسيرية، والتي نرجو من اللَّه أن يسد بها هذه الثغرة العلمية المهمة.
وقد تحلَّت بإضافة مهمة تعين القارئ على الاستفادة القصوى منها، وهي تعليقات خمسة من أبرز أئمة التفسير المحققين على ما ورد في كتبهم من آثار السلف في التفسير بما يعين على فهم تلك الآثار وتوجيهها والترجيح بين المختلف منها.
_________________
(١) أحصينا ابتداء ما فات السيوطي من الآثار في تفسير سورة البقرة فبلغ مجموعه (٣٥٦٨) أثرًا، ثم أحصينا الزوائد عليه في تفسير جميع السور بعد انتهاء الموسوعة؛ فبلغت (٤٥١٤٣) أثرًا.
[ ١ / ١٢ ]