وهو من أكبر مصادر التفسير المأثور، وثاني أكبر مصادر تفسير ابن كثير (^٤).
وقد تميز تفسير ابن أبي حاتم بالاعتناء بتفسير عدد من كبار مفسري السلف، خصوصًا قتادة والسدي، وانفرد بإيراد تفاسير لا تكاد تجدها عند غيره، من أهمها:
١ - "تفسير سعيد بن جبير" (ت: ٩٥ هـ) من طريق عطاء بن دينار (ت: ١٢٦ هـ).
٢ - "تفسير مقاتل بن حيان" (ت: ١٥٠ هـ): وتفسير ابن أبي حاتم أكبر مصادره التي حفظته لنا، وذلك من طريق بكير بن معروف تلميذ مقاتل، وأكثر المفسرين الذين نقلوا تفسير مقاتل -كابن كثير والسيوطي- نقلوه بواسطة ابن أبي حاتم.
وقد سبق عند الكلام على تفسير مقاتل بن سليمان التنبيه على أنه جاءت مرويات كثيرة في تفسير ابن أبي حاتم عن مقاتل مهملًا دون تمييز، وأن المراد به مقاتل بن حيان.
_________________
(١) مقدمة الدر المنثور، تحقيق: د. حازم حيدر ص ٢٥٧.
(٢) حيث تميز بإيراد تفسير ابن جريج من طريق محمد بن ثور الصنعاني، بخلاف ابن جرير وابن أبي حاتم اللذين رويا له من طريق حجاج المصيصي. وينظر: تفسير أتباع التابعين ص ١٠٠.
(٣) ينظر أمثلة ذلك في تفسير ابن المنذر: ١/ ١٢٩، ١٣٠، ١٣٨، ١٦٩، ٢١٦.
(٤) ينظر: موارد تفسير ابن كثير للفنيسان.
[ ١ / ٦٠ ]
وفيما يلي ملحوظات وتنبيهات على تصرفات ابن أبي حاتم في تفسيره، وبيان منهجنا في التعامل معها:
١ - لاحظنا أن ابن أبي حاتم كثيرًا ما يفسر بالآثار الواردة في تفسير آية الآيات المشابهة لها (^١)، وربما كرر سبب النزول الواحد لآيات متشابهة (^٢)، ولعل مراده بذلك ذكر وجوه معاني اللفظ -دون النظر إلى السياق-؛ للاستعانة بها على تحديد المعنى المناسب منها أو المعنى الذي تدور حوله؛ فهو يصدر الأقوال دائمًا بقوله: الوجه الأول، والثاني. . . إلخ.
وقد تعاملنا مع هذا التصرف بالتنبيه عليه في حاشية الموسوعة، واستظهار الآية التي ورد عليها التفسير عند إيراده له في تفسير غيرها من الآيات المشابهة لها.
٢ - كما أنه يكرر الآثار في تفسير الألفاظ الكثيرة الدوران، مثل: (أليم)، (غفور رحيم)، (سميع عليم)، وقد لاحظنا أن ابن كثير والسيوطي لم يكررا الآثار في تفسير مثل هذه الألفاظ (^٣)؛ فذكرنا الآثار في تفسيرها في أول ورودها، إلا في حالات قليلة؛ رأينا فيها حاجة الآية لتكرار تفسير لفظ سبق تفسيره.
٣ - أورد ابن أبي حاتم في مقدمة كتابه إسناد أربعة من المفسرين ممن علَّق روايتهم في سورة البقرة دون سواها، وهم: أبو العالية، والسدي، والربيع بن أنس،
_________________
(١) من أمثلة ذلك: ما أورده في تفسير قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ﴾ [البقرة: ١٢٩]، وقوله تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [آل عمران: ١٦٤] من رواية عكرمة عن ابن عباس أن معنى الكتاب هو "الخط بالقلم" بينما أورد نفس الرواية في تفسير قوله تعالى عن عيسى ﵇: ﴿وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ [آل عمران: ٤٨] (تفسير ابن أبي حاتم ١/ ٢١٦، ٣/ ٣٠١). وينظر أمثلة أخرى: تفسير ابن أبي حاتم ٢/ ٤٨٠ برقم (٢٥٣٥)، ٢/ ٥٣٠ برقم (٢٨١٥).
(٢) من أمثلة ذلك: ما أورده من قول النضر بن الحارث: "إذا كان يوم القيامة شفعت لي اللات" حيث أورده سببًا لنزول بضع آيات كقوله تعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَكَفَى بِهِ إِثْمًا مُبِينًا﴾ [النساء: ٥٠]، ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ [الأنعام: ٢١]، ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام: ١٤٤]، ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ أُولَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ﴾ [الأعراف: ٣٧]، ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ﴾ [هود: ١٨]. ينظر: تفسير ابن أبي حاتم ٤/ ١٢٧٣، ٥/ ١٤٧٣، ٦/ ١٩٣٥، ٢٠١٦، ٩/ ٣٠٨٣.
(٣) ينظر: مقدمة تفسير ابن أبي حاتم ١/ ٦.
[ ١ / ٦١ ]
ومقاتل بن حيان؛ وقد صرَّح بذلك فقال: "فأما ما ذكرنا عن أبي العالية في سورة البقرة بلا إسناد فهو ما حدثنا عصام بن رواد العسقلاني، ثنا آدم، عن أبي جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية. وما ذكرنا فيه عن السدي بلا إسناد فهو ما: حدثنا أبو زرعة، ثنا عمرو بن حماد بن طلحة، ثنا أسباط عن السدي. وما ذكرنا عن الربيع بن أنس بلا إسناد فهو ما: حدثنا أبي، ثنا أحمد بن عبد الرحمن الدشتكي، ثنا عبد اللَّه بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع بن أنس. وما ذكرنا فيه عن مقاتل فهو ما: قرأت على محمد بن الفضل بن موسى، عن محمد بن علي بن الحسن بن شقيق، عن محمد بن مزاحم، عن بكير بن معروف، عن مقاتل" (^١). ومن هنا عزونا آثارهم المعلقة في سورة البقرة إليه؛ بلفظ: "أخرجه ابن أبي حاتم".