ولما كان النصر وهم في القلة والضعف بحال عظيم وقوة عدوهم وكثرتهم أعظم مستبعدًا قال: ﴿إن الله﴾ وأظهر موضع الإضمار تحقيقًا للبشرى بالإيماء إلى استحضار ما يدل عليه هذا الاسم الأعظم من صفات الجلال والإكرام ﴿على كل شيء قدير﴾ ففي هذا الختم بشرى للمؤمنين بتقديرهم كما أن في الختم بالعلم بشرى بتعليمهم. وفي إفهامه نذارة للكافرين بمقابل ذلك.
ولما أمرهم بالثقة بهذا الكتاب ما نسخ منه وما لم ينسخ وأن
[ ٢ / ١٠٧ ]
لا يعوقهم عنه طعن الطاعنين ولا حسد الحاسدين وأمرهم بالإعراض عن الغير أمرهم بالإقبال على إصلاح النفس والإحسان إلى الغير مما اتصف به المهتدون في قوله تعالى: ﴿ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون﴾ [البقرة: ٢] ولما كان المقصود من الصلاة قصر الهمة والنية على الحضرة الإلهية وتفريغ البال من جميع الشواغل علم أن التقدير بعد الختم بشمول القدرة فاعلموا ذلك وثقوا به ﴿وأقيموا الصلاة﴾ التي هي مع كونها سنبتليكم في قبلتها بالنسخ قوام الدين والمعينة على جميع النوائب بإعانة الخالق الذي قصد بها الإقبال عليه والتقرب إليه ﴿وآتوا الزكاة﴾ التي هي قرينة الصلاة، فمن فرق بينهما فقد نسخ ما أثبت الله فاستحق القتال ليرجع عما ارتكب من الضلال، وهي من أعظم نفقات المؤمنين إحسانًا إلى الخلائق إن كنتم مصلين بالحقيقة، فإن المال بعض
[ ٢ / ١٠٨ ]
ما صرفت عنه الصلاة من أعراض الدنيا.
ولما كان قوله: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا﴾ [البقرة: ١٠٤] وما بعده خطابًا للمؤمنين تحذيرًا من كيد أعدائهم بالنهي عما يرديهم والأمر بما ينجيهم وختمه بهذه الآية فذلكة لذلك كله جميعًا لمعانيه وفتحها برأس العبادات البدنية والمالية وكانت «أل» مشيرة إلى الواجب من ذلك ختم الآية نفسها بالأمر العام الجامع فقال: ﴿وما تقدموا لأنفسكم من خير﴾ أي من الصلاة والزكاة وغيرهما فرضًا ونفلًا ﴿تجدوه﴾ وزاد ترغيبًا فيه بقوله: ﴿عند الله﴾ أي الجامع لصفات الكمال. فهو يحفظه بما له من العلم والقدرة ويربيه بما له من الكرم والرحمة - إلى غير ذلك من أمور الفضل.
ولما كان الشيء قد يهمل لكونه صغيرًا وقد لا يطلع عليه لكونه خفيًا حقيرًا قال مرغبًا مرهبًا: ﴿إن الله﴾ المحيط قدرة وعلمًا ﴿بما تعملون بصير﴾ وأظهر الاسم في موضع الإضمار إشعارًا بالاستئناف للخير ليكون ختمًا جامعًا. لأنه لو عاد على خصوص هذا الخطاب لكان «إنه»، وذلك لأن تجديد الإظهار يقع بمعنى رد
[ ٢ / ١٠٩ ]
ختم الخطاب على إحاطة جملته - قاله الحرالي. والمعنى أنه لو أضمر لكان ربما أفهم تقيد علمه بحيثية ما تقدم من عمل الخير؛ وعلى مثل هذا دل قول العلامة شمس الدين الغزي في أول شرحه لإيساغوجي: الغالب في المضمر إرادة المعنى الأول، وأما حديث: إعادة الشيء معرفة.
فأصل يعدل عنه كثيرًا للقرائن.
ولما ذكر دعواهم في مس النار وأبطلها من وجوه كثيرة أحاطت بهم فيها الخطايا إحاطة اقتضت خلودهم فيها من جهة ضلالهم إلى آية
[ ٢ / ١١٠ ]
النسخ مرقيًا الخطاب من سيئة إلى أسوأ منها ثم من جهة إضلالهم لغيرهم من آية النسخ عطف على تلك الدعوى الإخبار بدعواهم في دخول الجنة تصريحًا بما أفهمته الدعوى الأولى تلويحًا وقرن بذلك مثل ما ختم به ما قبلها من أن من فعل خيرًا وجد على وجه بين فيه أن ذلك الخير الإسلام والإحسان فقال تعالى: ﴿وقالوا﴾ أي أهل الكتاب من اليهود والنصارى حسدًا منهم على المسبب الذي هو الجنة كما حسدوا على السبب وهو إنزال ما اقتضى الإيمان الموصل إلى الرضوان الذي به تستباح الجنان ﴿لن يدخل الجنة﴾ المعدة لأولياء الله ﴿إلا من كان هودًا﴾ هذا قول اليهود منهم ﴿أو نصارى﴾ وهذا قول النصارى نشرًا لما لفته الواو في ﴿وقالوا﴾ .
[ ٢ / ١١١ ]
ولما كانوا أبعد الناس عن هذه الأماني التي تمنوها لأنفسهم لمنابذتهم لما عندهم من العلم والتي حسدوا فيها المؤمنين لأن ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء قال مشيرًا إلى بعدهم عن ذلك على وجه الاستئناف معترضًا بين الدعوى وطلب الدليل عليها تعجيلًا لتوهيتها: ﴿تلك﴾ بأداة البعد ﴿أمانيهم﴾ تهكمًا بهم، أي أمثال هذه الشهوة من ودهم أن لا ينزل على المؤمنين خير من ربهم، وأن يردوهم كفارًا، وأن لا يدخل الجنة غيرهم - وأمثال ذلك من شهواتهم.
ولما كان كل مدع لغيب مفتقرًا في تصحيح دعواه إلى دليل وكان مثل هذا لا يقنع فيه إلا بقاطع أمر أعلم الخلق لأنه لا ينهض بأخراسهم في علمهم ولددهم غيره بمطالبتهم بذلك ناقضًا لدعواهم فقال: ﴿قل هاتوا برهانكم﴾ بلفظ البرهان. قال الحرالي: وهو علم قاطع الدلالة غالب القوة بما تشعر به صيغة الفعلان ضم أولها وزيادتا آخرها،
[ ٢ / ١١٢ ]
وهذا كما افتتح تلك بالنقض بقوله: ﴿قل أتخذتم﴾ وفي ذلك إعلام بأنه تعالى ما غيّب شيئًا إلا وأبدى عليه علمًا ليكون في العالم المشهود شفاف عن العالم الغائب - قاله الحرالي. قالوا: وهذا أهدم شيء لمذهب المقلدين ودليل على أن كل قول لا برهان عليه باطل.
ولما نادى عليهم بالكذب في قوله: ﴿إن كنتم صادقين﴾ أثبت لغيرهم بقوله: ﴿بلى﴾ ما ادعوا الاختصاص به، ثم بين أهل الجنة بقوله: ﴿من أسلم وجهه﴾ أي كليته، لأن الوجه أشرف ما ظهر من الإنسان، فمن أسلمه أسلم كله، كما أن «الإيمان» إذعان القلب الذي هو أشرف ما بطن وإذعانه إذعان جميع الأعضاء؛ و«الإسلام» قال الحرالي: الإلقاء بما يكون من منة في باطن أو ظاهر؛ و«الوجه» مجتمع حواس الحيوان، وأحسن ما في الموتان - وهو ما عد الحيوان، وموقع الفتنة من الشيء الفتان؛ وهو أول ما يحاول إبداؤه من الأشياء لذلك ﴿لله﴾ من أجل أنه الله الجامع للكمال.
ولما كان ذكر الأجر لكل واحد بعينه أنص على المقصود وأنفى
[ ٢ / ١١٣ ]
للتعنت، أفرد الضمير فقال: ﴿وهو محسن﴾ في جانب الحق بإذعان القلب، وفي جانب الخلق بما يرضي الرب، فصار يعبد الله كأنه يراه، فطابق سره علنه. ولما نفوا الأجر عن غيرهم وأثبته سبحانه للمتصف بالإسلام منهم وممن سواهم وكان ربما قيل إنه أعطى غيرهم لكونه الملك المطلق بغير سبب ربط الأجر بالفاء دليلًا على أن إسلامهم هو السبب فقال: ﴿فله﴾ خاصة ﴿أجره عند ربه﴾ إحسانًا إليه بإثبات نفعه على حسب ما ربّه به في كل شريعة.
ولما كان ربما ادعى أنه ما أفرد الضمير إلا لأن المراد واحد بعينه فلا يقدح ذلك في دعوى أنه لن يدخل الجنة إلا اليهود أو النصارى جمع فقال: ﴿ولا خوف عليهم﴾ من آت ﴿ولا هم يحزنون﴾ على شيء فات دفعًا لضرهم، وهذا كما أثبت سبحانه خلاف دعواهم في مس النار بقوله: ﴿بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته﴾ [البقرة: ٨١] الآية، فالتحم الكلام بذلك أشد التحام وانتظم أي انتظام.
ولما أبطل دعوى اختصاصهم بالرحمة قدحًا منهم في غيرهم وأثبتها للمحسنين أتبع ذلك قدح كل فريق منهم في الآخر وبيان انتفائها عنهم بإساءتهم بإبطال كل فرقة منهم دعوى الأخرى مع ما يشهد به
[ ٢ / ١١٤ ]
كتاب كل من بطلان قوله فقال: ﴿وقالت اليهود ليست﴾ أنث فعلهم لضعف قولهم وجمع أمرهم ﴿النصارى على شيء﴾ أي يعتد به لكونه صحيحًا، وليس مخففة من وزن فرح، ومعناها مطلق النفي لمتقدم إثبات أو مقدره - قاله الحرالي. ﴿وقالت النصارى﴾ كذلك
[ ٢ / ١١٥ ]
﴿ليست اليهود على شيء﴾ فعجب منهم في هذه الدعوى العامة لما قبل التبديل والنسخ وما بعده بقوله: ﴿وهم﴾ أي والحال أنهم ﴿يتلون الكتاب﴾ أي مع أن في كتاب كل منهم حقية أصل دين الآخر.
ثم شبه بهم في نحو هذا القول الجهلة الذين ليس لهم كتاب الذين هم عندهم ضلال، وفي ذلك غاية العيب لهم لتسوية حالهم مع علمهم بحال الجهلة في القطع في الدين بالباطل كما سوى حالهم بهم في الحرص على الحياة في الدنيا ومنهم عبدة الأصنام الذين منهم العرب الذين أخرجوا الرسول ﷺ من بلده ومنعوه من مسجد أبيه إبراهيم عليهما الصلاة والسلام الذي هو الحقيق به دونهم، وساق ذلك جواب سائل كأنه قال: هذا قول العلماء بالكتاب فما حال من لا علم له؟ فقال: ﴿كذلك﴾ أي مثل هذا القول البعيد عن القصد ﴿قال الذين لا يعلمون﴾ ولما كان صدور هذا من أهل العلم في غاية الغرابة وصدوره من الجهلة
[ ٢ / ١١٦ ]
أغرب نبه تعالى على أن سامعه جدير بأن يقول لعده له عداد ما لا يصدق: كيف قال الجهلة؟ فقال أو يقال: ولما كان قولهم هذا لا يكاد يصدق من شدة غرابته كان كأنه قيل: أحق كان هذا منهم حقيقة أم كنى به عن شيء آخر؟ فأجيب بقوله: ﴿كذلك﴾ أي الأمر كما ذكرنا عنهم حقيقة لا كناية عن شيء غيره، فلما استقر في النفس كان كأنه قيل: هل وقع هذا لأحد غيرهم؟ فقيل: نعم، وقع أعجب منه وهو أنه قال الجهلة «كعبدة الأصنام والمعطلة» ﴿مثل قولهم﴾ فعاندوا وضللوا المؤمنين أهل العلم بالكتاب الخاتم الذي لا كتاب مثله وضللوا أهل كل دين.
ولما وقع الخلاف بين هذه الفرق تسبب عنه حكم الملك الذي لم يخلقهم سُدى بينهم فقال: ﴿فالله﴾ «الملك الأعظم» ﴿يحكم بينهم﴾ والحكم قصر المصرَف على بعض ما يتصرف فيه وعن بعض ما تشوّف إليه - قاله الحرالي. وحقق أمر البعث بقوله: ﴿يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون﴾ والآختلاف افتعال من الخلاف وهو تقابل بين رأيين
[ ٢ / ١١٧ ]
فيما ينبغي انفراد الرأي فيه - قاله الحرالي.
ولما اشتركت جميع هذه الفرق في الظلم وزاد الجهلة منع حزب الله من عمارة المسجد الحرام بما يرضيه من القول والفعل فازدادوا بذلك ظلمًا آخر وكان من منع مسجدًا واحدًا لكونه مسجدًا مانعًا لجميع المساجد قال: ﴿ومن أظلم﴾ أي منهم، وإنما أبدل الضمير بقوله: ﴿ممن منع مساجد الله﴾ أي «الجامع لصفات الكمال التي هي جنان الدنيا لكونها أسباب الجنة التي قصروها عليهم، ثم أبدل من ذلك تفخيمًا له تذكرة مرة بعد أخرى» قوله: ﴿أن يذكر فيها اسمه﴾ وعطف بقوله: ﴿وسعى في خرابها﴾ أي بتعطيلها عن ذكر الله لبعد وجوه ظلمهم زيادة في تبكيتهم. والمنع الكف عما يترامى إليه. والمسجد مفعل لموضع السجود وهو
[ ٢ / ١١٨ ]
أخفض محط القائم. والسعي الإسراع في الأمر حسًا أو معنى. والخراب ذهاب العمارة، والعمارة إحياء المكان وإشغاله بما وضع له - قاله الحرالي.
ثم ذكر سبحانه ما رتبه على فعلهم من الخوف في المسجد الذي أخافوا فيه أولياءه وفي جميع جنسه والخزي في الدنيا والآخرة ضد ما رتبه لمن أحسن فقال: ﴿أولئك﴾ أي البعداء البغضاء ﴿ما كان لهم﴾ أي ما صح وما انبغى ﴿أن يدخلوها﴾ أي المساجد الموصوفة ﴿إلا خائفين﴾ وما كان أمنهم فيها إلا بسبب كثرة المساعد على ما ارتكبوه من الظلم والتمالؤ على الباطل وسنزيل ذلك، ثم عمم الحكم بما يندرج فيه هذا الخوف فقال: ﴿لهم في الدنيا خزي﴾ أي عظيم بذلك وبغيره، ثم زاده بأن عطف عليه قوله: ﴿ولهم في الآخرة﴾ التي هم لها منكرون بالاعتقاد أو الأفعال ﴿عذاب عظيم﴾ فدل بوصف العذاب على وصف الخزي الذي أشار إليه بالتنوين.
قال الحرالي: وفيه إنباء بإحباط ما يصرف عنهم وجهًا من وجوه العذاب، فنالهم من العذاب العظيم ما نال الكافرين حتى كان ما كان لهم من ملة وكتاب لم يكن، وذلك أسوأ الخسار؛ قال: ومن الموعود أن من أعلام قيام الساعة تضييع
[ ٢ / ١١٩ ]
المساجد لذلك كل أمة وكل طائفة وكل شخص معين تطرق بجُرم في مسجد يكون فعله سببًا لخلائه فإن الله ﷿ يعاقبه بروعة ومخافة تناله في الدنيا، حتى ينتظم بذلك من خرب مدينة من مدن الإسلام أو كانت أعماله سبب خرابها، وفي ضمن ذلك ما كان من أحداث المسلطين على البيت المقدس بما جرّت إليه أعمال يهود فيه؛ قال: كذلك أجرى الله سنته أن من لم يقم حرمة مساجده شرده منها وأحوجه لدخولها تحت رقبة وذمة من أعدائه، كما قد شهدت مشاهدة بصائر أهل التبصرة وخصوصًا في الأرض المقدسة المتناوب فيها دول الغلب بين هذه الأمة
[ ٢ / ١٢٠ ]
وأهل الكتاب ﴿الم * غلبت الروم * في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون * في بضع سنين﴾ [الروم: ١-٣] فكل طائفة في بضعها إذا ساء عملها في مسجدها شردت منه ودخلته في بضع الأخرى خائفة كذلك حتى تكون العاقبة للمتقين حين يفرح المؤمنون بنصر الله، قال: وفي إشعاره تحذير من غلق المساجد وإيصادها وحجرها على القاصدين للتحنث فيها والخلوة بذكر الله، وليس رفع المساجد منعها بل رفعها أن لا يذكر فيها غير اسم الله، قال تعالى: ﴿في بيوت أذن الله أن ترفع﴾ [النور: ٣٦] قال عمر ﵁ لما بنى الرحبة: من أراد أن يلغط أو يتحدث أو ينشد شعرًا فليخرج إلى هذه الرحبة، وقال ﷺ: «جنبوا مساجدكم صبيانكم ومجانينكم وسلّ سيوفكم وبيعكم وشراءكم، وابنوا على أبوابها المطاهر» ففي حل ذلك إنباء بأن من عمل في مساجد الله بغير ما وضعت له من ذكر الله كان ساعيًا في خرابها وناله الخوف في محل الأمن - انتهى.
ولما أفهمت الآية أنه حصل لأولياء الله منع من عمارة بيت الله بذكره وكان الله تعالى قد منّ على هذه الأمة بأن جعل الأرض كلها لها مسجدًا سلّى المؤمنين بأنهم أينما صلوا بقصد عبادته لقيهم ثوابه، لأنه لا يختص به جهة دون جهة، لأن ملكه للكل على حدّ سواء؛ فكان كأنه قيل: فأقيموا الصلاة التي هي أعظم ذكر الله حيثما كنتم فإنه لله، كما أن المسجد الذي مُنعتموه لله؛ وعطف عليه قوله: ﴿ولله﴾ أي الذي له الكمال كله ﴿المشرق﴾ أي موضع الشروق وهو مطلع الأنوار ﴿والمغرب﴾ وهو موضع أفولها، فأنبأ تعالى كما قال الحرالي بإضافة جوامع الآفاق إليه إعلامًا بأن الوجهة لوجهه لا للجهة، من حيث إن الجهة له - انتهى.
[ ٢ / ١٢١ ]
ولما كان هذان الأفقان مدارًا للكواكب من الشمس وغيرها عبر بهما عن جميع الجهات، لتحول الأفلاك حال الدوران
[ ٢ / ١٢٢ ]
إلى كل منهما. فلذلك تسبب عن ذكرهما قوله: ﴿فأينما تولوا﴾ أي فأي مكان أوقعتم فيه التولية للصلاة إلى القبلة التي أمرتم بالتولية إليها من بيت المقدس أو الكعبة أو غيرهما في النافلة ﴿فثَم﴾ أي فذلك الموضع، لأن «ثَمَّ» إشارة لظرف مكان ﴿وجه الله﴾ أي جهته التي وجهكم إليها أو مكان استقباله والتوجه إليه وما يستقبلكم من جلاله وجماله ويتوجه إليكم من بره وإفضاله. فإن نسبة جميع الأماكن والجهات في الإبداع والقرب والبعد وغير ذلك إليه واحدة. قال الحرالي: وأبهم المولى ليقع تولي القلب لوجه الله حين تقع محاذاة وجه الموجه الظاهر للجهة المضافة لله - انتهى.
[ ٢ / ١٢٣ ]
ولما أخبر من سعة فضله مبثوثًا في واسع ملكه بما وقفت العقول عن منتهى علمه علله بما صغُر ذلك في جنبه فقال: ﴿إن الله﴾ فذكره بالاسم الأعظم الجامع لجميع الأسماء ﴿واسع﴾ أي محيط بما لا تدركه الأوهام، فلا يقع شيء إلا في ملكه؛ وأصل الوسع تباعد الأطراف والحدود ﴿عليم﴾ فلا يخفى عليه فعل فاعل أي ما كان وكيف ما كان، فهو يعطي المتوجه إليه على قدر نيته بحسب بلوغ إحاطته وشمول علمه وقدرته.
قال الحرالي في شرح الأسماء: والسعة المزيد على الكفاية من نحوها إلى أن ينبسط إلى ما وراء امتدادًا ورحمة وعلمًا ﴿ورحمتي وسعت كل شيء﴾ [الأعراف: ١٥٦] ﴿للذين أحسنوا الحسنى وزيادة﴾ [يونس: ٢٦] ﴿لهم ما يشاؤون فيها ولدينا مزيد﴾ [المائدة: ٣٥] ولا تقع السعة إلا مع إحاطة العلم والقدرة وكمال الحلم وإفاضة الخير والنعمة لمقتضى كمال الرحمة، ولمسرى النعمة في وجوه الكفايات ظاهرًا وباطنًا خصوصًا وعمومًا لم يكد يصل الخلق إلى حظ من السعة، أما ظاهرًا فلا تقع منهم ولا تكاد «إنكم لن تسعوا الناس بمعروفكم»، وأما باطنًا بخصوص حسن الخلق فعساه
[ ٢ / ١٢٤ ]
يكاد. وقال في تفسيره: قدم تعالى: ﴿المشرق﴾ لأنه موطن بدو الأنوار التي منها رؤية الأبصار، وأعقبه بالمغرب الذي هو مغرب الأنوار الظاهرة وهو مشرق الأنوار الباطنة، فيعود التعادل إلى أن مشرق الأنوار الظاهرة هو مغرب الأنوار الباطنة «الفتنة ههنا من حيث يطلع قرن الشيطان - وأشار بيده نحو المشرق» «لا يزال أهل المغرب ظاهرين على الحق» انتهى. قلت: ومن ذلك حديث صفوان بن عسال ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إن لله بالمغرب بابًا - وفي رواية: باب التوبة مفتوح من قبل المغرب - مسيرة عرضه سبعون عامًا، لا يغلق ما لم تطلع الشمس من قبله»
أخرجه الطبراني والبغوي في تفسيره، وقد ظهر أن المغرب في الحديث المتقدم هو في الصحيح ما عدا المشرق الذي أشار إليه بالفتنة في الحديث الآخر، فالمغرب حينئذ المدينة وما ينسب إليها من جهة المشرق وما وراء ذلك من جهة الجنوب والشمال وما وراء ذلك من جهة الغرب إلى منتهى الأرض، فلا يعارض حينئذ حديث «وهم بالشام» فإنها من جملة المغرب على هذا التقدير، فدونك جمعًا طال ما دارت فيه الرؤوس وحارت فيه الأفكار في المحافل والدروس - والله الموفق.
[ ٢ / ١٢٥ ]
ولما أفاد ما تقدم وصفه تعالى بتمام القدرة واتساع الملك والفضل وشمول العلم كان من المحال افتقاره إلى شيء ولد أو غيره قدّم أهل الأديان الباطلة كلهم بافترائهم في الولد اليهود في عزير والنصارى في المسيح وعبدة الأوثان في الملائكة فقال معجبًا ممن اجترأ على نسبة ذلك إليه مع معرفة ما تقدم عاطفًا على ما سبق من دعاويهم: ﴿وقالوا اتخذ الله﴾ الذي له الكمال كله وعبر بقوله: ﴿ولدًا﴾ الصالح للذكر والأنثى لينظم بذلك مقالات الجميع. ولما كان العطف على مقالات أهل الكتاب ربما أوهم اختصاص الذم بهم حذفت واو العطف في قراءة ابن عامر على طريق الاستئناف في جواب من كأنه قال: هل انقطع حبل افترائهم؟ إشارة إلى ذم كل من قال بذلك، وذلك إشارة إلى شدة التباسها بما قبلها كما قال الإمام أبو علي الفارسي في كتاب الحجة، لأن جميع المتحزبين على أهل الإسلام مانعون لهم من إحياء المساجد بالذكر لشغلهم لهم بالعداوة عن لزومها، والحاصل أنه إن عطف كان انصباب الكلام إلى أهل الكتاب وأما غيرهم فتبع لهم للمساواة
[ ٢ / ١٢٦ ]
في المقالة، وإذا حذفت الواو انصب إلى الكل انصبابًا واحدًا.
ونزه نفسه الشريفة استئنافًا بقوله: ﴿سبحانه﴾ فذكر علم التسبيح الجامع لإحاطة المعنى في جوامع التنزيه كله، ثم جاء بكلمة الإضراب المفهمة الرد بالنفي فكأن الخطاب يفهم: ما اتخذ الله ولدًا ولا له ولد ﴿بل له ما﴾ فعبر بالأداة التي هي لغير العاقل تصلح له تعميمًا وتحقيرًا لهم ﴿في السماوات والأرض﴾ مما ادعت كل فرقة منهم فيه الولدية وغير ذلك.
ثم علله بقوله معبرًا بما يفهم غاية الإذعان: ﴿كل له قانتون﴾ أي مخلصون خاشعون متواضعون، لاستسلامهم لقضائه من غير قدرة على دفاع، ولا تطلع إلى نوع امتناع العاقل، غيره، حتى كأنهم يسعون
[ ٢ / ١٢٧ ]
في ذلك ويبادرون إليه مبادرة اللبيب الحازم. قال الحرالي: فجاء بالجمع المشعر كما يقال بالعقل والعلم لما تقدم من أنه لا عجمة ولا جمادية بين الكون والمكوّن، إنما يقع جمادية وعجمة بين آحاد من المقصرين في الكون عن الإدراك التام؛ والقنوت ثبات القائم بالأمر على قيامه تحققًا بتمكنه فيه.
انتهى.
ثم علل ذلك بما هو أعظم منه فقال: ﴿بديع السماوات والأرض﴾ أي خالقهما على غير مثال سبق، وما أبدع كلية أمر كان أحرى أن يكون ما في طيه وإحاطته وإقامته من الأشياء المقامة به من مبدعه فكيف يجعل له شبيه منه؟ لأن الولد مستخرج شبيه بما استخرج من عينه - ذكره الحرالي. ﴿وإذا قضى﴾ أي أراد ﴿أمرًا﴾ منهما أو من غيرهما، والقضاء إنفاذ المقدر. والمقدر ما حدّ من مطلق المعلوم - قاله الحرالي. ﴿فإنما يقول له كن﴾ من الكون وهو كمال البادي
[ ٢ / ١٢٨ ]
في ظاهره وباطنه ﴿فيكون﴾ فهو منزه عن حاجة التوالد وكل حاجة، وسر التعبير بالمضارع يذكر إن شاء الله تعالى في آل عمران. قال الحرالي: وصيغته تمادي الكائن في أطوار وأوقات وأسنان يمتد توالها في المكون إلى غاية الكمال - انتهى. قالوا: ورفع «يكون» للاستئناف أي فهو يكون، أو العطف على ﴿يقول﴾ إيذانًا بسرعة التكوين على جهة التمثيل، ومن قال بالأول منع العطف على ﴿يقول﴾ لاقتضاء الفاء أن القول مع التكوين فيلزم قدم التكوين، وقال الإمام أبو علي الفارسي في كتاب الحجة: إن ذلك لا يطرد في مثل ثاني حرفي آل عمران وهو قوله: ﴿ثم قال له كن فيكون﴾ [آل عمران: ٥٩] لأنه لا يحسن تخالف الفعلين المتعاطفين بالمضي وغيره، وأول قوله:
ولقد أمر على اللئيم يسبني فمضيت ثم أقول لا يعنيني
بأن معناه: مررت ماضيًا، وطعن فيه أبو شامة بأن يكون في الآية ماض مثله وقد صرح أبو علي والحق معه بأنه على بابه يعني؛ وفائدة التعبير
[ ٢ / ١٢٩ ]
به مضارعًا، تصوير الحال والإرشاد إلى أن التقدير: كن فكان، لأنه متى قضى شيئًا قال له: كن، فيكون، وجعل الأحسن عطفه على ﴿كن﴾ لأنه وإن كان بلفظ الأمر فمعناه الخبر أي يكون؛ وقال: إن ذلك أكثر اطرادًا لانتظامه لمثل قوله: ﴿ثم قال له كن فيكون﴾ [آل عمران: ٥٩] . وهذا الموضع مجمع على رفعه، وكذا قوله تعالى في الأنعام: ﴿ويوم يقول كن فيكون﴾ [الأنعام: ٧٣] . وإنما الخلاف في ستة مواضع اختص ابن عامر منها بأربعة: وهي هذا الموضع، وقوله تعالى في آل عمران: ﴿إذا قضى أمرًا فإنما يقول له كن فيكون﴾ [آل عمران: ٤٧]، وفي مريم مثله سواء، وفي غافر: ﴿فإذا قضى أمرًا فإنما يقول له كن فيكون﴾ [غافر: ٦٨]؛ ووافقه الكسائي في حرفين في النحل: ﴿إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون﴾ [النحل: ٤٠] وفي يس: ﴿إنما أمره إذا أراد شيئًا أن يقول له كن فيكون﴾ [يس: ٨٢] فجعلوا النصب
[ ٢ / ١٣٠ ]
في هذين عطفًا على ﴿يقول﴾ وفي الأربعة الأولى جوابًا للأمر في قوله: ﴿كن﴾ اعتبارًا بصورة اللفظ وإن لم يكن المعنى على الأمر فالتقدير: يقول له يكون فيكون، أي فيطاوع، فطاح قول من ضعفه بأن المعنى على الخبر وأنه لا يصح النصب إلا إذا تخالف الأمر وجوابه، وهذا ليس كذلك بل يلزم فيه أن يكون الشيء شرطًا لنفسه، لأن التقدير: إن يكن يكن؛ وصرح ابن مجاهد بوهم ابن عامر وأن هذا غير جائز في العربية، كما نقله عنه الإمام أبو شامة في شرح الشاطبية؛ فأمعنت النظر في ذلك لوقوع القطع بصحة قراءة ابن عامر لتواترها نقلًا عمن أنزل عليه القرآن، فلما رأيته لم ينصب إلا ما في حيز ﴿إذا﴾ علمت أن ذلك لأجلها لما فيها من معنى الشرط، فيكون مثل قوله تعالى في الشورى:
﴿ويعلم الذين يجادلون في آياتنا﴾ [الشورى: ٣٥] بنصب «يعلم» في قراءة غير نافع وابن عامر على بعض التوجيهات، وذلك ماش على نهج السداد من غير كلفة ولا استبعاد إذا تؤمل الكلام على «إذا» قال الرضي وهو العلامة نجم الدين محمد بن حسن الإستراباذي في الظرف من شرحه لقول العلامة أبي عمرو عثمان بن الحاجب في كافيته: ومنها «إذا» وهي للمستقبل وفيها معنى الشرط، فلذلك اختير بعدها الفعل، والأصل في استعمال «إذا» أن تكون لزمان من أزمنة المستقبل مختص من بينها بوقوع حدث فيه مقطوع به، ثم قال: وكلمة الشرط ما يطلب جملتين يلزم من وجود مضمون أولاهما فرضًا حصول
[ ٢ / ١٣١ ]
مضمون الثانية، فالمضمون الأول مفروض ملزوم، والثاني لازمه؛ ثم قال: و«إن» موضوعة لشرط مفروض وجوده في المستقبل مع عدم قطع المتكلم لا بوقوعه ولا بعدم وقوعه، وذلك لعدم القطع في الجزاء لا بالوجود ولا بالعدم، سواء شك في وقوعه كما في حقنا، أو لم يشك كان الواقعة في كلامه تعالى؛ وقال: ولا يكون الشرط في اسم إلا بتضمن معناها؛ ثم قال: فنقول: لما كان «إذا» للأمر المقطوع بوجوده في اعتقاد المتكلم في المستقبل لم يكن لمفروض وجوده، لتنافي القطع والفرض في الظاهر، فلم يكن فيه معنى «إن» الشرطية، لأن الشرط كما بينا هو المفروض وجوده، لكنه لما كان ينكشف لنا الحال كثيرًا في الأمور التي نتوقعها قاطعين بوقوعها عن خلاف ما نتوقعه جوّزوا تضمين «إذا» معنى «إن» كما في «متى» وسائر الأسماء الجوازم، فيقول القائل: إذا جئتني فأنت مكرم - شاكًا في مجيء المخاطب غير مرجح وجوده على عدمه بمعنى متى جئتني سواء؛ ثم قال: ولما كثر دخول معنى الشرط في «إذا» وخروجه عن أصله من الوقت المعين جاز استعماله وإن لم يكن فيه معنى «إن» الشرطية، وذلك في الأمور القطعية استعمال «إذا» المتضمنة لمعنى «إن»، وذلك لمجيء جملتين بعده على طرز الشرط والجزاء وإن لم يكونا شرطًا وجزاء، ثم قال في الكلام على الفاء في نواصب الفعل، وقد تضمر «أن» بعد الفاء والواو الواقعتين
[ ٢ / ١٣٢ ]
بعد الشرط قبل الجزاء، نحو إن تأتيني فتكرمني - أو لو.
تكرمني - آتك، أو بعد الشرط والجزاء، نحو إن تأتني آتك فأكرمك - أو: وأكرمك - وذلك لمشابهة الشرط في الأول والجزاء في الثاني المنفي، إذ الجزاء مشروط وجوده بوجود الشرط، ووجود الشرط مفروض، فكلاهما غير موصوفين بالوجود حقيقة، وعليه حمل قوله تعالى: ﴿إن يشأ يسكن الريح فيظللن﴾ - إلى قوله: ﴿ويعلم الذين يجادلون﴾ [الشورى: ٣٥] على قراءة النصب؛ ثم قال: وإنما صرفوا ما بعد فاء السببية من الرفع إلى النصب لأنهم قصدوا التنصيص على كونها سببية والمضارع المرتفع بلا قرينة مخلصة للحال والاستقبال ظاهر في معنى الحال، كما تقدم في باب المضارع، فلو أبقوه مرفوعًا لسبق إلى الذهن أن الفاء لعطف جملة حالية الفعل على الجملة التي قبل الفاء، يعني فكان يلزم أن يكون الكون قديمًا كالقول، فصرفه إلى النصب منبه في الظاهر على أنه ليس معطوفًا، إذ المضارع المنصوب بأن مفرد، وقبل الفاء المذكورة جملة، ويتخلص المضارع للاستقبال اللائق بالجزائية كما ذكرنا في المنصوب بعد إذن، فكان فيه شيئان: رفع جانب كون الفاء للعطف. وتقوية كونه للجزاء؛ فيكون إذن ما بعد الفاء مبتدأ محذوف الخبر وجوبًا - انتهى. فالتقدير هنا والله أعلم: فكونه واقع حق ليس بخيال كالسحر والتمويهات، فعلى هذا قراءة النصب أبلغ لظهورها في الصرف عن الحال إلى الاستقبال مع
[ ٢ / ١٣٣ ]
ما دلت عليه من سرعة الكون وأنه حق، ثم رأيت البرهان بن إبراهيم بن محمد السفاقُسي حكى في إعرابه ما خرجته عن ابن الضائع - يعني بالضاد المعجمة والعين المهملة - وهو الأستاذ أبو الحسن علي بن محمد بن يوسف الكُتامي شيخ أبي حيان فقال ما نصه: زاد ابن الضائع في نصب ﴿فيكون﴾ وجهًا حسنًا وهو نصبه في جواب الشرط وهو إذا، وكان مراده التسبيب عن الجواب كما ذكرت، قال السفاقسي: ويصح فيه وجه ثالث على مذهب الكوفيين وهو نصبه في جواب الحصر بإنما، لأنهم أجازوا: إنما هي ضربة أسد فيتحطم ظهره.
[ ٢ / ١٣٤ ]