ولما كان السياق ربما أفهم أنهم كلهم كذلك قال مستأنفًا نافيًا لذلك: ﴿ليسوا سوآء﴾ أي في هذه الأفعال، يثني ﷾ على من أقبل على الحق منهم وخلع الباطل ولم يراع سلفًا ولا خلفًا بعيدًا ولا قريبًا. ثم استأنف قوله بيانًا لعدم استوائهم: ﴿من أهل الكتاب﴾ فأظهر لئلا يتوهم عود الضمير على خصوص من حكم بتكفيرهم ﴿أمة﴾ أي جماعة يحق لها أن تؤم ﴿قائمة﴾ أي مستقيمة على ما أتاها به نبيها في الثبات على ما شرعه، متهيئة بالقيام للانتقال عنه عند مجيء الناسخ الذي بشر به ووصفه. غير زائغة بالإيمان ببعضه والكفر ببعضه. ثم ذكر الحامل على الاستقامة فقال: ﴿يتلون﴾ أي
[ ٥ / ٣١ ]
يتابعون مستمرين ﴿آيات الله﴾ أي علامات ذي الجلال والإكرام المنزلة الباهرة التي لا لبس فيها ﴿آناء الليل﴾ أي ساعاته ﴿وهم يسجدون *﴾ أي يصلون في غاية الخضوع. ثم ذكر ما أثمر لهم التهجد فقال: ﴿يؤمنون﴾ وكرر الاسم الأعظم إشارة إلى استحضارهم لعظمته فقال: ﴿بالله﴾ أي الذي له من الجلال وتناهي الكمال ما حير العقول. وأتبعه اليوم الذي تظهر فيه عظمته كلها، لأنه الحامل على كل خير فقال: ﴿واليوم الآخر﴾ أي إيمانًا يعرف أنه حق بتصديقهم له بالعمل الصالح بما يرد عليهم من المعارف التي ما لها من نفاد، فيتجدد تهجدهم فتثبت استقامتهم.
ولما وصفهم بالاستقامة في أنفسهم في أنفسهم وصفهم بأنهم يقوّمون غيرهم فقال: ﴿ويأمرون بالمعروف﴾ أي مجددين ذلك مستمرين عليه ﴿وينهون عن المنكر﴾ لذلك، ولما ذكر فعلهم للخير ذكر نشاطهم
[ ٥ / ٣٢ ]
في جميع أنواعه فقال: ﴿ويسارعون في الخيرات﴾ ولما كان التقدير: فأولئك من المستقيمين، عطف عليه: ﴿وأولئك﴾ أي العالو الرتبة ﴿من الصالحين *﴾ إشارة إلى أن من لم يستقم لم يصلح لشيء، وأرشد السياق إلى أن التقدير: وأكثرهم ليسوا بهذه الصفات.
ولما كان التقدير: فما فعلوا من خير فهو بعين الله ﷾، يشكره لهم، عطف عليه قوله: ﴿وما تفعلوا﴾ أي أنتم ﴿من خير﴾ من إنفاق أو غيره ﴿فلن تكفروه﴾ بل هو مشكور لكم بسبب فعلكم، وبني للمجهول تأدبًا معه ﷾، وليكون على طريق المتكبرين. وعطف على ما تقديره: فإن الله عليم بكل ما يفعله الفاعلون، قوله: ﴿والله﴾ أي المحيط بكل شيء ﴿عليم بالمتقين *﴾ من الفاعلين الذين كانت التقوى حاملة لهم
[ ٥ / ٣٣ ]
على كل خير، فهو يثيبهم أعظم الثواب، ويغيرهم فهو يعاقبهم بما يريد من العقاب، هذا على قراءة الخطاب، وأما على قراءة الغيبة فأمرها واضح في نظمها بما قلته.
ولما رغبهم في الإنفاق بما يشمل كل خير وأخبرهم بأنه عالم بدقة وجله، وأخبر أن ذلك كان دأب إسرائيل ﵊ على وجه أنتج أن بنيه كاذبون في ادعائهم أنهم على ملة جده إبراهيم ﵊، ثم حذر منهم وختم ما ختمه بالمتقين بالترغيب في الخير بما اندرج فيه الإنفاق الذي قدم أول السورة أنه من صفة المتقين المستغفرين بالأسحار التي هي أشرف آناء الليل وكان مما يمنع منه خوفُ الفقر والنزول عن حال الموسرين من الكفار المفاخرين بالإكثار المعيرين بالإقلال من المال والولد وقوفًا مع الحال الدنيوي، وكان قد أخبر أنه لا يقبل من أحد منهم في الآخرة ملء الأرض ذهبًا، أعقب هذا بمثل ذلك على وجه أعم فقال - واصفًا أضداد من تقدم، نافيًا ما يعتقدون من أن أعمالهم الصورية تنفعهم -: ﴿إن الذين
[ ٥ / ٣٤ ]
كفروا﴾ أي بالله بالميل عن المنهج القويم وإن ادعوا الإيمان به نفاقًا أو غيره ﴿لن تغني عنهم أموالهم﴾ أي وإن كثرت ﴿ولا أولادهم﴾ وإن عظمت ﴿من الله﴾ أي الملك الذي لا كفوء له ﴿شيئًا﴾ أي من الإغناء تأكيدًا لما قرر من عدم نصرة أهل الكتاب الذين حملهم على إيثار الكفر على الإيمان استجلاب الأموال والرئاسة على الأتباع على وجه يعم جميع الكفار - كما قال في أول السورة - سواءً.
ولما كان التقدير: فأولئك هم الخاسرون، عطف عليه قوله: ﴿وأولئك أصحاب النار﴾ أي هم مختصون بها، ثم استأنف ما يفيد ملازمتها فقال: ﴿هم فيها خالدون *﴾ ولما كان ربما قيل: فما حال ما يبدلونه في المكارم ويواسون به في المغارم؟ ضرب لذلك مثلًا جعله هباء منثورًا، ضائعًا وإن كثر بورًا، كأن لم يكن شيئًا مذكورًا، بقوله ﷾ جوابًا لهذا السؤال: ﴿مثل ما ينفقون﴾ أي من المال، وحقر قصدهم بتحقير محطه فقال: ﴿في هذه الحياة الدنيا﴾ أي على وجه القربة أو غيرها، لكونهم ضيعوا الوجه الذي به يقبل، وهو الإخلاص. ومثل إنفاقهم له ومثل حرث أصيب بالريح ﴿كمثل ريح فيها صر﴾ أي برد شديد ﴿أصابت حرث قوم﴾ موصوفين بأنهم
[ ٥ / ٣٥ ]
﴿ظلموا أنفسهم﴾ أي بالبناء على غير أساس الإيمان ﴿فأهلكته﴾ فمثل ما ينفقون في كونه لم ينفعهم في الدنيا بإنتاج ما أرادوا في الدنيا وضرهم في الدارين، أما في الدنيا فبضياعه في غير شيء، وأما في الآخرة فبالمعاقبة عليه لتضييع أساسه وقصدهم الفاسد به، مثل الزرع الموصوف فإنه لم ينفع أهله الموصوفين، بل ضرهم في الدنيا بضياعه، وفي الآخرة بما قصدوا به من المقصود الفاسد، ومثل إنفاقهم له في كونه ضرهم ولم ينفعهم مثل الريح في كونها ضرت الزرع ولم تنفعه، فلما كانت الريح الموصوفة أمرًا مشاهدًا جليًا جعلت في إهلاكها مثلًا لضياع أنفاقهم الذي هو أمر معنوي خفي، ولما كان الزرع المحترق أمرًا محسوسًا جعل فيما حصل له بعد التعب من العطب مثالًا لأمر معقول، وهو أموالهم في كون إنفاقهم إياها لم يثمر لهم شيئًا غير الخسارة والتعب، فالمثلان ضياع الرزع والإنفاق، وضياع الزرع أظهر فهو مثل لضياع الإنفاق لأنه أخفى، وقد بان أن الآية من الاحتباك: حذف أولًا مثل الإنفاق لدلالة الريح عليه، وثانيًا الحرث لدلالة ما ينفق عليه.
ولما كان ﷾ موصوفًا بأنه الحكم العدل القائم بالقسط وأنه لا ينسى خيرًا فعل قال دفعًا لتوهم أن ذلك بخس: ﴿وما ظلمهم﴾ أي الممثل بهم والممثل لهم ﴿الله﴾ الملك الأعظم الغنيّ الغِنى المطلق
[ ٥ / ٣٦ ]
لأنه المالك المطلق، وقد كفروا، أما الممثل لهم فبكونهم أنفقوا على غير الوجه الذي شرعه، وأما الممثل بهم فبكونهم لم يحرسوا زرعهم بالطاعات، وفي الآية دليل على أن أهل الطاعات تحرس ضوائعهم من الآفات وتخرق فيها العادات، ثم قال: ﴿ولكن﴾ لوما كان الممثل لأجلهم الذين كفروا أعم من أن يموتوا عليه أو يسلموا لم يعبر في الظلم بما تقتضيه الجبلة من فعل الكون وقال: الأساس بكفرهم، وأن ظلمهم مقصور على أنفسهم، لا يتعداها إلى غيرها وإن ظهر لإنفاقهم نكاية في عدوهم، فإن العاقبة لما كانت للمؤمنين كانت نكايتهم كالعدم، بل هي زيادة في وبالهم، فهي من ظلمهم لأنفسهم.
[ ٥ / ٣٧ ]