ولما تقرر بما أنبأ من بديع آياته في منبث مصنوعاته أن عظمته تقصر عنها الأوهام وتنكص خاسئةً دونها نوافذ الأفهام عجب من الجرأة عليه بما استوى فيه حال الجهلة من العرب بالعلماء من أهل الكتاب تبكيتًا لهم وتنفيرًا منهم بأنه لا حامل لهم على الرضى لأنفسهم بالنزول من أوج العلم إلى حضيض أهل الجهل إلا اتباع الهوى فقال: ﴿وقال الذين لا يعلمون﴾ أي ليس لهم علم من العرب ﴿لولا﴾ أي هلا ﴿يكلمنا الله﴾ أي يوجد كلامه لنا على ما له من جميع الصفات
[ ٢ / ١٣٤ ]
﴿أو تأتينا آية﴾ أي على حسب اقتراحنا عادّين ما آتاهم من الآيات - على ما فيها من آية القرآن التي لا يوازيها آية أصلًا - عدمًا.
ولما كان قولهم هذا جديرًا بأن لا يصدق نبه عليه بقوله: ﴿كذلك﴾ أي الأمر كما ذكرنا عنهم. ولما كان كأنه قيل: هل وقع مثل هذا قط؟ قيل: نعم، وقع ما هو أعجب منه، وهو أنه ﴿قال الذين﴾ ولما كان المراد بعض من تقدم أدخل الجار فقال: ﴿من قبلهم﴾ ممن ينسب إلى العلم من أهل الكتاب ﴿مثل قولهم﴾، ثم علله بقوله: ﴿تشابهت قلوبهم﴾ في هذا وإن كانت مختلفة باعتبار العلم، وفي ذلك تسلية للنبي ﷺ بأنه كما تعنت عليه تعنت على من قبله. ولما كان ذلك توقّع السامع الإخبار عن البيان فكان كأنه قيل: هل قالوا ذلك جهلًا أو عنادًا؟ فقيل: بل عنادًا لأنا ﴿قد بينا الآيات﴾ في كل آية في الكتاب المبين المسموع والكتاب الحكيم المرئي. ولما كان يقع البيان خاصًا بأهل الإيقان قال: ﴿لقوم يوقنون﴾ وفيه بعث
[ ٢ / ١٣٥ ]
للشاك على تعاطي أسباب الإيقان، وهو صفاء العلم عن كدر بطرق الريب لاجتماع شاهدي السمع والعين. قال الحرالي: وفيه إشارة لما حصل للعرب من اليقين، كما قال سيد العرب علي ﵁: لو كشف الغطاء ما ازددت يقينًا. استظهارًا لما بطن من عالم الملكوت على ظاهر عالم الملك إكمالًا للفهم عن واضح هذا البيان الذي تولاه الله ومن اصطفاه الذي اشتمل عليه استتباع ضمير ﴿بينا﴾؛ وفي استواء العالم وغيره في الجهل بعد البيان دليل على مضمون التي قبلها في أن ما أراد كان. ولما تضمن هذا السياق الشهادة بصحة رسالته ﷺ وأنه ليس عليه إلا البيان صرح بالأمرين في قوله مؤكدًا لكثرة المنكرين ﴿إنا أرسلناك﴾ هذا على أن يكون المراد بذلك جميع الأمم،
[ ٢ / ١٣٦ ]
أما إذا أريد هذه الأمة فقط فيكون المعنى: قد بينا الآيات الدالات على طريق الحق بأعظم برهان وبالإخبار عن دقائق لا يعلمها إلا حُذّاق أهل الكتاب لقوم يحق عليهم الإيقان لما وضح لهم من الأدلة، ثم علل ذلك لقوله: ﴿إنا أرسلناك﴾ إرسالًا ملتبسًا ﴿بالحق﴾ أي بالأمر الكامل الذي يطابقه الواقع في كل جزئية يخبر بها.
قال الحرالي: والحق التام المكمل بكلمة «أل» هو استنطاق الخلق عن أمر الله فيهم على وجه أعلى لرسالته العلية الخاصة به عن عموم مّا وقعت به رسالة المرسلين من دون هذا الخصوص، وذلك «حق» منكر، كما تقدم أي عند قوله: ﴿وهو الحق مصدقًا لما معهم﴾ [البقرة: ٩١] لأن ما أحق غيبًا مما أنزله الله فهو «حق» حتى السحر، وما أظهر غيب القضاء والتقدير وأعلن بإبداء حكمة الله على ما أبداها من نفوذ مشيئته في متقابل ما أبداه من خلقه فهو «الحق» الذي خلقت به السماوات والأرض ابتداء وبه ختمت الرسالة انتهاء لتطابق الأول والآخر كمالًا، حال كونك ﴿بشيرًا ونذيرًا﴾ وقال الحرالي: لما أجرى الله سبحانه من الخطاب عن أهل الكتاب والعرب نبّأ ردهم لما أنزل أولًا وآخرًا ونبأ ما افتروه مما لا شبهة فيه دعواه أعرض بالخطاب عن الجميع وأقبل به على النبي ﷺ تسلية له وتأكيدًا لما أعلمه به في أول السورة من أن الأمر مجرى على
[ ٢ / ١٣٧ ]
تقديره وقسمته الخلق بين مؤمن وكافر ومنافق، فأنبأه تعالى أنه ليس مضمون رسالته أن يدعو الخلق إلى غير ما جبلوا عليه، وأن مضمون رسالته أن يستظهر خبايا الأفئدة والقلوب على الألسنة والأعمال، فيبشر المهتدي والثابت على هدى سابق، وينذر الأبيّ والمنكر لما سبق إقراره به قبل، فعم بذلك الأولين والآخرين من المبشرين والمنذرين - انتهى - أي فليس عليك إلا ذلك فبشر وأنذر فإنما عليك البلاغ وليس عليك خلق الهداية في قلوب أهل النعيم ﴿ولا تسأل﴾ ويجوز أن يكون حالًا من ﴿أرسلناك﴾ أو من ﴿بشيرًا﴾ ﴿عن أصحاب الجحيم﴾ والمراد بهم من ذكر في الآية السابقة من الجهلة ومن قبلهم، أي عن أعمالهم لتذهب نفسك عليهم حسرات لعدم إيمانهم، كما قال تعالى ﴿ولا تسألون عما كانوا يعملون﴾ [البقرة: ١٤١] أي فحالك مستو بالنسبة إلينا وإليهم. لأنك إن بلغتهم جميع ما أرسلت به إليهم لم نحاسبك بأعمالهم، وإن تركت بعض ذلك محاسنة لهم لم يحبّوك ما دمت على دينك فأقبل على أمرك ولا تبال بهم، وهو معنى قراءة نافع ﴿ولا تسأل﴾ على النهي، أي
[ ٢ / ١٣٨ ]
احتقرهم فإنهم أقل من أن يلتفت إليهم، فبلغهم جميع الأمر فإنهم لا يحبونك إلا إذا انسخلت مما أنت عليه؛ وفي الحكم بكونهم أصحابها إثبات لما نفوه عن أنفسهم بقوله: ﴿لن تمسنا النار﴾ [البقرة: ٨٠] ونفى لما خصصوا به أنفسهم في قولهم: ﴿لن يدخل الجنة﴾ [البقرة: ١١١] الآية، والجحم قال الحرالي: انضمام الشيء وعظم فيه، ومن معنى حروفه الحجم وهو التضام وظهور المقدار إلا أن الحجم فيما ظهر كالأجسام والجحم - بتقديم الجيم - فيما يلطف كالصوت والنار.
ولما جرت العادة بأن المبشر يسرّ بالبشير أخبر تعالى أن أهل الكتاب في قسم المنذرين فهم لا يزالون عليه غضابًا فقال عطفًا على ما اقتضاه ما قبله: ﴿ولن ترضى﴾ من الرضى وهو إقرار ما ظهر عن
[ ٢ / ١٣٩ ]
إرادة - قاله الحرالي: ﴿عنك اليهود ولا النصارى﴾ لشيء من الأشياء ﴿حتى تتبع ملتهم﴾ أي حتى تكون بشيرًا لهم، ولن تكون بشيرًا لهم حتى توافقهم فيما أحدثوه من أهوائهم بأن تتبع كتابهم على ما بدلوا فيه وحرفوا وأخفوا على ما أفهمته إضافة الملة إليهم لا إلى صاحبها المعصوم وهو إبراهيم ﵇، ويكون ذلك برغبة منك تامة على ما أفهمته صيغة الافتعال وتترك كتابك الناسخ لفروع كتابهم، والملة قال الحرالي: الأخذ والعمل بما في العقل هدايته من إعلام المحسوسات. ولما قيل ذلك اقتضى الحال سؤالًا وهو: فما أقول؟ فقال: ﴿قل﴾ ولم يقيده بلهم إعراضًا عنهم ﴿إن هدى الله﴾ الذي هو جميع
[ ٢ / ١٤٠ ]
ما أنزل الجامع لصفات الكمال على رسله من كتابي وكتابكم ﴿هو﴾ أي خاصة ﴿الهدى﴾ أي كله مشيرًا بأداة التعريف إلى كمال معناه، وبالحصر إلى أن غيره هو الهوى؛ وأضافه إلى الاسم الأعظم وأكده بأن وأعاده بلفظه وعبر عنه بالمصدر واستعمل فيه ضمير الفصل ردًا لإنكارهم له، فإن اتبعوه كله فآمنوا بأن كتابهم داع إلى كتابك فبشرهم، وإن لم يتبعوه فالزم إنذارهم، وفي الآية إشارة إلى ذلك الكتاب لا ريب فيه.
ثم عطف على ما أفهمه السياق من نحو: فلئن زغت عنه لتتركن الهدى كله باتباع الهوى، قوله: ﴿ولئن اتبعت أهواءهم﴾ الداعية لهم إلى تغيير كتابهم. قال الحرالي: فأظهر إفصاحًا ما أفهمته إضافة الملة إليهم من حيث كانت وضعًا بالهوى لا هداية نور عقل كما هي في حق الحنيفيين - انتهى. ولما كان الكلام هنا في أمر الملة التي هي ظاهرة للعقل أسقط من وأتى بالذي بخلاف ما يأتي في القبلة فقال:
[ ٢ / ١٤١ ]
﴿بعد الذي﴾ قال الحرالي: أشارت كلمة ﴿الذي﴾ إلى معنى قريب من الظاهر المحسوس كأنه عَلَم ظاهر، ففيه إنباء بأن أدنى ما جاءه من العلم مظهر لإبطال ما هم عليه في وجوه تلبيسهم وأهوائهم ﴿جاءك من العلم﴾ بأنهم على ضلال وأنك على جميع الهدى. وخاطبهم بذلك ﷺ والمراد والله أعلم من اتبع أهواءهم بعد الإسلام من المنافقين تمسكًا بولايتهم طمعًا في نصرتهم ولذا ختم بقوله: ﴿ما لك من الله﴾ الذي له الأمر كله ولا كفؤ له، وأكد النفي بالجار فقال: ﴿من ولي ولا نصير﴾ .
ولما أفصح بمن يستحق النذارة منهم بتغيير الدين بأهوائهم فأفهم
[ ٢ / ١٤٢ ]
من يستحق البشارة تلاه بالإفصاح بالقسمين: من يستحق البشارة منهم، ومن يستحق النذارة، فقال: ﴿الذين آتيناهم الكتاب﴾ أي التوراة والإنجيل ﴿يتلونه حق تلاوته﴾ قال ابن عباس ﵄: يتبعونه حق اتباعه، من تلا فلان فلانًا إذا تبعه - رواه عنه أبو عبيد.
وهي ناظرة إلى قوله قريبًا: ﴿وهم يتلون الكتاب﴾ أي لا حق تلاوته بل تلاوة ليس فيها تدبّر لمعانيه ولا عمل بما فيه؛ هذا إذا جعلناه حالًا، وإن جعلناه خبرًا وقوله: ﴿أولئك﴾ أي العظيمو الرتبة خاصة ﴿يؤمنون به﴾ خبرًا ثانيًا فالمعنى أن من لم يؤمن بالكتاب حق الإيمان من غير تحريف له، لا إخفاء لشيء فيه لما انتفى عنهم المقصود بالذات وهو الانتفاع بالكتاب المؤتى انتفى عنهم أصل الإيتاء لأنه تجرد عن الفائدة؛ والضمير في ﴿به﴾ يصح أن يكون للهدى. قال الحرالي: وحقية الأمر هي وفاؤه إلى غايته، والإحاطة به إلى جماع حدوده حتى لا يسقط منه شيء ولا يقصر فيه غاية إشعارًا باشتمال الكتاب على أمر محمد ﷺ.
[ ٢ / ١٤٣ ]
ولما وصف المؤمنين به ولم يبين ما لهم أتبعه بالكافرين فقال: ﴿ومن يكفر به﴾ أي بالكتاب، ثم حصر الخسر فيهم بقوله: ﴿فأولئك﴾ أي البعداء البغضاء ﴿هم﴾ خاصة ﴿الخاسرون﴾ فافهم أن المؤمنين به هم الرابحون؛ ومن الوصف بالخسار يعلم أنهم كانوا على حق وشيء يمكن الربح فيه بتكملة الإيمان بكتابهم بالإيمان بالكتاب الخاتم فضيعوه فخسروا، فإنه لا يخسر إلا من له أصل مال متهيىء للنماء والربح - والله أعلم.
ولما طال المدى في استقصاء تذكيرهم بالنعم ثم في بيان عوارهم وهتك أستارهم وختم ذلك بالترهيب بخسارهم لتضييع أديانهم بأعمالهم
[ ٢ / ١٤٤ ]
وأحوالهم وأقوالهم أعاد ما صدر به قصتهم من التذكير بالنعم والتحذير من حلول النقم يوم يجمع الأمم ويدوم فيه الندم لمن زلت به القدم، ليعلم أن ذلك فذلكة القصة والمقصود بالذات في الحث على انتهاز الفرصة في التفصّي عن حرمة النقص إلى لذة الربح بدوام الشكر. قال الحرالي: فلبعده بالتقدم كرره تعالى إظهارًا لمقصد التئام آخر الخطاب بأوله وليتخذ هذا الإفصاح والتعليم أصلًا لما يمكن أن يرد من نحوه في سائر القرآن حتى كأن الخطاب إذا انتهى إلى غاية خاتمة يجب أن يلحظ القلب بداية تلك الغاية فيتلوها ليكون في تلاوته جامعًا لطرفي البناء وفي تفهمه جامعًا لمعاني طرفي المعنى؛ انتهى - فقال تعالى: ﴿يا بني إسرائيل﴾ أي ولد الأنبياء الأصفياء ووالد الأنبياء السعداء ﴿اذكروا نعمتي﴾ أي الشريفة بالنسبة إليّ ﴿التي أنعمت عليكم﴾ بها في الدنيا ﴿وأني فضلتكم﴾ واقتصر هنا على نعمة التفضيل ولم يذكر الوفاء الذي هو فضيلة النفس الباطنة إشارة إلى جمودهم باقتصارهم على النظر في الظاهر على ﴿العالمين﴾ في تلك الأزمان كلها بإتمام نعمة الدنيا بشرع الدين المقتضى للنعمة في الأخرى، فإنكم إذا ذكرتم النعمة شكرتموها فقيدتموها واستوجبتم من
[ ٢ / ١٤٥ ]
الله الزيادة في الدنيا والرضى في العقبى ﴿واتقوا يومًا لا تجزي﴾ أي تقضى، أي يصنع فيه ﴿نفس عن نفس شيئًا﴾ أي من الجزاء.
ولما ختمت الآية الماضية بحصر الخسارة فيهم ناسب تقديم نفي القبول فقال: ﴿ولا يقبل منها عدل﴾ يبذل في فكاكها من غير الأعمال الصالحة ﴿ولا تنفعها شفاعة﴾ غير مأذون فيها ﴿ولا هم ينصرون﴾ وإن كثرت جموعهم. قال الحرالي: أجراها تعالى في هذا التكرار على حدها في الأول إلا ما خالف بين الإيرادين في قوله ﴿واتقوا يومًا﴾ إلى آخره ليجمع النبأ في كل واحد من الشفاعة والعدل بين مجموع الردين من الأخذ والقبول فيكون شفاعتها لا مقبولة ولا نافعة، ويكون عدلها لا مأخوذًا ولا مقبولًا، ذلك لأن المعروض للقبول أول ما يؤخذ أخذًا بحسبه من أخذ سمع أو عين، ثم ينظر إليه نظر تحقيق في المسموع وتبصر في المنظور، فإذا صححه التحقيق والتبصير قُبل، وإذا لم يصححه رد، وإنما يكون ذلك لمن في حاله حظ صحة ظاهرة لا يثبت مع الخبرة، فأنبأ تعالى بمضمون الآيتين الفاتحة والخاتمة أن
[ ٢ / ١٤٦ ]
هؤلاء ليس في حالهم حظ صحة البتة لا في شفاعة ولا في عدل فلا يقبل ولا يؤخذ إنباء بغرائه عن لبسه ظاهر صحة يقتضي أخذه بوجه مَّا، ففيه تبرئة ممن حاله حال ما نبّىء به عنهم على ما تقدم معناه في مضمون الآية، وبهذه الغاية انصرف الخطاب عنهم على خصوص ما أوتوا من الكتاب الذي كان يوجب لهم أن يتديّنوا بقبول ما جاء مصدقًا لما معهم فاتخذوا لهم بأهوائهم ملة افتعلتها أهواؤهم، فنظم تعالى بذلك ذكر صاحب الملة التي يرضاها وافتتح بابتداء أمره في ابتلائه ليجتمع عليهم الحجتان السابقة بحسب الملة الحنيفية الإبراهيمية واللاحقة بحسب الدين المحمدي، كان ﷺ يقول في الصباح: «أصبحنا على فطرة الإسلام وكلمة الإخلاص وعلى دين نبينا محمد ﷺ وعلى ملة أبينا إبراهيم ﷺ» فخص المحمدية بالدين والإبراهيمية بالملة لينتظم ابتداء الأبوة الإبراهيمية بطوائف أهل الكتاب سابقهم ولاحقهم بنبأ ابتداء الأبوة الآدمية في متقدم قوله تعالى: ﴿وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة﴾ - الآيات لينتظم رؤوس الخطابات بعضها ببعض وتفاصيلها بتفاصيلها، وليكون إظهار ذلك
[ ٢ / ١٤٧ ]
في سورة سنام القرآن أصلًا لما في سائره من ذلك، وذكر قبل ذلك أن الملة ما يدعو إليه هدى العقل المبلغ عن الله توحيده من ذوات الحنيفيين، وأن الدين الإسلام، والإسلام إلقاء ما باليد ظاهرًا وباطنًا، وذلك إنما يكون عن بادي غيب التوحيد - انتهى.
ولما عاب سبحانه أهل الضلال وكان جُلُّهم من ذرية إبراهيم ﵇ وجميع طوائف الملل تعظمه ومنهم العرب وبيته الذي بناه أكبر مفاخرهم وأعظم مآثرهم ذكر الجميع ما أنعم به عليه تذكيرًا يؤدي إلى ثبوت هذا الدين باطلاع هذا النبي الأمي الذي لم يخالط عالمًا قط على ما لا يعلمه إلا خواص العلماء، وذكر البيت الذي بناه فجعله الله عماد صلاحهم، وأمر بأن يتخذ بعض ما هناك مصلى تعظيمًا لأمره وتفخيمًا لعلي قدره؛ وفي التذكير بوفائه بعد ذكر الذين وفوا بحق التلاوة وبعد دعوة بني إسرائيل عامة إلى الوفاء بالشكر حث على الاقتداء به، وكذا في ذكر الإسلام والتوحيد هزّ لجميع من يعظمه إلى اتباعه في ذلك.
وقال الحرالي: لما وصل الحق تعالى بالدعوة العامة الأولى في قوله تعالى: ﴿يا أيها الناس﴾ ذكر أمر آدم وافتتاح استخلافه ليقع بذلك جمع الناس كافة في طرفين في اجتماعهم في أب واحد
[ ٢ / ١٤٨ ]
ولدين واحد نظم تعالى بذلك وصل خطاب أهل الكتاب بذكر إبراهيم، ليقع بذلك اجتماعهم أيضًا في أب واحد وملة واحدة اختصاصًا بتبعية الإمامة الإبراهيمية من عموم تبعية الخلافة الآدمية تنزيلًا للكتاب وترفيعًا للخلق إلى علو اختصاص الحق، فكما ذكر تعالى في الابتداء تذكيرًا معطوفًا على أمور تجاوزها الإفصاح من أمر آدم عطف أيضًا التذكير بابتداء أمر إبراهيم ﵇ على أمور تجاوزها الإفصاح هي أخص من متجاوز الأول كما أن إفصاحها أخص من إفصاحها وأعلى رتبة من حيث إن الخلق والأمر مبدوء من حد لم يزل ولا يزال يتكامل إلى غاية ليس وراءها مرمى فقال تعالى: ﴿وإذ ابتلى إبراهيم﴾ انتهى. والمعنى أنه عامله بالأمر بأمور شاقة معاملة المختبر الممتحن، وقال:
[ ٢ / ١٤٩ ]
﴿ربه﴾ أي المحسن إليه إشعارًا بأن تكليف العباد هو غاية الإحسان إليهم وفي ابتداء قصته بقوله: ﴿بكلمات فأتمهن﴾ بيان لأن أسنى أحوال العباد الإذعان والتسليم لمن قامت الأدلة على صدقه والمبادرة لأمره دون اعتراض ولا توقف ولا بحث عن علة، وفي ذلك إشارة إلى تبكيت المدعين لاتباعه من بني إسرائيل حيث اعترضوا في ذبح البقرة وارتكبوا غاية التعنت مع ما في ذبحها من وجوه الحكم بعد أن أساؤوا الأدب على نبيهم في ذلك وفي غيره في أول أمرهم وأثنائه وآخره فأورثهم ذلك نكالًا وبعدًا، فظهر أن الصراط المستقيم حال إبراهيم ومن ذكر معه من الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام، وأنهم المنعم عليهم؛ والظاهر عطف ﴿إذ﴾ على ﴿نعمتي﴾ في قوله ﴿يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم﴾ [البقرة: ١٢٢] أي واذكروا إذ ابتلى أباكم إبراهيم فأتم ما ابتلاه به فما لكم أنتم لا تقتدون به فتفعلوا عند الابتلاء فعله في إيفاء العهد والثبات على الوعد لأجازيكم على ذلك جزائي للمحسنين، والإتمام التوفية لما له صورة تلتئم من أجزاء وآحاد - قاله الحرالي.
فكأنه قيل: فما جوزي على شكره بالإتمام قبل؟ ﴿قال﴾ له ربه، ويجوز أن يكون «قال» بيانًا لابتلى ﴿إني جاعلك للناس﴾ أي كافة ﴿إمامًا﴾ كما كانت خلافة أبيه آدم لبنيه كافة، والإمام ما يتبع هداية إلى سداد -
[ ٢ / ١٥٠ ]
قاله الحرالي. واستأنف قوله: ﴿قال﴾ أي إبراهيم ﴿ومن﴾ أي واجعل من ﴿ذريتي﴾ أئمة ﴿قال لا ينال﴾ أي قد أجبتك وعاهدتك بأن أحسن إلى ذريتك لكن لا ينال ﴿عهدي﴾ الذي عهدته إليك بالإمامة ﴿الظالمين﴾ منهم، لأنهم نفوا أنفسهم عنك في أبوة الدين؛ وفي ذلك أتم ترغيب في التخلق بوفائه لا سيما للذين دعوا قبلها إلى الوفاء بالعهد، وإشارة إلى أنهم إن شكروا أبقى رفعتهم كما أدام رفعته، وإن ظلموا لم تنلهم دعوته فضربت عليهم الذلة وما معها ولا يجزي أحد عنهم شيئًا ولا هم ينصرون؛ والذرية مما يجمع معنى الذرّ والدرء، والذريّ مختلف كونه على وجوه اشتقاقه، فيكون فعلولة كأنه ذرورة ثم خفف بقلب الراء ياء استثقالًا للتضعيف ثم كسر ما قبل الياءين تحقيقًا لهما. لأنه اجتمع بعد القلب واو وياء سبقت إحداهما بالسكون فقلبت الواو ياء، أو تكون فعليّة من الذر منسوبًا، ومن الذر مخفف فعولة بقلب الهمزة ياء ثم الواو ياء لاجتماعها معها سابقة إحداهما
[ ٢ / ١٥١ ]
بالسكون ثم الإدغام، أو فعيلة إن يكن في الكلام لما فيه من ثقل اجتماع الضم والكسر - قاله الحرالي، وفيه تصرف.
ولما كان من إمامته اتباع الناس له في حج البيت الذي شرفه الله ببنائه قال إثر ذلك ناعيًا على أهل الكتاب مخالفته وترك دينه وموطئًا لأمر القبلة: ﴿وإذ جعلنا البيت﴾ أي الذي بناه إبراهيم بأم القرى ﴿مثابة للناس﴾ أي مرجعًا يرجعون إليه بكلياتهم. كلما تفرقوا عنه اشتاقوا إليه هم أو غيرهم آية على رجوعهم من الدنيا إلى ربهم. قال الحرالي: وهو مفعلة من الثوب وهو الرجوع تراميًا إليه بالكلية. وفي صيغة المفعلة دوام المعاودة مثابرة ﴿وأمنًا﴾ لكونه بيت الملك.
[ ٢ / ١٥٢ ]
من حرب الدنيا ومن عذاب الآخرة إلا في حق من استثناه الله من الكافرين فعلًا بالشرك وقوة بالإلحاد، والأمن براءة عيب من تطرق أذى إليه - قاله الحرالي. وقد كانوا في الجاهلية يرى الرجل قاتل أبيه في الحرم فلا يتعرض له. قال الأصبهاني: وهذا شيء توارثوه من زمن إسماعيل ﵇ فقرأ عليه إلى أيام النبي ﷺ، فاليوم من أصاب في الحرم جريرة أقيم عليه الحد بالإجماع.
ولما كان التقدير: فتاب الناس عليه ائتمامًا ببانيه وآمنوا بدعوته فيه عطف عليه قوله: ﴿واتخذوا﴾، وعلى قراءة الأمر يكون التقدير: فتوبوا إليه أيها الناس ائتمامًا به واتخذوا ﴿من مقام إبراهيم﴾ خليلنا ﴿مصلى﴾ وهو مفعل لما تداوم فيه الصلاة، ومقام إبراهيم هو الحجر الذي قام عليه حين جاء لزيارة ولده إسماعيل عليهما الصلاة والسلام فلم يجده، فغسلت امرأة إسماعيل رأسه وهو معتمد برجله عليه وهو راكب، غسلت شق رأسه الأيمن وهو معتمد على الحجر برجله اليمنى، ثم
[ ٢ / ١٥٣ ]
أدارت الحجر إلى الجانب الأيسر وغسلت شقه الأيسر، فغاصت رجلاه فيه؛ ولهذا أثر قدميه مختلف، أصابع هذه عند عقب هذه، وهو قبل أن يبني البيت - والله أعلم بمراده.
﴿وعهدنا﴾ عطف على قوله ﴿جعلنا﴾ ﴿إلى إبراهيم﴾ الوفي ﴿وإسماعيل﴾ ابنه الصادق الوعد، وفي ذكره إفصاح بإجابة دعوته فيه في قوله: ﴿ومن ذريتي﴾ [البقرة: ١٢٤] و[إبراهيم: ٣٧] وإشارة إلى أن في ذريته من يختم الأمم بأمته ويكون استقباله بيته في أجل العبادات من شرعته وأتم الإشارة بقوله: ﴿أن طهرا بيتي﴾ أي عن كل رجس حسي ومعنوي، فلا يفعل بحضرته شيء لا يليق في الشرع؛ والبيت موضع المبيت المخصوص من الدار المخصوصة من المنزل المختص من البلد - قاله الحرالي. ﴿للطائفين﴾ به الذين فعلهم فعل العارف بأنه ليس وراء الله مرمى ولا مهرب منه إلا إليه ﴿والعاكفين﴾ فيه، والعكوف الإقبال على الشيء وملازمته والاقتصار عليه، والطواف التحليق بالشيء في غيب أو لمعنى غيب - قاله الحرالي. ﴿والركع السجود﴾
[ ٢ / ١٥٤ ]
قال الحرالي: وفي ذكر الركوع تخصيص للعرب الذين إنما شرع الركوع في دينهم، وفي ذلك تبكيت لمن أخرج المؤمنين ومنعهم من البيت، وفي تكرير تفصيل هذه الآيات بإذ تنبيه على توبيخهم بترك دينه وهو الخليل واتباع من لا يعلم وهو العدو.
[ ٢ / ١٥٥ ]