ولما كان ما أخبرت به هذه الجمل من بغضهم وشدة عداوتهم محتاجًا ليصل إلى المشاهدة إلى بيان دل عليه بقوله: ﴿إن تمسسكم﴾ أي مجرد مس ﴿حسنة تسؤهم﴾ ولما كان هذا دليلًا شهوديًا ولكنه ليس صريحًا أتبعه الصريح بقوله: ﴿وإن تصبكم﴾ أي بقوة مرها وشدة وقعها وضرها ﴿سيئة يفرحوا بها﴾ ولما كان هذا أمرًا مبكتًا غائظًا مؤلمًا داواهم بالإشارة إلى النصر مشروطًا بشرط التقوى والصبر فقال: ﴿وإن تصبروا وتتقوا﴾ أي تكونوا من أهل الصبر والتقوى ﴿لا يضركم كيدهم شيئًا﴾ ثم علل ذلك بقوله:
[ ٥ / ٤٠ ]
﴿إن الله﴾ أي ذال الجلال والإكرام ﴿بما يعملون محيط *﴾ أي فهو يعد لكل كيد ما يبطله، والمعنى على قراءة الخطاب: بعملكم كله، فمن صبر واتقى ظفرته، ومن عمل على غير ذلك انتقمت منه.
ولما كان ما تضمنته هذه الآية من الإخبار ومن الوعد ومن الوعيد منطوقًا ومفهومًا محتاجًا إلى الاجتلاء في صور الجزئيات ذكرهم ﷾ بالوقائع التي شوهدت فيها أحوالهم من النصر عند العمل بمنطوق الوعد من الصبر والتقوى وعدمه عند العمل بالمفهوم، وشوهدت فيها أحوال عدوهم من المساءة عند السرور والسرور عد المساءة، وذلك غني عن دليل لكونه من المشاهدات، مشيرًا إلى ذلك بواو العطف على غير مذكور، مخاطبًا لأعظم عباده فطنة وأقربهم إليه رتبة، تهييجًا لغيره إلى تدقيق النظر واتباع الدليل من غير أدنى وقوف مع المألوف فقال تعالى: ﴿وإذ﴾ أي اذكر ما يصدق ذلك من أحوالكم الماضية حين صبرتم واتقيتم
[ ٥ / ٤١ ]
فنصرتم، وحين ساءهم نصركم في كل ذلك في سرية عبد الله بن جحش إلى نخلة، ثم في بدر، ثم في غزوة بني قينقاع ونحو ذلك، واذكر إذ لم يصبر أصحابك فأصيبوا، وإذ سرتهم مصيبتكم في وقعة أحد إذ ﴿غدوت﴾ أي يا خاتم الأنبياء وأكرم المرسلين! ﴿من أهلك﴾ أي بالمدينة الشريفة صبيحة يوم الجمعة إلى أصحابك في مسجدك لتستشيرهم في أمر المشركين. وقد نزلوا بأحد في أواخر يوم الأربعاء، أو في يوم الخميس لقتالكم. وبنى من ﴿غدوت﴾ حالًا إعلامًا بأن الشروع في السبب شروع في مسببه فقال: ﴿تبوىء﴾ أي تنزل ﴿المؤمنين﴾ أي صبيحة يوم السبت وعبر بقوله: ﴿مقاعد﴾ إشارة إلى أنه ﷺ تقدم إلى كل أحد بالثبات في مركزه، وأوعز إليه في أن لا يفعل شيئًا إلا بأمره لا سيما الرماة، ثم ذكر علة ذلك فقال: ﴿للقتال﴾ .
ولما كان التقدير: وتتقدم إليهم بأبلغ مقال في تشديد الأقوال والأفعال، أشار تعالى إلى أنه وقع في غضون ذلك منه ومنهم كلام
[ ٥ / ٤٢ ]
كثير خفي وجلي بقوله: ﴿والله﴾ أي والحال أن الملك الأعظم الذي أنتم في طاعته ﴿سميع﴾ أي لأقوالكم ﴿عليم *﴾ أي بنياتكم في ذلك وغيره فاحذروه، ولعله خص النبي ﷺ بلذيذ الخطاب في التذكير تحريضًا لهم مع ما تقدمت الإشارة إليه على المراقبة تعريضًا لهم بأنهم خفوا مع الذين ذكرهم أمر بعاث حتى تواثبوا حين تغاضبوا إلى السلاح - كما ذكر في سبب نزول قوله تعالى:
﴿يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقًا من الذين أوتوا الكتاب﴾ [آل عمران: ١٠٠]، فوقفوا عن نافذ الفهم وصافي الفكر خفة إلى ما أراد بهم عدوهم فاقتضى هذا التحذير كله، ويؤيد ذلك إقباله في الخطاب عليهم عند نسبة الفشل إليها - كما يأتي قريبًا، ولعله إنما خص هذه الغزوة بالذكر دون ما ذكرت أن واو عطفها دلت عليه مما أيدوا فيه بالنصر لأن الشماتة بالمصيبة أدل على البغضاء والعداوة من الحزن بما يسر، ودل ذكرها على المحذوف لأن المدعي فيما قبلها شيئان: المساءة بالحسنة،
[ ٥ / ٤٣ ]
والفرح والمسرة بالمصيبة، فإذا برهن المتكلم على الثاني عليم ولا بد أنه حذف برهان الأول، وأنه إنما حذفه - وهو حكيم - لنكتة، وهي هنا عدم الاحتياج إلى ذكره لوضوحه بدلالة السياق مع واو العطف عليه، وما تقدم من كونه غير صريح الدلالة في أمر البغض على أنه تعالى قد ذكر بدرًا - كما ترى - بعد محكمة ستذكر، وأطلق ﷾ - كما عن الطبري وغيره - التبوء على ابتداء القتال بالاستشارة فإن الكفار لما نزلوا يوم الأربعاء ثاني عشر شوال سنة ثلاث من الهجرة في سفح أحد مكث رسول الله ﷺ ينتظر فيهم ما يأتيه من الوحي بقية يوم الأربعاء ويوم الخميس وليلة الجمعة وباتت وجوه الأنصار في المسجد بباب النبي ﷺ يحرسونه ﷺ وحرست المدينة الشريفة، ثم دعا الناس صبيحة يوم الجمعة فاستشارهم في أمرهم وأخبرهم برؤياه تلك الليلة: البقر المذبوحة، والثلم في سيفه، وإدخال يده في الدرع الحصينة، وكان رأيه مع رأي كثير من الصحابة المكث في المدينة، فإن قاتلوهم فيها قاتلهم الرجال مواجهة والنساء والصبيان من فوق الأسطحة، وكان عبد الله بن أبيّ المنافق على هذا الرأي، فلم يزل ناس ممن أكرمهم الله
[ ٥ / ٤٤ ]
بالشهادة - منهم أسد الله وأسد رسوله عمه حمزة بن عبد المطلب ﵁ - يلحون عليه ﷺ في الخروج إليهم حتى أجاب فدخل بيته ولبس لأمته بعد أن صلى الجمعة فندموا على استكراههم له ﷺ وهو يأتيه الوحي، فلما خرج إليهم أخبروه وسألوه في الإقامة إن شاء فقال: «ما كان ينبغي لنبي إذا لبس لأمته أن يضعها حتى يحكم الله بينه وبين عدوه» .
وفي رواية «حتى يلاقي» فأتى الشيخين - وهما أطمان - فعرض بهما عسكره ففرغ مع غياب الشمس، ورآه المشركون حين نزل بهما، واستعمل تلك الليلة على حرسه محمد ابن مسلمة، واستعمل المشركون على حرسهم عكرمة بن أبي جهل، ثم أدلج من سحر ليلة السبت، وندب الأدلاء ليسيروا أمامه، وحانت صلاة الصبح في الشوط وهم بحيث يرون المشركين، فأمر بلالًا ﵁ فأذن وأقام، وصلى بأصحابه ﷺ الصبح صفوفًا، فانخزل عبد الله بن أبيّ بثلث العسكر فرجع وقال: أطاع الولدان، ومن لا رأي له وعصاني، وما ندري علام نقتل أنفسنا! وتبعهم عبد الله بن عمرو
[ ٥ / ٤٥ ]
بن حرام أبو جابر ابن عبد الله -أحد بني سلمة وأحد من استشهد في ذلك اليوم وكلمه الله قبلًا - يناشدهم الله في الرجوع، فلم يرجعوا فقال: أبعدكم الله! سيغني الله نبيه ﷺ عنكم، ورجع فوافق النبي ﷺ يصف أصحابه، وكادت طائفتان من الباقين - وهما بنو سلمة عشيرة عبد الله بن عمرو وبنو حارثة - أن تفشلا لرجوع المنافقين، ثم ثبتهم الله تعالى؛ ونزل ﷺ الشعب من أحد، فجعل ظهره وعسكره إلى أحد وعبأ أصحابه وقال:
«لا يقاتلن أحد حتى نأمره!» وعين طائفة من الرماة وأنزلهم بعينين - جبيل هناك من ورائهم - وأوعز إليهم في أن لا يتغيروا منه حتى يأمرهم إن كانت له أو عليه، حتى قال لهم: «إن رأيتمونا تخطفنا الطير فلا تعينونا، وإن رأيتمونا هزمناهم فلا تشركونا في الغنيمة، وانضحوا الخيل عنا إذا أتت من ورائنا» وبرز
[ ٥ / ٤٦ ]
صاحب لواء المشركين وطلب المبارزة، فبرز إليه رجل من المسلمين فقتله المسلم فحمله آخر وبرر فقتل، وفعلوا ذلك واحدًا بعد واحد حتى تموا عشرة كلهم يقتل، فلما انكسرت قلوب المشركين بتوالي القتل في أصحاب اللواء أمر النبي ﷺ أصحابه فشدوا فهزموا المشركين وخلوا عسكرهم ونساءهم، وكان الخيل كلما أتت من وراء المسلمين نضحهم الرماة بالنبل فرجعوا فلما وقع الصحابة ﵃ في نهب العسكر خلى الرماة ثغرهم، فنهاهم أميرهم وحذرهم مخالفة أمر رسول الله ﷺ فلم يطعه منهم إلا نحو العشرة، فأتى أصحاب الخيل فقتلوا من بقي من الرماة، ثم أتوا الصحابة ﵃ من ورائهم وهم ينتهبون، فأسرعوا فيهم القتل ونادى إبليس: إن محمدًا قد قتل، فانهزم الصحابة رضوان الله عليهم، ولم يثبت مع النبي ﷺ منهم إلا قليل ما بين العشرة إلى الثلاثين - على اختلاف الأقوال، فاستمر يحاول بهم العدو، والله تعالى يحفظه ويدافع عنه حتى دنت الشمس للمغرب، وصرف الله العدو، فدفن النبي ﷺ الشهداء وصف أصحابه ﵃ فأثنى على الله ﷿ ثناء عظيمًا، ذكر فيه فضله سبحانه وعدله، وأن الملك ملكه يتصرف فيه كيف يشاء، ورجع إلى المدينة الشريفة وقد أصابته الجراحة في
[ ٥ / ٤٧ ]
مواضع من وجهه بنفسي هو وأبي وأمي ووجهي وعيني.
ولما كان رجوع عبد الله بن أبي المنافق - كما يأتي في صريح الذكر آخر القصة - من الأدلة على أن المنافقين فضلًا عن المصارحين بالمصارمة متصفون بما أخبر الله تعالى عنهم من العداوة والبغضاء مع أنه كان سببًا في هم الطائفتين من الأنصار بالفشل كان إيلاء هذه القصة للنهي عن اتخاذ بطانة السوء الذين لا يقصرون عن فساد في غاية المناسبة، ولذلك افتتحها ﷾ بقوله - مبدلًا من ﴿إذ غدوت﴾ دليلًا على ما قبله من أن بطانة السوء لا تألوهم خبالًا وغير ذلك -: ﴿إذا همت طائفتان﴾ وكانا جناحي العسكر ﴿منكم﴾ أي بنو سلمة من الخزرج وبنو حارثة من الأوس ﴿أن تفشلا﴾ أي تكسلًا وتراخيًا وتضعفًا وتجبنًا لرجوع المنافقين عن نصرهم وولايتهم فترجعا، كما رجع المنافقون ﴿والله﴾ أي والحال أن ذا الجلال والإكرام ﴿وليهما﴾ وناصرهما لأنهما مؤمنتان فلا يتأتى وقوع الفشل وتحققه منهما لذلك، فليتوكلا عليه وحده لإيمانهما،
[ ٥ / ٤٨ ]
أو يكون التقدير: فالعجب منهما كيف تعتمدان على غيره ﷾ لتضعفا بخذلانه ﴿و﴾ الحال أنه ﴿على الله﴾ أي الذي له الكمال كله وحده ﴿فليتوكل المؤمنون *﴾ أي الذين صار الإيمان صفة لهم ثابتة، أجمعون لينصرهم، لا على كثرة عدد ولا قوة جلد، والأحسن تنزيل الآية على الاحتباك ويكون أصل نظمها: والله وليهما لتوكلهما وإيمانهما فلم يمكن الفشل منهما، فتولوا الله وتوكلوا عليه ليصونكم من الوهن، وعلى الله فليتوكل المؤمنون كلهم ليفعل بهم ذلك، فالأمر بالتوكل ثانيًا دال على وجوده أولًا، وإثبات الولاية أولًا دال على الأمر بها ثانيًا، وفي البخاري في التفسير عن جابر ﵁ قال: فينا نزلت ﴿إذ همت طائفتين منكم أن تفشلا﴾ قال: نحن الطائفتان: بنو حارثة وبنو سلمة، وما نحب أنها لم تنزل لقول الله ﷿: ﴿والله وليهما﴾ .
[ ٥ / ٤٩ ]