ولما ذكر أمر البيت الشريف فيما تكفل به سبحانه وفيما أمر به الخليل وولده ﵉ من تطهيره ذكر باهتمامه بأهله ودعائه لهم مبكتًا لمن عقّه من ذريته بالتصريح بكفرهم بيوم الجزاء الأمر بكل خير الزاجر عن كل ضير فقال: وإذ قال إبراهيم رب﴾ فأسقط أداة البعد إنباء بقربه كما هو حال أهل الصفوة ﴿اجعل هذا﴾ أي الموضع الذي جعلت فيه بيتك وأمرتني بأن أسكنته من ذريتي.
ولما كان السياق للمنع من المسجد وللسعي في خرابه وكان ذلك شاملًا بعمومه للبادي ولذلك قرر أنه مثابة للناس عامة وأمنٌ كان الأنسب تنكير البلد فقال: ﴿بلدًا﴾ يأنس من يحل به ﴿آمنًا﴾ إفصاحًا بما أفهمه ﴿وإذ جعلنا البيت﴾ [البقرة: ١٢٥] الآية، والمعنى أنكم عققتم أعظم آبائكم في دعوتيه كلتيهما: في كونه بلدًا فإنه إذا انقطع الناس عن أهله خرب، وفي كونه آمنًا، وهذا بخلاف ما يأتي في سورة إبراهيم ﵇.
[ ٢ / ١٥٥ ]
ولما ذكر القرار والأمن أتبعه الرزق وقال: ﴿وارزق أهله﴾ وقال: ﴿من الثمرات﴾، ولم يقل: من الحبوب، لما في تعاطيها من الذل المنافي للأمن، لما روى أن النبي ﷺ رأى سكة حرث فقال: «ما دخلت هذه بيتًا إلا ذل» وقال: ﴿من آمن منهم بالله﴾ الجامع لصفات الكمال ﴿واليوم الآخر﴾ تقييدًا لدعوة الرزق بما قيدت به دعوة الإمامة تأدبًا معه حيث قال: ﴿لا ينال عهدي الظالمين﴾ [البقرة: ١٢٤] ﴿قال﴾ الله تعالى معلمًا أن شمول الرحمانية بأمن الدنيا ورزقها لجميع عمرة الأرض ﴿ومن كفر﴾ أي أنيله أيضًا ما ألهمتك من الدعاء بالأمن والرزق، وعبر عن ذلك بقوله: ﴿فأمتعه﴾ تخسيسًا له بما أفهمه لفظ المتاع بكونه كما مضى من أسماء الجيفة التي إنما هي منال المضطر على شعور يرفضه على قرب من مترجي الغناء عنها، وأكد ذلك بقوله:
[ ٢ / ١٥٦ ]
﴿قليلًا﴾ لكن فيه إيماء إلى أنه يكون أطيب حالًا في الدنيا وأوسع رزقًا من المؤمن، وكذا في قوله: ﴿ثم أضطره﴾ بما لي من العظمة الباهرة ﴿إلى عذاب النار﴾ أي بما أستدرجه به من النعم الحاملة له على المعاصي التي هي أسباب النقم، وفي التعبير بلفظ الاضطرار إلى ما لا يقدم عليه أحد باختيار إشعار بإجبار الله خلقه على ما يشاء منهم من إظهار حكمته وأن أحدًا لا يقدر على حركة ولا سكون إلا بمشيئته؛ والاضطرار الإلجاء إلى ما فيه ضرر بشدة وقسر. ولما كان التقدير: فبئس المتاع ما ذكر له في الدنيا، عطف عليه قوله: ﴿وبئس المصير﴾ أي العذاب له في الآخرة، وهو مفعل مما منه التصيير وهو التنقيل في أطوار وأحوال ينتهي إلى غاية تجب أن تكون غير حالة الشيء الأولى بخلاف المرجع.
ولما ذكر بما مهده من أمر البيت دينًا ودنيا أتبعه ببنائه مشيرًا إلى ما حباهم به من النعمة وما قابلوه به من كفرها باختيارهم لأن يكونوا من غير الأمة المسلمة التي دعا لها لما دعا للرسول فقال عاطفًا على ﴿إذ ابتلى﴾ تعديدًا لوجوه النعم على العرب بأبيهم الأعظم استعطافًا إلى التوحيد ﴿وإذ يرفع إبراهيم﴾ أي اذكر الوقت الذي يباشر بالرفع ﴿القواعد
[ ٢ / ١٥٧ ]
من البيت﴾ قال الحرالي: عدّد تعالى وجوه عنايته بسابقة العرب في هذه الآيات كما عدد وجوه نعمته على بني إسرائيل في سابقة الخطاب، فكانت هذه في أمر إقامة دين الله، وكانت تلك في محاولة مدافعته، ليظهر بذلك تفاوت ما بين الاصطفاء والعناية، والقاعدة ما يقعد عليه الشيء أي يستقر ويثبت ويجوز أن يراد بها سافات البناء، لأن كل ساف قاعدة للذي يبنى عليه - قاله الأصبهاني.
ولما أفرد الخليل ﵇ بهذا الرفع إظهارًا لشرفه بكونه هو السبب الأعظم في ذلك عطف عليه ولده فقال: ﴿وإسماعيل﴾ أي يرفع القواعد أيضًا، ووصل بهذا العمل الشريف قوله: ﴿ربنا﴾ مرادًا فيه القول محذوفًا منه أداة البعد: أي يقولان: ﴿ربنا تقبل منا﴾ أي عملنا بفضلك ولا ترده علينا، إشعارًا بالاعتراف بالتقصير لحقارة العبد وإن اجتهد في جنب عظمة مولاه. ولما تضمن سؤال القبول المشعر بخوف الرد علم الناقد البصير بالتقصير علله بقوله: ﴿إنك﴾ وأكده
[ ٢ / ١٥٨ ]
بقوله: ﴿أنت السميع العليم﴾ أي فإن كنت سمعت أو علمت منا حسنًا فرده حسنًا، وإن كنت سمعت أو علمت غير ذلك من نحو قول ناشىء عن اختلاج في النفس بما سببه كلال أو إعياء فاغفره.
ولما سأل القبول سأل الزيادة عليه بقوله: ﴿ربنا﴾ على ما مضى من طرز دعاء المقربين بإسقاط أداة البعد ﴿واجعلنا﴾ أي أنا وابني هذا الذي أعانني ﴿مسلمين لك ومن ذريتنا﴾ قال الحرالي: لما تحقق مرجو الإيمان في ذريته في قوله: ﴿من آمن منهم﴾ [البقرة: ١٢٦] طلب التكملة بإسلام الوجه والمسألة له ولابنه ولمن رزق الإيمان من ذريته وذرية ابنه، فإن الإسلام لما كان ظاهر الدين كان سريع الانثلام لأجل مضايقة أمر
[ ٢ / ١٥٩ ]
الدنيا، وإنما يتم الإسلام بسلامة الخلق من يد العبد ولسانه والإلقاء بكل ما بيده لربه مما ينازع فيه وجود النفس ومتضايق الدنيا، ولذلك هو مطلب لأهل الصفوة في خاتمة العمر ليكون الخروج من الدنيا عن إلقاء للحق وسلام للخلق كما قال يوسف ﵇ ﴿توفني مسلمًا﴾ [يوسف: ١٠١] وطلب بقوله: ﴿أمة مسلمة لك﴾ أن يكونوا بحيث يؤم بعضهم بعضًا.
ولما كان المسلم مضطرًا إلى العلم قال: ﴿وأرنا مناسكنا﴾ وفي ذلك ظهور لشرف عمل الحج حيث كان متلقي عن الله بلا واسطة لكونه علمًا على آتي يوم الدين حيث لا واسطة هناك بين الرب والعباد.
والمنسك مفعل من النسك وهو ما يفعل قربة وتدينًا. تشارك حروفه حرف السكون - قاله الحرالي. ولما كان الإنسان محل العجز فهو أضر شيء إلى التوفيق قال: ﴿وتب علينا﴾ إنباء بمطلب التوبة أثر الحسنة كما هو مطلب العارفين بالله المتصلين بالحسنات رجّعا بها إلى من له الخلق والأمر، ثم علل طمعه في ذلك بأن عادته تعالى التطول والفضل فقال: ﴿إنك أنت التواب﴾ أي الرّجاع بعباده إلى موطن النجاة من حضرته بعد ما سلط عليهم عدوهم بغوايته ليعرفوا فضله عليهم وعظيم قدرته ثم أتبعه
[ ٢ / ١٦٠ ]
وصفًا هو كالتعليل له فقال: ﴿الرحيم﴾ .
ولما طلب ما هو له في منصب النبوة من تعليم الله له المناسك بغير واسطة طلب لذريته مثل ذلك بواسطة من جرت العادة به لأمثالهم فقال: ﴿ربنا وابعث فيهم﴾ أي الأمة المسلمة التي من ذريتي وذرية ابني إسماعيل ﴿رسولًا منهم﴾ ليكون أرفق بهم وأشفق عليهم ويكونوا هم أجدر باتباعه والترامي في نصره، وذلك الرسول هو محمد ﷺ، فإنه لم يبعث من ذريتهما بالكتاب غيره، فهو دعوة إبراهيم ﵇ أبي العرب وأكرم ذريته؛ ففي ذلك أعظم ذم لهم بعداوته مع كونه مرسلًا لتطهيرهم بالكتاب الذي هو الهدى لا ريب فيه، وإليه الإشارة بقوله: ﴿يتلوا﴾ أي يقرأ متابعًا مواصلًا ﴿عليهم آياتك﴾ أي علاماتك الدالات عليك أعم من أن يكون نزل بها الكتاب أو استنبطت منه ﴿ويعلمهم الكتاب﴾ الكامل الشامل لكل كتاب «أوتيت جوامع الكلم» ﴿والحكمة﴾ وهي كل أمر يشرعه لهم فيحفظهم في صراطي معاشهم ومعادهم من الزيغ المؤدي إلى الضلال الموجب للهلاك.
ولما كان ظاهر دعوته ﵇ أن البعث في الأمة المسلمة
[ ٢ / ١٦١ ]
كانوا إلى تعليم ما ذكر أحوج منهم إلى التزكية فإن أصلها موجود بالإسلام فأخر قوله: ﴿ويزكيهم﴾ أي يطهر قلوبهم بما أوتي من دقائق الحكمة، فترتقي بصفائها، ولطفها من ذروة الدين إلى محل يؤمن عليها فيه أن ترتد على أدبارها وتحرف كتابها كما فعل من تقدمها، والتزكية إكساب الزكاة، وهي نماء النفس بما هو لها بمنزلة الغذاء للجسم - قاله الحرالي.
ولما ذكر سبحانه في سورة الجمعة بعثه في الأميين عامة اقتضى المقام تقديم التزكية التي رأسها البراءة من الشرك الأكبر ليقبلوا ما جاءهم من العلم، وأما تقديمها في آل عمران مع ذكر البعث للمؤمنين فلاقتضاء الحال بالمعاتبة على الإقبال على الغنائم الذي كان سبب الهزيمة لكونها إقبالًا على الدنيا التي هي أم الأدناس؛ ثم علل ذلك بقوله: ﴿إنك أنت العزيز﴾ أي الذي يغلب كل شيء ولا يغالبه شيء، لأن العزة كما قال الحرالي: الغلبة الآتية على كلية الظاهر والباطن، ﴿الحكيم﴾ أي الذي يتيقن ما أراد فلا يتأتى نقضه، ولا متصف بشيء من ذلك غيرك؛ وفي ذلك إظهار عظيم لشرف العلم وطهارة الأخلاق، وأن ذلك لا ينال إلا بمجاهدات لا يطيقها البشر ولا تدرك أصلًا إلا بجد تطهّره العزة
[ ٢ / ١٦٢ ]
وترتيب أبرمته الحكمة؛ هذا لمطلق ذلك فكيف بما يصلح منه للرسالة؟ وفيه إشارة إلى أنه يكبت أعداء الرسل وإن زاد عدهم وعظم جدهم.
ويحكم أمورهم فلا يستطيع أحد نقض شيء منها.
ولما كان التقدير: فمن يرغب في مخالفة من يرسله من هو بهذه الصفة عطف عليه قوله: ﴿ومن يرغب عن ملة إبراهيم﴾ المستقيم الطريقة، الطاهر الخليقة، الشفيق على ذريته، الباني لهم أعظم المفاخر، المجتهد لهم في جليل المناقب والمآثر ﴿إلا من سفه نفسه﴾ أي امتهنها واحتقرها واستخف بها، أي فعل بها ما أدى إلى ذلك؛ وفي ذلك تعريض بمعاندي أهل الكتاب. قال الحرالي: والسفاهة خفة الرأي في مقابلة ما يراد منه من المتانة والقوة، وفي نصب النفس إنباء بلحاق السفاهة بكلية ذي النفس، لأن من سفهت نفسُه اختص السفه بها، ومن سفه نفسَه - بالنصب - استغرقت السفاهة ذاته وكليته وكان بدء ذلك وعاديته من جهة نفسه، يفهم ذلك نصبها، وذلك لأن الله ﷿ جعل النفس مبدأ كل شر أبداه في ذات ذي النفس، فإنه تعالى يعطي الخير بواسطة وبغير واسطة، ولا يُحذى الشر إلا بواسطة نفس ليكون في ذلك حجة الله على خلقه؛ وإنما استحق السفاهة من يرغب عن ملة إبراهيم لظهور شاهدها في العقل وعظيم بركتها في التجربة، لأن من ألقى
[ ٢ / ١٦٣ ]
بيده لم يؤاخذ في كل مرتبة من رتب الدنيا والآخرة، فلا عذر لمن رغب عن ذلك، لظهوره في شاهدي العقل والحس اللذين هما أظهر حجج الله على خلقه ﴿وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه﴾ [الأنعام: ٨٣] .
ولما كان التقدير: فلقد آتيناه من المزايا ما قدّمنا لكم مما لا يعدل عنه ذو مسكة عطف عليه قوله: ﴿ولقد اصطفيناه﴾ فذكره بمظهر العظمة تعظيمًا له، فإن العبد يشرف بشرف سيده، وتشريفًا لاصطفائه فإن الصنعة تجل بجلالة مبدعها ﴿في الدنيا﴾ بما ذكرناه من كريم المآثر التي يجمعها إسلامه؛ وهو افتعال من الصفوة وهي ما خلص من اللطيف عن كثيفه ومكدره، وفي صيغة الافتعال من الدلالة على التعمد والقصد ما يزيد فيما أشير إليه من الشرف ﴿وإنه في الآخرة لمن الصالحين﴾ وفي هذا أكبر تفخيم لرتبة الصلاح حيث جعله من
[ ٢ / ١٦٤ ]
المتصفين بها، فهو حقيق بالإمامة لعلو رتبته عند الله في الدارين، ففي ذلك أعظم ترغيب في اتباع دينه والاهتداء بهديه، وأشد ذم لمن خالفه؛ وكل ذلك تذكير لأهل الكتاب بما عندهم من العلم بأمر هذا النبي الكريم وما هو سبب له، وإقامة للحجة عليهم، لأن أكثر ذلك معطوف على ﴿اذكروا﴾ قوله:
﴿يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي﴾ [البقرة: ١٢٢] .
ولما ذكر إمامته ذكر ما يؤتم به فيه وهو سبب اصطفائه وصلاحه وذلك دينه، وما أوصى به ﵇ بنيه، وما أوصى به بنوه بنيهم سلفًا لخلف ولا سيما يعقوب ﵇ المنوه بنسبة أهل الكتاب إليه فقال: ﴿إذ﴾ أي اصطفيناه بعظمتنا لأنه قال له ربه أسلم﴾ أي لإحسان ربك إليك، وحذف المفعول ليتناول كل ما يصح إسلامه إلى المسلم إليه وقصره عليه وتخلى المسلم عنه ﴿قال أسلمت لرب العالمين﴾ أي المحسن إليّ وإلى جميع الخلائق ﴿ووصى بها﴾ أي بهذه المقالة أو الوصية أو الخصلة التي اصطفاه الله بها، ولعله لم يذكر الضمير لئلا يوهم
[ ٢ / ١٦٥ ]
الرجوع إلى ربه؛ وقرىء «وأوصى» فهو من إيصاء والوصية وهي التقدم في الشيء النافع المحمود عاقبته، وقراءة التشديد أبلغ لدلالتها على التكرر والتكثر ﴿إبراهيم بنيه ويعقوب﴾ وصّى بها أيضًا بنيه فقال كل منهم: ﴿يا بنيّ إن الله﴾ بعظمته وكماله ﴿اصطفى لكم الدين﴾ وهو الإسلام، فأغناكم عن تطلبه وإجالة الفكر فيه رحمة منه لكم ﴿فلا﴾ أي فتسبب عن ذلك أني أقول لكم: لا ﴿تموتن﴾ على حالة من الحالات ﴿إلا وأنتم﴾ أي والحال أنكم ﴿مسلمون﴾ أي ملقون بأيديكم وجميع ما ينسب إليكم لله لا حظ لكم في شيء أصلًا ولا التفات إلى غير مولاكم، فإن من كمل افتقاره إلى الغني الحكيم أغناه بحسب ذلك. وقرر سبحانه بالآيات الآتية بطلان ما عليه المتعنتون من اليهودية والنصرانية، وبرّأ خليله والأنبياء من ذلك على وجه أوجب القطع بأنهم عالمون ببطلانه.
ذكر قصة إبراهيم ﵇ من التوراة: ذكر في السفر الأول منها أنه إبراهيم بن تارح بن ناحور بن شارغ بن آرغو
[ ٢ / ١٦٦ ]
بن فالغ بن عابر بن شالخ بن أرفخشد بن سام بن نوح؛ لأنه قال في التوراة: لما أتت على سام مائة سنة ولد له أرفخشد فأتت عليه خمس وثلاثون سنة فولد له شالاح وسماه في موضع آخر شالح، فأتت عليه ثلاثون سنة فولد له عابر فأتت عليه أربع وثلاثون سنة فولد له فالغ، فأتت عليه ثلاثون سنة فولد له آرغُو، فأتت عليه اثنتان وثلاثون سنة فولد له شارغ فأتت عليه ثلاثون سنة فولد له ناحور،
[ ٢ / ١٦٧ ]
فأتت عليه تسع وعشرون سنة فولد له تارَح فأتت عليه خمس وسبعون سنة فولد له إبرم وناحور وهاران. وخالفه في الإنجيل بعض المخالفة فقال في إنجيل لوقا: ناحور بن شارغ بن أرغو بن فالغ بن عابر بن صالا بن قينان بن أرفخشد بن سام بن نوح؛ ونوح على ما قال في التوراة ابن لمك بن متوشلح بن خَنُوخ بن يارذ بن هليل بن قينان بن أنوش بن شيث بن آدم ﵇.
وهكذا قال في أثناء إنجيل لوقا إلا أنه قال في لمك:
[ ٢ / ١٦٨ ]
لامك، وفي يارذ: يرذ بن مهلالاييل. ثم قال في التوراة: وولد هاران لوطًا، ومات هاران في حياة أبيه تارح في الأرض التي ولد فيها وهي أور الكلدانيين - وفي نسخة: الكزدانيين - «فتزوج إبرم سُرّى وكانت عاقرًا فلم يولد لها ولد، فانطلق تارح بابنه إبرم وبلوط ابن ابنه هاران وبكَنّته سرى من أور الكلدانيين متيممًا أرض كنعان، فانتهوا إلى حرّان فسكنوها، فتوفي تارح بحرّان عن مائتي سنة وخمس سنين؛ وقال الرب لإبرم: اخرج من أرضك من حيث ولدت ومن آل أبيك إلى الأرض التي أريك فأجعلك لشعب عظيم وأباركك وأعظم اسمك وكن مباركًا وأبارك بنيك وألعن لاعنيك ويتبارك بك جميع قبائل الأرض وبزرعك، فصنع إبرم كما أمره الرب وانطلق معه لوط ابن أخيه وسرى زوجته وكان إذ ذاك ابن خمس وسبعين سنة ومعهم جميع مواشيهم وما اتخذوا بحرّان من ولدان وخدم، فخرجوا يريدون أرض كنعان فأتوها، فجاء إبرم حتى أتى بلاد سُحام وإلى بَلُّوط مُمرى وكان الكنعانيون بعد سكانًا في الأرض فاعتلن الرب لإبرم وقال له: إني معطٍ ذريتك هذه الأرض، وبنى إبرم هنالك مذبحًا للرب إذ ظهر له
[ ٢ / ١٦٩ ]
وانتقل من هنالك إلى الجبل من المشرق إلى بيت إيل، فنصب خيمته في بيت إيل من غربها قبالة الحرب وعاي من شرقها، وبنى ثم لرب مذبحًا ودعا باسم الرب، ثم ظعن منطلقًا وكان مظعنه إلى مهب الجنوب وكان جوع في الأرض، فهبط إبرم إلى مصر ليسكنها لأن الجوع اشتد في الأرض، فلما دنا من مصر قال لسرى امرأته: إني عالم أنك امرأة حسناء، فإن رآك المصريون يقولون: امرأته، فيقتلونني؛ قولي: إني أخته - فذكر قصة أخذ فرعون مصر لها والقوارع التي أصابته فحالت بينه وبينها فخلى سبيلها وأحسن إليها وإلى إبراهيم - إلى أن قال: فخرج إبرم من مصر هو وامرأته ولوط معه إلى أرض التيمن - وفي نسخة: إلى القبلة - وهي جهة الجنوب فاستغنى إبرم جدًا، فظعن لمظعنه من الجنوب حتى أتى بيت إيل إلى الموضع الذي كان نصب فيه خيمته من قبل ولوط معه كان له غنم وبقر وخير كثير جدًا وأخبية، ولم تكن تلك الأرض تسعهما كليهما لأن مواشيهما كثرت جدًا؛ فذكر أن لوطًا رفع بصره فنظر إلى أرض الأردن فإذا هي كلها أرض سقي وشرب مثل فردوس الله ومثل أرض مصر التي في مدخل صاغار - وفي نسخة: زغر فاختار لوط أرض الأردن؛ فسكن إبرم أرض كنعان، وسكن لوط قرى عاجار وورث - وفي نسخة: قرى المرج - وخيّم إلى سدوم وكان
[ ٢ / ١٧٠ ]
أهل سدوم أشرارًا خطأة جدًا، فقال الرب لإبرم بعدما اعتزله لوط: مد بصرك فانظر من المكان الذي أنت فيه إلى الجرنيا والتيمن - وفي نسخة: إلى الشمال والجنوب والمشرق والمغرب - لأن جميع الأرض التي ترى إياك أعطيها وذريتك من بعدك إلى الأبد، واجعل ذريتك مثل ثرى الأرض، فإن قدرت أن تحصي تراب الأرض فإن زرعك يحصى، فأتى إبرم فسكن بين بلوط - وفي نسخة: في مرج ممرى الأموراني التي بحبرون - وبنى هنالك مذبحًا للرب، وكان على عهد أمرقال ملك شنعار - وفي نسخة: شنوار - وأرنوخ ملك ذي اللاشار - وفي نسخة: الخزر - وكدر لعمر، ملك عيلم - وفي نسخة: خوزستان وترغيل ملك جيلان - وفي نسخة: الأمم - اجتمع هؤلاء في قاع السدوميين وهو البحر المالح فقتلوا الجبابرة الذين في العشرة القرى والأبطال الذين بها والحورانيين الذين في جبال ساعير - وفي نسخة: شراة - إلى بطمة فاران التي في البرية، ورجعوا وأتوا عين الدنيا - وفي نسخة: الحكم - وهي رقيم وقتلوا كل رؤساء العمالقة والأمورانيين سكان عين جاد، وخرج بارع ملك سدوم وبَرْشع ملك عامرا
[ ٢ / ١٧١ ]
وشنآب ملك أدوما وشاليم ملك صَبويم وملك بالاع التي هي صاغر - وفي نسخة: زغر - خمسة ملوك، قاتلوا الأربعة بقاع السدوميين، فهرب ملك سدوم وملك عامرا فوقعوا هناك، وهرب البقية إلى الجبل فاستباحوا جميع مواشي سدوم وعامُرا وجميع طعامهم واستاقوا لوطًا ابن أخي إبرم وماشيته وانطلقوا، فأتى من نجا منهم وأخبر إبرم العبراني، فعبى فتيانه ومولّديه ثلاثمائة وثمانية عشر رجلًا وسار في طلبهم إلى داريا - وفي نسخة: بانياس - فأحاط بهم ليلًا، فقاتلهم وهزمهم إلى الجوف - وفي نسخة: المزة - التي عن شمال دمشق وهي قرية يقال لها حلبون ورد لوطًا ابن أخيه وماشيته وجميع المواشي والنساء والشعب، فخرج ملك سدوم فتلقاه فرد إليه جميع ما سلب منه؛ ومن بعد هذا حلّ وحي الله على إبرم في الرؤيا وقال له: يا إبرم! أنا أكانفك وأساعدك، لأن ثوابك قد جزل جدًا، فقال إبرم: اللهم! رب ما الذي تنحلني وأنا خارج من الدنيا بلا نسب ويرثني اليعازر غلامي الدمشقي؟ فقال له الرب: لا يرثك هذا بل ابنك الذي يخرج من صلبك فهو يرثك، وقال له:
[ ٢ / ١٧٢ ]
انظر إلى السماء واحص النجوم إن كنت تقدر أن تحصيها، ثم قال له: كذلك تكون ذريتك، فآمن إبرم بالله، وقال له الرب: أنا الرب إلهك الذي أخرجك من أور الكلدانيين - وفي نسخة: أتون الكزدانيين - لأعطينك هذه الأرض لترثها، فلما كان غروب الشمس وقع الصمت على إبرم وغشيه خوف وظلمة عظيمة فقال الرب لإبرم: اعلم علمًا يقينًا أن نسلك سيسكنون في أرض ليست لهم، فيتعبدونهم ويكدونهم أربعمائة سنة، والشعب الذين يتعبدونهم فإني أدينهم ويخرجون من هناك بعد ذلك بمال عظيم، وأنت تنتقل إلى آبائك بسلام وتدفن بشيخوخة خير وصلاح، والحقب الرابع يرجعون إلى ههنا، لأن إثم الأمورانيين لم يكمل بعد، فلما غربت الشمس صار دجى حندسة وإذا بتنور يدخن ومصباح نار يلتهب ويتردد بين تلك الأنصبة، وفي ذلك اليوم عاهد الرب إبرم عهدًا وقال: إني معط ذريتك هذه الأرض من نهر مصر وإلى الفرات النهر الأعظم، وإن سُرّى امرأة إبر لم تكن تلد وكانت لها أمة مصرية اسمها هاجر فقالت سُرّى لإبرم وهما بأرض كنعان: إن الرب قد حرمني الولد فإدخل على أمتي وابن بها لعلي أتعزى بولد منها، تسمّع إبرم قول سرى وأطاعها، وذلك بعدما سكن أرض
[ ٢ / ١٧٣ ]
كنعان عشر سنين، فحبلت فقالت سرى لإبرم: أنت صاحب ظلامتي، أنا وضعت أمتي في حضنك، فلما حبلت هنت عليها بحكم الرب بيني وبينك، فقال: هذه أمتك مسلمة إليك.
اصنعي بها ما أحببت، فأهانتها سرى سيدتها فهربت منها، فلقيها ملاك الرب على عين ماء في البرية في طريق سور - وفي رواية: في طريق حذر، وفي نسخة: على العين التي بطريق الجفار - فقال لها: يا هاجر أمة سرى! ارجعي إلى سيدتك واستكدّي تحت يدها، ثم قال لها ملاك الله: لأكثرن نسلك حتى لا يحصى، ثم قال لها: ها أنت حامل - وفي نسخة: إنك حبلى - وستلدين ابنًا وتدعين اسمه إسماعيل، لأن الرب قد عرف لك خضوعك، ويكون ابنك هذا رجلًا يأوي البرية ويده في جميع الناس - وفي نسخة: وحشى الناس - يده على كل ويد كل به، وسيحل على جميع حدود إخوته، فدعت اسم الرب الذي كلمها فقالت: أنت الله ذو الوحي والرؤيا، وذلك لأنها قالت: إني رأيت رؤيا، ولذلك دعت تلك الطوى بئر الحي وهي بئر رقيم وحذر - وفي نسخة: فيما بين قادس وبارد - ثم ولدت هاجر لإبرم ابنًا فدعا إبرم اسمه إسماعيل، وكان إبرم ابن ست وثمانين سنة إذ ولدت هاجر له إسماعيل، فلما أتى على إبرم تسع وتسعون سنة اعتلن له الرب وقال له: أنا الله إله المواعيد، أرضني تكن غير ذي
[ ٢ / ١٧٤ ]
عيب وأثبت عهدي بيني وبينك - وفي رواية: فأحسن أمامي ولا تكن ملومًا فإني جاعل بيني وبينك ميثاقًا، وأكثرك جدًا جدًا، فخر إبراهيم على وجهه فكلمه الله وقال له: أنا أثبت لك عهدي - وفي نسخة: فأوحى الله إليه قائلًا له: إني قد جعلت ميثاقي معك - وتكون أبًا لشعوب كثيرة، ولا يدعى اسمك فيما بعد إبرم بل يكون اسمك إبراهيم، لأني جعلتك أبًا لشعوب كثيرة، وأنميك وأثريك جدًا جدًا، وأجعلك للشعوب رئيسًا، والملوك من صلبك يخرجون، وأثبت العهد - وفي نسخة: وأفي بميثاقي - بيني وبينك وبين نسلك من بعدك عهدًا دائمًا، وأكون لك إلهًا ولزرعك من بعدك، وأعطيك وذيتك من بعدك أرض سكناك وجميع أرض كنعان ميراثًا إلى الأبد وأكون لهم إلهًا، وقال الله لإبراهيم: احفظ عهدي أنت وزرعك من بعدك لأحقابهم، هذا عهدي الذي آمركم به لتحفظوه ليكون بيني وبين نسلك من بعدك أن تختنوا كل ذكر وتختنوا لحم غُرلكم ويكون علامة العهد بيني وبينكم، وليختن كل ذكر منكم ابن ثمانية أيام لأحقابكم ولاد البيت والمبتاع بالمال.
وكل من كان من أبناء الغرباء الذين ليسوا من زرعك فليختتن اختتان المولود في بيتك والمبتاع بمالك، ويكون عهدي ميسمًا في أجسادكم عهدًا دائمًا إلى الأبد؛ وكل
[ ٢ / ١٧٥ ]
ذكر ذي غرلة لا تختن غرلته في اليوم الثامن فلتهلك تلك النفس من شعبها، لأنها أبطلت عهدي. وقال الله لإبراهيم: سرى صاحبتك، لا تدع اسمها سرى لأن اسمها سارة وأبارك فيها، وأعطيك منها ابنًا وأباركه، ويكون رئيسًا لشعوب كثيرة وملوك الشعوب من نسله يخرجون؛ فخر إبراهيم على وجهه ضاحكًا وقال في قلبه - وفي رواية متعجبًا يقول في نفسه - وهل يولد لابن مائة سنة ابن وسارة تلد وقد أتى عليها تسعون سنة! وقال إبراهيم لله: يا ليت إسماعيل يحيى بين يديك! وقال الله لإبراهيم: حقًا - وفي نسخة: نعم - إن سارة صاحبتك ستلد ابنًا وتسميه إسحاق، وأثبت العهد بيني وبينه إلى الأبد ولذريته من بعده، وقد استجبت لك في إسماعيل فباركته وكثرته وأنميته جدًا جدًا، ويولد له اثنا عشر عظيمًا، وأجعله رئيسًا لشعب عظيم؛ وأثبت عهدي لإسحاق الذي تلد لك سارة في هذا الحين من قابل. فلما فرغ من كلامه ارتفع استعلان الرب عن إبراهيم، فانطلق إبراهيم بإسماعيل ابنه وجميع أولاد بيته والمبتاعين بما له كل ذكر من بيت إبراهيم فختن غرلهم في ذلك اليوم كما أمره الله، وكان قد أتى على إبراهيم تسع وتسعون سنة إذ ختن غرلته وكان قد أتى إسماعيل ابنه إذ اختتن ثلاث عشرة سنة، وختن
[ ٢ / ١٧٦ ]
أيضًا معه أبناء الغرباء المشايعين ثم أكمل البشارة بإسحاق، كما سيأتي في سورة هود إن شاء الله تعالى - إلى أن قال: وذكر الرب سارة كما قال: وصنع الله ﵎ بسارة كما وعد، فحبلت وولدت لإبراهيم ابنًا على كبره في الوقت الذي وعد الله، فسمى إبراهيم ابنه من سارة إسحاق، فختن إبراهيم إسحاق ابنه في اليوم الثامن كما أمره الرب، وكان إبراهيم ابن مائة سنة، فقالت سارة: لقد أنعم الله عليّ وفرحني فرحًا عظيمًا، فمن سمع فليفرح لي، وقالت: من كان يقول لإبراهيم: إن سارة ترضع غلامًا وتلد ابنًا بعد الكبر؛ فشب الغلام وفطم وصنع إبراهيم يوم فطم مأدبة عظيمة - ثم أعاد ذكر أمر سارة بإخراج هاجر وإبعادها وأن هذا شق على إبراهيم جدًا وقال: فقال الله لإبراهيم: لا يشقن عليك حال الصبي وأمتك، فغدا إبراهيم باكرًا وأخذ خبزًا وإداوة من ماء فأعطاها هاجر وحملها والصبي والطعام فانطلقت وتاهت في برية بئر سبع - وفي نسخة بئر الحلف، لأن إبراهيم حالف صاحب تلك الأرض عندها - ونفد الماء من الإداوة فألقت الصبي تحت
[ ٢ / ١٧٧ ]
شجرة من الشيح وانطلقت وجلست قبالته وتباعدت عنه كرمية بسهم كيلا تعاين موته، فلما صرخ الغلام وبكى سمع الرب صوته فدعا ملاك الرب هاجر من السماء وقال لها: ما لك يا هاجر؟ لا تخافي، لأن الرب قد سمع صوت الصبي حيث هو، قومي فاحملي الصبي وشدي به يديك، لأني أجعله رئيسًا لشعب عظيم، فجلى الله عن بصرها فرأت بئر ماء، فانطلقت فملأت الإدواة وسقت الغلام، وكان الله مع الغلام فشب وسكن برية فاران وكان يتعلم الرمي في تلك البرية وزوجته أمه امرأة - انتهى.
وفيه إن هذا الكلام في إخراج هاجر وولدها ظاهره مناقض لما تقدم في ختان إسماعيل ﵇، فإن فيه أنه كان ابن ثلاث عشرة سنة، وهذا ظاهره أنه كان رضيعًا، وفي الحديث الصحيح «أنه وضعه عند البيت وهو يرضع» ويمكن حمل هذا عليه بهذا الكلام الأخير. وأما الأول فلم يقل فيه إنه كان عند الختان ببيت المقدس، فيمكن أن إبراهيم ﵇ طوى له الله الأرض بالبراق أو غيره فذهب إلى مكة المشرفة فختنه ثم رجع. وفيه بشارة بنبينا محمد ﷺ أصرح مما ذكروه وهي قوله: ويتبارك بك جميع قبائل الأرض، لأن ذلك لم يحصل بأحد من أولاد إبراهيم ﵇ إلا بالنبي ﷺ، فقد أثبت البركة به ﷺ والخير في غالب قبائل
[ ٢ / ١٧٨ ]
الأرض، ويكون الباقي بعد نزول عيسى ﵇. وكذا قوله: ويده في جميع الناس - إلى آخره، لأن إسماعيل ﵇ لم ينقل أحد أن يده كانت على جميع الناس، ولا حل على جميع حدود إخوته، ولا اتصف من أولاده أحد بهذا الوصف إلا النبي ﷺ؛ ثم رأيت في شرح المقاصد للشيخ سعد الدين التفتازاني وشرح الصحائف للإمام السمرقندي التنبيه على هذا النص.
ولما قرر سبحانه لبني إسرائيل أن أباهم يعقوب ممن أوصى بنيه بالإسلام قال مبكتًا لهم: ﴿أم﴾ فعلم قطعًا من ذكر حرف العطف أن المعطوف عليه محذوف كما قالوا في أحد التقادير في هذه الآية وفي ﴿أمّن هو قانت آناء الليل﴾ [الزمر: ٩] في سورة الزمر فكان التقدير هنا لتوبيخهم وتقريعهم بأن أيّ شق اختاروه لزمهم به ما يكرهون: أكنتم غائبين عن هذه الوصية من إبراهيم ويعقوب ﵉ أم حاضرين وكنتم غائبين في أمر يعقوب ﵇ خاصة أم ﴿كنتم شهداء﴾ الآية، أي أكنتم غائبين عن علم ذلك أم لا حين حكمتم بتخصيص أنفسكم بالجنة ليمنعكم ذلك عن مثل هذا الحكم؛ وعلى كل تقدير لا يضركم جهله، لأن عندكم في كتاب الله المنزل على بيتكم من الأمر بمثله عن الله ما يغنيكم عنه، وهو مانع لكم أيضًا من هذا الحكم على وجه قطعي؛
[ ٢ / ١٧٩ ]
وفي ذلك إشارة إلى عدم وجوب التقيد بالآباء، وإرشاد إلى توسيع الفكر إلى المنعم الأول وهو رب الآباء للتقيد بأوامره والوقوف عند زواجره سواء كان ذلك موافقًا لشرع الآباء أو مخالفًا؛ ولما كان هذا لازمًا لمضمون قوله تعالى:
﴿تلك أمة قد خلت﴾ [البقرة: ١٣٤] أتبعه بها، أي فما لكم وللسؤال عنها في ادعائكم أنهم كانوا هودًا أو نصارى؟ كما سيأتي النص بالتوبيخ على ذلك وإتباعه مثل هذه الآية، لأنه إما أن يكون السؤال عن النسب أو عن العمل ولا ينفعكم شيء منهما، لأنه ليس للإنسان إلا ما سعى، فليس السؤال عنهم حينئذ لمن عنده علم ما يأتي وما يذر إلا فضولًا، وفيه تنبيه على أنهم قطعوا أنفسهم عنهم، لأنهم لما لم يتبعوهم في الإسلام فصلوا ما بينهم وبينهم من الوصلة بالنسب وحصلت براءتهم منهم، لأن نسب الدين أعظم من نسب الماء والطين، أو يقال وهو أحسن: لما ادعى أهل الكتاب أن الجنة خاصة بهم ورد ذلك سبحانه عليهم بأنها لمن أسلم محسنًا وذكرهم بأحوال الخليل ﵇ حتى ختم بأنه من رؤوس المتصفين بهذا الوصف وأنه أوصى بنيه به فكان كأنه قيل إنكارًا عليهم في دعواهم الاختصاص بالجنة وتقريرًا لهم: أكنتم شهداء لذلك منه حتى تكونوا ممن ائتمر بأمره في وصيته فتكونوا أهلًا للجنة أم كنتم شهداء يا بني يعقوب ﴿إذ حضر يعقوب﴾ صاحب
[ ٢ / ١٨٠ ]
نسبكم الأشهر ﴿الموت﴾ وهو على ما أوصى به إبراهيم بنيه ﴿إذ قال﴾ أي يعقوب ﴿لبنيه﴾ .
ولما كان مراده ﷺ التعميم في كل شيء ليقع التخصيص موقعه فلا يحتاج إلى سؤال آخر عبر بما العامة للعاقل وغيره فقال: ﴿ما تعبدون﴾ ولو عبر بمن لم يفد جوابهم هذا التصريح ينفي عبادة شيء مما لا يعقل، وقيده بقوله: ﴿من بعدي﴾ لأن الخليفة كثيرًا ما يخلف الغائب بسوء وإن كان مصلحًا في حضوره، وأدخل الجار لأن أعمارهم لا تستغرق الزمان ﴿قالوا نعبد إلهك﴾ الذي خلقك ﴿وإله آبائك﴾ الذي خلقهم وبقي بعدهم ويبقى بعد كل
[ ٢ / ١٨١ ]
شيء ولا بعد له، كما كان قبل كل شيء ولا قبل له؛ ثم بينوا الآباء بقولهم: ﴿إبراهيم﴾ أي جدك ﴿وإسماعيل﴾ لأنه عم والعم صنو الأب فهو أب مجازًا ﴿وإسحاق﴾ .
ولما تقدم ذكر الإله في إضافتين بينوا أن المراد به فيهما واحد تحقيقًا للبراءة من الشرك وتسجيلًا على أهل الكتاب بتحتم بطلان قولهم فقالوا: ﴿إلهًا واحدًا﴾ ثم أخبروا بعد توحيدهم الذي تقدم أنه معنى الإحسان في قوله: ﴿وهو محسن﴾ [البقرة: ١١٢] بإخلاصهم في عبادتهم بقولهم ﴿ونحن له﴾ أي وحده لا للأب ولا غيره ﴿مسلمون﴾ أي لا اختيار لنا معه بل نحن له كالجمل الآنف حيثما قادنا انقدنا، أي أم كنتم شهداء له في هذه الوصية لنشهد لكم بما شهدنا لبنيه الموجودين إذ ذاك من الإسلام فتكونوا من أهل الجنة.
[ ٢ / ١٨٢ ]