ولما أطمع أول الآية في أهل الكتاب وقطع عنهم آخرها صرح بما لوّح إليه هذا الأخير وأعلمه ﷺ بعاقبة أمرهم وأنه لا اتفاق بينه وبينهم أصلًا ولا اتفاق بين فريقيهم مع كون الكل من بني إسرائيل ليريحه ﷺ من التطلع إلى هدى بعضهم فقال تعالى: ﴿ولئن أتيت الذين أوتوا﴾ بناه للمجهول تنبيهًا على هوانهم ﴿الكتاب﴾ أي من اليهود والنصارى ﴿بكل آية﴾ أي من الآيات المسموعة مرغبة ومرهبة ومن الآيات المرئية مغرّبة ومقربة ﴿ما تبعوا قبلتك﴾ أي هذه التي حولت إليها وكنت الحقيق بها لكونها قيامًا للناس كما أنت رسول إلى جميع الناس، لأن إعراضهم ليس عن شبهة إذا زالت زال بل عن عناد. ثم أومأ إلى أنهم ينصبون له الحبائل ليعود ولو ساعة من نهار إلى قبلتهم ليقدحوا بذلك فيه فقال: ﴿وما أنت بتابع قبلتهم﴾ ثم أشار إلى عيبهم باختلافهم وتفرقهم مع نهيهم عنه فقال: ﴿وما بعضهم﴾ أي أهل الكتاب ﴿بتابع قبلة بعض﴾ مع تقاربهم في النسب، وذلك حثًا للعرب على الثبات على مباعدتهم والحذر من مخادعتهم.
ولما كان دينهم قد نسخ أعلم سبحانه بأن ثباتهم على قبلتهم مع
[ ٢ / ٢٢٢ ]
ذلك مجرد هوى فقال منفرًا للأمة عنهم ومحذرًا لهم منهم بخطاب الرأس ليكون ذلك أدعى لقبول الاتباع ﴿ولئن اتبعت أهواءهم﴾ . ولما كان هذا السياق لأمر القبلة فقط قال: ﴿من بعد ما جاءك من العلم﴾ قال الحرالي: فأبهمه ولم يكن نحو الأول الذي قال فيه «بعد الذي» لظهور ما ذكر في الأول وخفاء ما وقعت إليه الإشارة في هذا وجاءت فيه «من» التي هي لابتداء من أولية لخفاء مبدأ أمر ما جاء من العلم هنا وظهور ذلك الأول، لأن ذلك كان في أمر الملة التي
[ ٢ / ٢٢٣ ]
مأخذها العقل، وهذه في أمر التوجيه الذي مأخذه الدين والغيب، قال الحرالي: قال تعالى: ﴿إنك إذًا لمن الظالمين﴾ على حد ما ذكر من أنه من لمح لمحًا من وصف كان من الموصوف به بألطف لطف ووصف كل رتبة بحسبها، فما يرفع عنه النبي ﷺ من باب إظهار رغبته وحرصه على هداية الخلق الذي جبل على الرحمة فيه وطلب المسامحة في التقاصر عنه نظرًا منه إلى حق الله تعالى ومضمون وصية الله تعالى له حين أوصاه بغير ترجمان ولا واسطة أن يصفح عمن ظلمه ويصل من قطعه، فكان ﷺ يطلب وصل المنقطع عنه حتى يعلن عليه بالإكراه في ترك ذلك وودعه فيجيبه حكمًا وإن كان معه علمًا، ومنه قوله: «اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون»
ففي طيّ كل خطاب له يظهر الله ﷿ فيه إكراهه على أخذ حكم الحق وإمضاء العدل أعظم مدحة له والتزام لوصيته إياه، فهو ممدوح بما هو مخاطب بخطاب الإكراه على إمضاء العدل والاختصار في أمر رحمته للعالمين، فرفعه الله أن يكون ممن يضع رحمة في موضع استحقاق وضع النقمة، فذلك الذي بجمع معناه بين متقابل الظالمين فيمن يضع النقمة موضع الرحمة فيكون أدنى الظلم، أو من يضع الرحمة في موضع
[ ٢ / ٢٢٤ ]
النقمة فيكون منه بتغيير الوضع بوضع الفضل موضع العدل؛ وعلى ذلك جميع ما ورد في القرآن من نحو قوله: ﴿فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فسئل الذين يقرءون الكتاب من قبلك لقد جاءك الحق من ربك﴾ أي في إمضاء العدل ﴿فلا تكونن من الممترين﴾ [يونس: ٩٤] في طلب الفضل لأهل العدل فإن الله يمضي عدله كما يفيض فضله، وكذلك قوله: ﴿عبس وتولى أن جاءه الأعمى﴾ [عبس: ١-٢] فيه إظهار لمدحته بحرصه على تألف الأبعدين ووصل القاطعين حتى ينصرف عنهم بالحكم وإشادة الإكراه عليه في ذلك، فلا ينصرف عن حكم الوصية إلى حكم الكتاب بالحق إلا عن إشادة بإكراهه عليه، فهو محمود بما هو منهي عنه، لأن خطابه أبدًا في ذلك في القرآن فيما بين الفضل والعدل، وخطاب سائر الخلق جار فيما بين العدل والجور، فبين الخطابين ما بين درج العلو، ودرك السفل في مقتضى الخطابين المتشابهين في القول المتباينين
[ ٢ / ٢٢٥ ]
في العلم - انتهى. وسيأتي في قوله تعالى: ﴿عفا الله عنك لم أذنت لهم﴾ [التوبة: ٤٣] في سورة التوبة ما يوضحه.
ولما ختم الخطاب بالإشارة بقوله: ﴿أهواءهم﴾ إلى علمهم بحقية هذا التحويل تلويحًا كما فتحه بالإعلام به تصريحًا كرّ على تأكيد الإعلام بما هم عليه في أمرها من التحقق إشارة إلى ما تبطنوه من العناد الموجب للتمادي في الفساد فقال مضمرًا له على وجه يصلح أن يكون للنبي ﷺ معظمًا لهذه المعرفة بإسناد الإيتاء إليه سبحانه: ﴿الذين آتيناهم﴾ أي بما لنا من العظمة التي هم بها عارفون ﴿الكتاب يعرفونه﴾ أي التحويل المتضمن لزيادة تحققهم لصدق الرسول ﷺ وكمال علمهم به ﴿كما يعرفون أبناءهم﴾ لا يشكون في حقية ذلك بوجه لظهور دلائله عندهم، لأنهم يعرفون الرسول ﷺ بجميع نعوته معرفة لا يشكون فيها لكونها عن الله الذي لا خلف في قوله، فبذلك صاروا يعرفون صحة هذا التحويل هذه المعرفة، وذلك كما أنهم لا يشكون في شيء مما تقع به المعرفة لأبنائهم لشدة ملابستهم لهم؛ والحاصل أن معرفتهم بنبوته تزيدهم في المعرفة بحقية التحويل بصيرة لأنه من نعته، ومعرفتهم بأمر التحويل يثبتهم في حقية نبوته لكونه مما ثبت منها، ولذلك قال الحرالي: في إنبائه تحققهم بعيان ما ذكر لهم من أمره، لأن
[ ٢ / ٢٢٦ ]
العارف بالشيء هو الذي كان له به إدراك ظاهر بأدلة ثم أنكره لاشتباهه عليه ثم عرفه لتحقق ذكره لما تقدم من ظهوره في إدراكه، فلذلك معنى المعرفة لتعلقها بالحس وعيان القلب أتم من العلم المأخوذ عن علم بالفكر؛ وإنما لم تجز في أوصاف الحق لما في معناها من شرط النكرة، ولذلك يقال المعرفة حد بين علمين: علم على تشهد الأشياء ببواديها، وعلم دون يستدل على الأشياء بأعلامها؛ وفيه أي التشبيه بالأبناء إنباء باتصال معرفتهم به كيانًا كيانًا إلى ظهوره، ولو لم يكن شاهده عليهم إلا ارتحالهم من بلادهم من الشام إلى محل الشدائد من أرض الحجاز لارتقابه وانتظاره
﴿فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به﴾ [البقرة: ٨٩] وأجرى المثل بذكر الأبناء لاشتداد عناية الوالد بابنه لاعتلاقه بفؤاده، ففيه إنباء بشدة اعتلاقهم به قبل كونه ﴿وإن فريقًا منهم﴾ أي أهل الكتاب ﴿ليكتمون الحق﴾ أي يخفونه ولا يعلنونه.
ولما كان لا يلزم من ذلك علمهم به ولا يلزم من علمهم به استحضاره عند الكتمان قال: ﴿وهم يعلمون﴾ أي إنه حق وأنهم آثمون بكتمانه، فجعلهم أصنافًا: صنفًا عرفوه فاتبعوه، وصنفًا عرفوه فأنكروه كما في إفهامه
[ ٢ / ٢٢٧ ]
وفريقًا علموه فكتموه؛ وفي تخصيص هذا الفريق بالعلم إشعار بفرقان ما بين حال من يعرف وحال من يعلم، فلذلك كانوا ثلاثة أصناف: عارف ثابت، وعارف منكر هو أردؤهم، وعالم كاتم لاحق به؛ وفي مثال يكتمون ويعلمون إشعار بتماديهم في العالم وتماديهم في الكتمان.
ولأن هذا المجموع يفيد قهر الحق للخلق بما شاء منهم من هدى وفتنة لتظهر فيها رحمته ونقمته وهو الحق الذي هو ماضي الحكم الذي جبلّة محمد ﷺ تتقاضى التوقف فيه لما هو عليه من طلب الرحمة ولزوم حكم الوصية خاطبه الحق بقوله: ﴿الحق﴾ أي هذا التفريق والتصنيف الموجب لعمارات درجات الجنة وعمارات دركات النار هو الحق، أو يكون المعنى: الحق الذي أخبرت به في هذه السورة أو الآيات، أو جنس الحق كائن ﴿من ربك﴾ أي المحسن إليك بطرد من يضر اتباعه كما هو محسن إليك بالإقبال بمن ينفع اتباعه ﴿فلا تكونن من الممترين﴾ فيما فسر نحوه من اشتباه المرتبتين الواقعة منه فيما بين الفضل والعدل والواقعة من غيره فيما بين الجور
[ ٢ / ٢٢٨ ]
والعدل انتهى. وفيه زيادة وتغيير، وفي تأكيد الأمر تارة بالعلم وتارة بالمعرفة وتارة بغيرهما تأكيد لوجوب اتباعه ﷺ وإزاحة لما يلقيه السفهاء العالمون به من الشبه. قال الحرالي: والممتري من الامتراء وهو تكلف المرية وهي مجادلة تستخرج السوء من خبيئة المجادل، من امتراء ما في الضرع وهو استيصاله حلبًا، ولأنه حال الشاك ربما أطلق عليه.
ولما بين أن أحدًا من هؤلاء الفرق لا يتبع قبلة الآخر وتضمن ذلك أن لكل منهم قبلة وقرر أن ذلك من أهل الكتاب على وجه العناد أثبت ما تضمنه الكلام السابق على وجه أعم منه وسبب عنه النتيجة فقال تعالى: ﴿ولكل﴾ أي لكل فريق من المذكورين وغيرهم ﴿وجهة﴾ أي مقصد يقصده ويوجه وجهه إليه ويقبل بقلبه عليه من القبلة للصلاة وغيرها من جميع المقاصد ﴿هو موليها﴾ إن كسر اللام كان المعنى هو متوليها أي فاعل التولي أي مائل إليها بوجهه لأن المادة تدور بكل ترتيب على الميل كما يأتي إن شاء الله تعالى في
[ ٢ / ٢٢٩ ]
آخر الأنفال، فيكون وليّ بمعنى تولّى كقدم بمعنى تقدم، ومن المعلوم الفرق بين تولاه وتولى عنه، وإن فتح فالمعنى: هو ممال إليها.
قال الحرالي: وفي قراءة موليها - بالكسر - إشعار باختلاف جبلات أهل الملل وإقامة كل طائفة منهم بما جبلت عليه، وفي قراءة «مولاها» إظهار حقيقة ذلك وأنه ليس ذلك منهم بل بما أقامهم فيه المولى لهم حيث شاء، وأبهم فيه المولى لما كان في طوائف منهم حظ هوى، وهو من التولية وهو ما يجعل مما يلي الجسد، أو القصد أي يكون ميالًا بين يديه ملاصقًا له - انتهى.
ولما كان فعلهم هذا إنما هو لأجل تزكية النفس وخلاصها وكان ذلك لا يحصل إلا بفعل الخير واجتناب الشر سبب عنه قوله: ﴿فاستبقوا الخيرات﴾ أي فاجعلوا أنتم مقصدكم أنواع الخير من القبلة
[ ٢ / ٢٣٠ ]
وغيرها وتسابقوا في قصدكم إليها، أي كانوا في المبادرة إلى أفعال الخير كمن يسابق خصمًا فهو يجتهد في سبقه، فإن الاستباق تكلف السبق والسبق بروز أحد المتحاربين، ثم حثهم على ذلك وحذرهم من تركه بقوله على وجه التعليل: ﴿أين ما تكونوا﴾ أي من الجهات التي استبقتم إليها الحسية والمعنوية ﴿يأت بكم الله﴾ أي الملك الأعظم ﴿جميعًا﴾ منها إليه في يوم البعث، ثم علل هذه العلة بقوله: ﴿إن الله﴾ أي الذي له الأمر كله ﴿على كل شيء قدير﴾ وفي ذكر البعث هنا معادلة بين القبلتين: قبلة أهل الفضل الأمة الوسط التي جعلت محل الأمن، والقبلة الأولى، قال الحرالي: من حيث يرد الخلق في البعث إلى موطن القبلة السابقة من أرض الشام، فيكون موطن الحق والعدل أولى القبلتين بذلك، لأن أعلى القبلتين موطن أمنة من حيث إن من دخله كان آمنًا، فكان
[ ٢ / ٢٣١ ]
المحشر إلى قبلتهم الأولى التي هي بداية الأمر ليطابق الآخر من القبلتين الأولى من حيث كان الآخر في الدنيا للفضل والأول في الآخر للعدل ومن الدعوتين من حيث كانت الدعوة الأولى في الأول حكمًا وعلمًا والإتيان الآخر في العقبى قهرًا وملكًا.
ولما عظم في شأن القبلة انتشار أقوالهم في تنويع شغبهم وجدالهم وكانوا أهل علم وكتاب، وقد مرت لهم دهور وهو موسومون بأنهم على صواب، فاشرأب لذلك النفاق، ودارت رحى الباطل والشقاق، وقامت سوق الفسوق فيما هنالك على ساق، كان الحال مقتضيًا لمزيد تأكيد لأمرها تعظيمًا لشأنها وتوهية لشبه السفهاء فقال تعالى ثانيًا معبرًا بعبارة مشعرة بإمامته ﷺ وانتظار المصلين له، ﴿ومن حيث خرجت﴾ أي للصلاة المفروضة باتباعك من هذه الجهة التي أنت بها الآن بالمدينة الشريفة التي هي شمال الكعبة المشرفة أو من غيرها من الجهات من الشرق والغرب والجنوب ﴿فول وجهك شطر﴾ أي عين ﴿المسجد الحرام﴾ وأما قلبك فهو إلى الله
ولما كان التقدير فإنك مأمور بذلك لئلا يظن أن ذلك إنما
[ ٢ / ٢٣٢ ]
عمل لتطلعه ﷺ إليه وهو فيه بالخيار فيظن أن الرجوع إلى القبلة الأولى مصلحة لما انتشر في ذلك من الكلام الذي نفذ في القلوب نفوذ السهام عطف عليه قوله: ﴿وإنه للحق من ربك﴾ مؤكدًا له بأنواع التأكيد مضيفًا له إلى صفة الإحسان بإحسان التربية والنظر في أدبار الأمور وأحكامها.
ولما كان التقدير: وإن ربك عالم بما قالوا من الشبه التي دارت بين الناس وخيفت عاقبتها عطف عليه ما هو أعم منه فقال: ﴿وما الله﴾ أي الذي له الإحاطة الكاملة ﴿بغافل عما﴾ أي عن شيء مما ﴿يعملون﴾ أي السفهاء من اليهود وغيرهم في مستقبل الزمان فيوهيه ويبطل أذاه ويرميه ويبعده ويقصيه، وعلى قراءة الخطاب أنتم في هذا الوقف وبعده فيغلبه ويثبته ويبقيه إن كان خالصًا لوجهه وإلا جعله هباء منثورًا. قال الحرالي: ومن التفت بقلبه في صلاته إلى غير ربه لم تنفعه وجهة وجه بدنه إلى الكعبة، لأن ذلك حكم حق حقيقته توجه القلب ومن التفت بقلبه إلى شيء من الخلق
[ ٢ / ٢٣٣ ]
في صلاته فهو مثل الذي استدبر بوجهه عن شطر قبلته، فكما يتداعى الإجزاء الفقهي باستدبار الكعبة حسًا فكذلك يتداعى القبول باستدبار وجه القلب عن الرب غيبًا، فلذلك أقبل هذا الخطاب على الذين آمنوا والذين أسلموا، لأنه هو ﷺ مبرأ عن مثله - انتهى. ﴿ومن حيث خرجت﴾ أي من بقاع الأرض للصلاة بأمتك ﴿فول وجهك﴾ أي اجعله يلي ﴿شطر﴾ أي عين ﴿المسجد الحرام﴾ .
ولما تقرر بما تكرر أن هذا التحويل فرض قي حقه ﷺ حتم لا فتور عنه ولا رخصة فيه إلا ما استثنى في النفل أدخل معه أمته ليعمهم الحكم وربأ بمنصبه المنيف وقدره الشريف عن أن يكون لأحد عليه ما يسمى حجة بحق أو باطل فقال: ﴿وحيث ما كنتم﴾ أي أيتها الأمة من جميع جهات الكعبة في جميع أقطار الأرض الدانية والقاصية. قال الحرالي: وذكر في أمته بالكون لا بالخروج إشعارًا يتقاصر الأمة عن علو أحوال الأئمة وأن حال الأمة في خلوتهم كحالهم في جولتهم - انتهى.
﴿فولوا وجوهكم﴾ أي اجعلوها والية ﴿شطره﴾ للصلاة. قال الحرالي: وفيه إشعار يلحظ صحة صلواتكم فرادى وفي بيوتكم، كما قال: إذا جئت فصل مع الناس وإن كنت
[ ٢ / ٢٣٤ ]
قد صليت في أهلك، بخلافه هو ﷺ فإن صلاته لا تقع إلا جمعًا من حيث إنه يصلي لهم وأنه إمام لا تقع صلاته فذا - انتهى.
ولما كان ربما ظن أن الرجوع إلى القبلة الأولى يزيل الكلام بين ﷾ أن الأمر بخلاف ذلك فقال: ﴿لئلا يكون للناس﴾ أي لأحد منهم ﴿عليكم حجة﴾ بأن يقولوا: النبي المبشر به يستقبل بيت إبراهيم ﵊ ثم لا يتحول عنه وهذا لم يفعل، أو يقولوا: ما جاء بشيء جديد وإنما هو تبع لنا في قبلتنا.
ولما كانت الحجة كلامًا ينشأ عن مقدمات يقينية مركبة تركيبًا صحيحًا وقع الاستثناء باعتبار تلبس المستثنى بجزء المعنى الذي نفى عن المستثنى منه بدلالة التضمن فهو قريب من الاستخدام فقال: ﴿إلا الذين﴾ أي الناس الذين ﴿ظلموا منهم﴾ فإنهم لعنادهم ولددهم لا يرجعون
[ ٢ / ٢٣٥ ]
إلى الحق الذي يعرفونه بل يكون لهم عليكم مجرد كلام هو مادة الحجة لا حجة بما دل عليه وصفهم بالظلم الذي هو وضع الشيء في غير محله كما هو شأن كل ماش في مأخذ الاشتقاق الذي هو الظلام، ويكون الاستثناء على هذا منقطعًا بمعنى: لئلا يحتج أحد عليكم لكن الذين ظلموا يقولون أو يظهرون فجورًا ولددًا في ذلك كلامًا يسمونه حجة، ولعل السر في تصويره على تقدير الانقطاع بصورة الاستثناء الحث على الثبات على أمر الله ﷾ والإعراض عمن خالفه نظرًا إلى ما تأصل من إبطاله واستحضارًا لما ظهر من فاسد أحواله وإن أبدى من الشبه ما يخفى أمره ويصعب على بعض المحقين حله حتى يظن حجة؛ ويجوز أن يراد بالحجة أعم من القطعي والظني فيكون الاستثناء متصلًا، قال السفاقسي: ومثار الخلاف هل الحجة الدليل الصحيح والاستثناء منقطع أو الاحتجاج والخصومة فهو متصل - انتهى. ووصفها بالاستعلاء عليهم لما يحصل بها من
[ ٢ / ٢٣٦ ]
الأذى بدلالتها على العداوة والشقاق لا بتغييرها في وجه شيء من الأدلة، و﴿الذين ظلموا﴾ إن أريد بهم اليهود فهم يقولون: ما رجع إلى الكعبة إلا محبة لبلده، ولو كان في قبلتنا على أمر من الله سبحانه ما تحول عنه، وإن كان المشركين فهم يقولون: قد استقبل بلدكم ومسجدكم فيوشك أن يدين دينكم. ولما نفى عن أهل هذه القبلة بالثبات عليها كل سبيل تسبب عنه قوله: ﴿فلا تخشوهم﴾ أي في هذا الأمر ولا غيره، فإني أريد عنكم كيدهم وأوهن أمرهم. ولما تبين أحكام فعله ومضى ما يريد من ربطه وحله حثهم على لزوم هذه القبلة محذرًا من مخالفته في شيء من الأشياء فقال: ﴿واخشوني﴾ ثم عطف على علة الاستقبال قوله: ﴿ولأتم﴾ أي بهذا الدين المفيد لعز الدارين
[ ٢ / ٢٣٧ ]
ونعيمها الذي من جملته هذا الاستقبال ﴿نعمتي عليكم﴾ بالتمكين من الحجج وغيره من أمور الدين حين أنزل عليكم آية
﴿اليوم أكملت لكم دينكم﴾ [المائدة: ٣] كما أتممتها على إبراهيم خليلي صاحب هذا البيت الذي وجهتكم إليه. قال الحرالي: وفي طيه بشرى بفتح مكة واستيلائه على جزيرة العرب كلها وتمكنه بذلك من سائر أهل الأرض لاستغراق الإسلام لكافة العرب الذين فتح الله بهم له مشارق الأرض ومغاربها التي انتهى إليها ملك أمته - انتهى. ﴿ولعلكم تهتدون﴾ أي ولتكونوا على رجاء عند أنفسكم ومن يراكم ممن لا يعلم العواقب من أن تهتدوا إلى الثبات على هذه القبلة وغيرها من أمر هذا الدين سبب خشيتي فإنها جالبة لكل خير ودافعة لكل ضير. قال الحرالي: وفي كلمة ﴿لعل﴾ على ما تقدم إبهام يشعر بتصنيفهم صنفين: مهتد للثبات على السنة، ومتغير فيه بوجه من وجوه البدعة، لما ذكر من أن ما هو للخلق تردد فهو من الحق تقسيم وإبهام في تعيين ذلك التقسيم والتصنيف، ففيه إعلام لقوم بالاهتداء الدائم بما تفهمه صيغة الدوام وإشعار بانقطاع
[ ٢ / ٢٣٨ ]
قوم عن ذلك التمادي بما يفهمه ما هو للخلق بموضع الترجي، وفي طيه إشعار باستبدادهم بالأمر بعد وفاة النبي ﷺ وانقسامهم فيه بين ثابت عليه دائم الاهتداء فيه ومتغير عنه كما ظهر فيما كان من ثبات من ثبت بعده وردة من ارتد - انتهى. ﴿كما﴾ أي وجهناكم إلى الكعبة لهذه العلل ﴿أرسلنا﴾ أي بعظمتنا ﴿فيكم﴾ لأجل ذلك بعينه ولئلا تقولوا ما كانوا يقولون من أنكم لا حرمة لكم لإشراككم ولا إثم على من آذاكم فيتم عليكم النعمة بإرسال من يستنقذكم اتباعه من الجهل والذل في الدنيا ومن العذاب في الأخرى ﴿رسولًا﴾ متصفًا بأنه ﴿منكم﴾ تعرفون من صفته العلية وهممه الشم الحاملة على اتباعه والتيمن برأيه ما لا يعرفه غيركم ﴿يتلوا عليكم
[ ٢ / ٢٣٩ ]
آياتنا﴾ الحافظة لمن رعاها حق رعايتها على الصراط المستقيم عوضًا من تناشدكم الأشعار. قال الحرالي: وفيه أخذهم بما هو في طباعهم من إيثار أمر السمع على أمر العين الذي عليه جبلت العرب، لأنها أمة تؤثر مسموع المدح والثناء من الخلق على ما تناله من الراحة فتجهد في طلب الثناء من الخلق ما لم تجهد أمة غيرها، فكيف بها إذا كان ما دعيت إليه ثناء الحق عليها وتخليد ذلك لها في كلام هو كلام ربها. فتنال بذلك ما هو فوق مقصودها مما جبلت عليه من إيثار السماع على العين بخلاف ما عليه سائر الأمم؛ ثم قال: وفيه إغناء العرب عن إعمال أفكارها في تكسب العلم والحكمة لتستخرج منه أحكامًا، فكان في تلاوة الآيات عليهم إغناؤهم عن الاستدلال بالدلائل وأخذ الأمور بالشواهد وتولي الله ورسوله تعليمهم ليكون شرف المتعلم بحسب علاء من علمه، ففضل علماء العرب على سائر العلماء كفضل النبي ﷺ على معلمهم ممن سواه ﷺ.
انتهى.
[ ٢ / ٢٤٠ ]
ولما كان السياق لفعل من الأفعال وهو التوجه إلى البيت للصلاة وكانت الصلاة أعظم مطهر للقبول من أوضار الأدناس قدم قوله: ﴿ويزكيكم﴾ أي يطهركم في أقوالكم وأفعالكم وينميكم بإنعاش قلوبكم لتشرف بالمعاني الصالحة والأخلاق الطاهرة الموجبة للفوز الدائم والنجاة عما دنس اليهود وأوجب لهم الضلال من مرض القلب بإنكار النسخ وكتم الحق وإفشاء الباطل المثمر مع الضلال للإضلال. قال الحرالي: أنبأهم بأن هذا التنزيل لأنفسهم بمنزلة الغذاء للأبدان، فكما تتنامى أجسادهم بماء المزن وما منه فكذلك تتنامى أنفسهم بأحكام الكتاب وتلاوة الآيات، وذلك زكاؤها ونماؤها، لتتأكد فيه رغبتهم، لأن للمغتذي
[ ٢ / ٢٤١ ]
رغبة في الغذاء إذا تحققه، فمن علم أن التزام الأحكام غذاء لنفسه حرص عليها، ومتى نمت النفس وزكت قويت على ما شأنها أن تناله قواها، كما أن البدن إذا قوي بالغذاء تمكن مما شأنه عمله - انتهى. ﴿ويعلمكم الكتاب﴾ المقيم للدين والدنيا. قال الحرالي: أي الفقه فيه ﴿والحكمة﴾ دقائق الإشارات الشافية لأمراض القلوب المانعة من اتباع الهوى. قال الحرالي: فخص تعليم الحكمة من عموم تعليم الكتاب، لأن التوسل بالأحكام جهد عمل والتوسل بعلم الحكمة يسر منال عقل، لأن الحكمة منال الأمر الذي فيه عسر بسبب فيه يسر فينال الحكيم بحكمته لاطلاعه على إفضاء مجعول الأسباب بعضها لبعض مما بين أسباب عاجل الدنيا ومسببات آجل الآخرة ما لا يصل إليه جهد العامل الكادح وفي تكملة الكتاب والحكمة بكلمة «أل» إنهاء إلى الغاية الجامعة لكل كتاب وحكمة بما يعلمه الأولون والآخرون. ثم قال:
[ ٢ / ٢٤٢ ]
وبذلك كان ﷺ يتكلم في علوم الأولين بكلمات يعجز عنها إدراك الخلق نحو قوله ﷺ: «استاكوا بكل عود ما خلا الآس والرمان فإنهما يهيجان عرق الجذام» لأن الخلق لا يستطيعون حصر كليات المحسوسات، غاية إدراكهم حصر كليات المعقولات، ومن استجلى أحواله ﷺ علم اطلاع حسه على إحاطة المحسوسات وإحاطة حكمها وألسنتها ناطقها وأعجمها حيها وجمادها جمعًا، لما في العادة حكمة ولما في خرق العادة آية؛ ثم قال: فعلى قدر ما وهب الله ﷾ العبد من العقل يعلمه من الكتاب والحكمة، يؤثر عن عمر رضي الله تعالى عنه أنه قال: «كان رسول الله ﷺ يكلم أبا بكر ﵁ فكأنما يتكلمان بلسان أعجمي لا أفهم مما يقولان شيئًا» ولما كان انتهاء ما في الكتاب عند هذه الغاية أنبأ تعالى أن رسوله ﷺ
[ ٢ / ٢٤٣ ]
يعلمهم ما لم يكن في كتابهم مثال علمه. ففيه إشعار بفتح وتجديد فطرة يترقون لها إلى ما لم يكن في كتابهم علمه - انتهى. وذلك لأن استعمال الحكمة موجب للترقي فقال تعالى: ﴿ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون﴾ أي من الاستنباط من الكتاب من المعارف بما يدريكم به من الأقوال والأفعال ويسلككم فيه من طرق الخير الكاشفة لظلام الظلم الجالية لمرأى الأفكار المنورة لبصائر الاعتبار.
[ ٢ / ٢٤٤ ]