ولما كان فيه مع ذلك معنى التعليل والتنبيه على أنه غني عن الاختبار، خبير بدقائق الأسرار أتبعه قوله مستأنفًا لبيان ما هو من ثمرات العلم: ﴿إن الذين تولوا منكم﴾ أي عن القتال ومقارعة الأبطال ﴿يوم التقى الجمعان﴾ أي من المؤمنين والكفار ﴿إنما استزلّهم﴾ أي طلب زللهم عن ذلك المقام العالي ﴿الشيطان﴾ أي عدوهم البعيد من الرحمة المحترق باللعنة ﴿ببعض ما كسبوا﴾ أي من الذنوب التي لا تليق بمن طلب الدنو إلى حضرات القدس ومواطن الأنس من ترك المركز والإقبال على الغنيمة وغير ذلك، فإن القتال في الجهاد إنما هو بالأعمال،
[ ٥ / ١٠١ ]
فمن كان أصبر في أعمال الطاعة كان أجلد على قتال الكفار، ولم يكن توليهم عن ضعف في نفس الأمر.
ولما كان ذلك مفهمًا أن الذين تولوا صاروا من حزب الشيطان فاستحقوا ما استحق ألصق به قوله: ﴿ولقد عفا الله﴾ أي الذي له صفات الكمال ﴿عنهم﴾ لئلا تطير أفئدة المؤمنين منهم، وختم ذلك ببيان علته مما هو أهله من الغفران والحلم فقال معيدًا للاسم الأعظم تنبيهًا على أن الذنب عظيم والخطر بسببه جسيم، فلولا الاشتمال على جميع صفات الكمال لعوجلوا بأعظم النكال: ﴿إن الله غفور﴾ أي محاء للذنوب عينًا وأثرًا. ولما كان الغفر قد يكون مع تحمل نفاه بقوله: ﴿حليم *﴾ أي حيث لم يعامل المتولين حذر الموت معاملة الذين خرجوا من ديارهم - كما تقدم - حذر الموت، فقال لهم الله: موتوا.
ولما كان قولهم: إنا لو ثبتنا في المدينة الممثلة بالدرع الحصينة - كما «كان رأي رسول الله ﷺ والأكابر من أصحابه» لسلمنا، إلى غير ذلك مما أشار ﷾ إليه قولًا موجبًا لغيظ رسول الله ﷺ. لما فيه من الاتهام وسوء العقيدة، وكان مع ذلك مظنة لأن يخدع كثيرًا من أهل الطاعة لشدة حبهم لمن قتل منهم
[ ٥ / ١٠٢ ]
وتعاظم أسفهم عليهم. كان أنسب الأشياء المبادرة إلى الوعظ بما يزيل هذا الأثر، ولما كان الرسول ﷺ مؤيدًا بأعظم الثبات لما طبع عليه من الشيم الطاهرة والمحاسن الظاهرة كان الأنسب البداءة بغيره، فنهى الذين آمنوا عن الانخداع بأقوالهم فقال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ أي أظهروا الإقرار بالإيمان! صدقوا قولكم بأن ﴿لا تكونوا كالذين كفروا﴾ أي بقلوبهم على وجه الستر ﴿وقالوا﴾ أي ما فضحهم ﴿لإخوانهم﴾ أي لأجل إخوانهم الأعزة عليهم نسبًا أو مذهبًا ﴿إذا ضربوا﴾ أي سافروا مطلق سفر ﴿في الأرض﴾ أي لمتجر أو غيره ﴿أو كانوا غزّى﴾ أي غزاة مبالغين في الغزو في سبيل الله بسفر أو غيره جمع غازٍ، فماتوا أو قتلوا ﴿لو كانوا عندنا﴾ أي لم يفارقونا ﴿ما ماتوا وما قتلوا﴾ وهذا في غاية التهكم بهم، لأن إطلاق هذا القول منهم - لا سيما على هذا التأكيد - يلزم منه ادعاء أنه لا يموت أحد في المدينة، وهو لا يقوله عاقل
ولما كان هذا القول محزنًا اعتقاده وكتمانه علق ﷾ بقوله: «قالوا» وبانتفاء الكون كالذين قالوا قوله: ﴿ليجعل الله﴾ أي الذي لا كفوء له ﴿ذلك﴾ أي القول أو الانفراد به عن مشارك
[ ٥ / ١٠٣ ]
﴿حسرة في قلوبهم﴾ أي باعتقاده وعدم المواسي فيه وعلى تقدير التعليق ب «قالوا» يكون من باب التهكم بهم لأنهم لو لم يقولوه لهذا الغرض الذي لا يقصده عاقل لكانوا قد قالوه لا لغرض أصلًا وذلك أعرق في كونه ليس من أفعال العقلاء ﴿والله﴾ أي لا تكونوا مثلهم والحال.
أو قالوا ذلك والحال. أن الذي له الإحاطة الكاملة ﴿يحيي﴾ أي من أراد في الوقت الذي يريد ﴿ويميت﴾ أي من أراد إذا أراد لا يغني حذره من قدره ﴿والله﴾ أي المحيط بكل شيء قدره وعلمًا ﴿بما تعملون﴾ أي بعملكم وبكل شيء منه ﴿بصير *﴾ وعلى كل شيء منه قدير لا يكون شيء منه بغير إذنه ومتى كان على خلاف أمره عاقب عليه.
ولما نهاهم عن قول المنافقين الدائر على تمني المحال من دوام البقاء وكراهة الموت بيّن لهم ثمرة فوات أنفسهم في الجهاد بالموت أو القتل ليكون ذلك مبعدًا لهم مما قال المنافقون موجبًا لتسليم الأمر للخالق بل محببًا فيه وداعيًا إليه فقال: ﴿ولئن﴾ وهو حال أخرى من لا «تكونوا» ﴿قتلتم﴾ أي من أية قاتل كان ﴿في سبيل الله﴾
[ ٥ / ١٠٤ ]
أي الملك الأعظم قتلًا ﴿او متم﴾ أي فيه موتًا على أية حالة كانت. ولما كان للنفوس غاية الجموح عن الموت زاد في التأكيد فقال: ﴿لمغفرة﴾ أي لذنوبكم تنالكم فهذا تعبد بالخوف من العقاب ﴿من الله﴾ أي الذي له نهاية الكمال بما كنتم عليه من طاعة ﴿ورحمة﴾ أي لأجل ذلك وهو تعبد لطلب الثواب ﴿خير مما يجمعون *﴾ أي مما هو ثمرة البقاء في الدنيا عند أهل الشقاء مع أنه ما فاتكم شيء من أعماركم.
[ ٥ / ١٠٥ ]