ولما أخبر ﷾ بأنه بصير بمن يستحق ما أعد من الفوز أتبعه ما استحقوا ذلك به من الأوصاف تفضلًا منه عليهم بها وبإيجاب ذلك على نفسه حثًا لهم على التخلق بتلك الأوصاف فقال: - وقال الحرالي: لما وصف تعالى قلوبهم بالتقوى وبرأهم من الاستغناء بشيء من دونه وصف أدبهم في المقال فقال؛ انتهى - ﴿الذين يقولون ربنا﴾ أي يا من ربانا بإحسانه وعاد علينا بفضله، وأسقط أداة
[ ٤ / ٢٧٩ ]
النداء إشعارًا بما لهم من القرب لأنهم في حضرة المراقبة؛ ولما كانت أحوالهم في تقصيرها عن أن يقدر الله حق قدره كأنها أحوال من لم يؤمن اقتضى المقام التأكيد فقالوا: ﴿إننا﴾ فأثبتوا النون إبلاغًا فيه ﴿آمنا﴾ أي بما دعوتنا إليه، وأظهروا هذا المعنى بقولهم: ﴿فاغفر لنا ذنوبنا﴾ أي فإننا عاجزون عن دفعها ورفع الهمم عن مواقعتها وإن اجتهدنا لما جبلنا عليه من الضعف والنقص، تنبيهًا منه تعالىعلى أن مثل ذلك لا يقدح في التقوى إذا هدم بالتوبة لأنه ما أصر من استغفر، والتوبة تجب ما قبلها. قال الحرالي: وبين المغفرة على مجرد الإيمان إشارة إلى أنه لا تغيرها الأفعال، من ترتب إيمانه على تقوى غفرت ذنوبه، فكانت مغفرة الذنوب لأهل هذا الأدب في مقابلة الذين آخذهم الله بذنوبهم من الذين كذبوا، ففي شمول ذكر الذنوب في الصنفين إعلام بإجراء قدر الذنوب على الجميع، فما كان منها مع التكذيب أخذ به، وما كان منها مع التقوى والإيمان غفر له - انتهى.
ولما رتب ﷾ الغفران على التقوى ابتداء رتب عليها الوقاية انتهاء فقال: ﴿وقنا عذاب النار﴾ أي الذي استحققناه بسوء أعمالنا.
[ ٤ / ٢٨٠ ]
قال الحرالي: ولما وصف تقوى قلوبهم باطنًا وأدب مقالهم ظاهرًا وصف لهم أحوال أنفسهم ليتطابق ظاهر أمرهم بمتوسطه وباطنه فقال: ﴿الصابرين﴾ فوصفهم بالصبر إشعارًا بما ينالهم من سجن الدنيا وشدائدها، والصبر أمدح أوصاف النفس، به تنحبس عن هواها وعما زين من الشهوات المذكورة بما تحقق من الإيمان بالغيب الموجب لترك الدنيا للآخرة فصبروا عن الشهوات؛ أما النساء فبالاقتصار على ما ملكوه وأما البنون فبمراعاة أن ما تقدم خير مما تأخر، قال ﷺ - يعني فيما رواه ابن ماجه عن أبي هريرة ﵁ «لسقط أقدمه بين يدي أحب إليَّ من فارس أخلفه خلفي» وأما الذهب والفضة فبالنظر إليها أصنامًا يضر موجودها، وبالحري أن ينال منها السلامة بنفقة لا يكاد يصل إنفاقها إلى أن يكون كفارة كسبها وجمعها، فكان الصبر عنها أهون من التخلص منها؛ وأما
[ ٤ / ٢٨١ ]
الخيل فلما يصحبها من التعزز الممد لخيلاء النفس الذي هو أشد ما على النفس أن تخرج عن زهوها وخيلائها إلى احتمال الضيم والسكون بحب الذل، يقال: إنه آخر ما يخرج من رؤوس الصديقين حب الرئاسة؛ وأما الأنعام فبالاقتصار منها على قدر الكفاف، لأن كل مستزيد تمولًا من الدنيا زائدًا على كفاف منه من مسكن أو ملبس أو مركب أو مال فهو محجر على من سواه من عباد الله ذلك الفضل الذي هم أحق به منه، قال ﷺ:
«لنا غنم مائة لا نريد أن تزيد» الحديث ﴿وإن من شيء إلا عندنا خزائنة وما ننزله إلا بقدر معلوم﴾ [الحجر: ٢١]؛ وأما الحرث فبالاقتصار منه على قدر الكفاية لما يكون راتبًا للإلزام ومرصدًا للنوائب ومخرجًا للبذر، فإن أعطاه الله فضلًا أخرجه بوجه من وجوه الإخراج ولو بالبيع، ولا يمسكه متمولًا لقلبه إلى غيره من الأعيان فيكون محتكرًا، قال ﵊ كما أخرجه أحمد وأبو يعلى عن ابن عمر رضي الله
[ ٤ / ٢٨٢ ]
تعالى عنهما «من احتكر أربعين يومًا فقد برىء من الله وبرىء الله منه» فبذلك يتحقق الصبر بحبس النفس عما زين للناس من التمولات من الدنيا الزائدة على الكفاف التي هي حظ من لا خلاق له في الآخرة، ولذلك يحق أن تكون هذه الكلمات معربة بالنصب مدحًا، لأن الصفات المتبعة للمدح حليتها النصب في لسان العرب، وإنما يتبع في الإعراب ما كان لرفع لبس أو تخصيص - انتهى.
ولما كان سن التقوى فوق سن الإيمان عطف أمداحهم كلها بالواو إيذانًا بكمالهم في كل وصف منها وتمكنهم فيءه بخلاف ما في آية براءة على ما سيأتي إن شاء الله تعالى فقال: ﴿والصادقين﴾ قال الحرالي: في عطف الصفات ما يؤذن بكمال الوصف لأن العرب تعطفها إذا كملت وتتبع بعضها بعضًا إذا تركبت والتأمت، يعني مثل: الرمان حلو حامض - إذا كان غير صادق الحلاوة ولا الحموضة، ففي العطف إشعار بكمال صبرهم عن العاجلة على ما عينه حكم النظم، في الآية
[ ٤ / ٢٨٣ ]
السابقة، ومن شأن الصابر عن الدنيا الصدق، لأن أكثر المداهنة والمراءاة إنما ألجأ إليها التسبب إلى كسب الدنيا، فإذا رغب عنها لم يحمله على ترك الصدق حامل قيتحقق به فيصدق في جميع أموره والصدق مطابقة أقواله وأفعاله لباطن حاله في نفسه وعرفان قلبه - انتهى ﴿والقانتين﴾ أي المخلصين لله في جميع أمورهم الدائمين عليه.
ولما ذكر ﷾ العمل الحامل عليه خوف الحق ورجاؤه أتبعه ما الحامل عليه ذلك مع الشفقة على الخلق، لأن من أكرم المنتمي إليك فقد بالغ في إكرامك فقال: ﴿والمنفقين﴾ أي ما رزقهم الله ﷾ في كل ما يرضيه، فإنه لا قوام لشيء من الطاعات إلا بالنفقة. قال الحرالي: فيه إشعار بأن من صبر نوّل، ومن صدق أعلى، ومن قنت جل وعظم قدره، فنوله الله ما يكون له منفقًا، والمنفق أعلى حالًا من المزكي، لأن المزكي يخرج ما وجب عليه فرضًا، والمنفق يجود بما في يده فضلًا - انتهى.
ولما ذكر هذه الأعمال الزاكية الجامعة العالية أتبعها الإشارة إلى أن الاعتراف بالعجز عن الوفاء بالواجب هو العمدة في الخلاص:
[ ٤ / ٢٨٤ ]
﴿والمستغفرين﴾ أي من نقائصهم مع هذه الأفعال والأحوال التي هي نهاية ما يصل إليه الخلق من الكمال ﴿بالأسحار *﴾ التي هي أشق الأوقات استيقاظًا عليهم، وأحبها راحة لديهم، وأولاها بصفات القلوب، وأقربها إلى الإجابة المعبر عنها في الأحاديث بالنزول كما يأتي بيانه في آية التهجد في سورة الإسراء. قال الحرالي: وهو جمع سحر، وأصل معناه التعلل عن الشيء بما يقاربه ويدانيه ويكون منه بوجه ما، فالوقت من الليل الذي يتعلل فيه بدنو الصباح هو السحر، ومنه السحور، تعلل عن الغداء؛ ثم قال: وفي إفهامه تهجدهم في الليل كما قال ﷾: ﴿كانوا قليلًا من الّيل ما يهجعون وبالأسحار هم يستغفرون﴾ [الذاريات: ١٧، ١٨] فهم يستغفرون من حسناتهم كما يستغفر أهل السيئات من سيئاتهم تبرؤًا من دعوى الأفعال ورؤية الأعمال التئامًا بصدق قولهم في الابتداء: ﴿ربنا إننا آمنا﴾ وكمال الإيمان بالقدر خيره وشره، فباجتماع هذه الأوصاف السبعة من التقوى والإيمان والصبر
[ ٤ / ٢٨٥ ]
والصدق والقنوت والإنفاق والاستغفار كانت الآخرة خيرًا لهم من الدنيا وما فيها، وقد بان بهذا محكم آيات الخلق من متشابهها بعد الإعلام بمحكم آيات الأمر ومتشابهها، فتم بذلك منزل الفرقان في آيات الوحي المسموع والكون المشهود - انتهى. ولعله ﷾ أشار بهذه الصفات الخمس المتعاطفة إلى دعائم الإسلام الخمس، فأشار بالصبر إلى الإيمان، وبالصدق إلى الزكاة المصدقة لدعواه، وبالقنوت الذي مدار مادته على الإخلاص إلى الصلاة التي هي محل المراقبة، وبالإنفاق إلى الحج الذي أعظم مقوماته المال، وبالاستغفار إلى الصيام الذي مبناه التخلي من أحوال البشر والتحلي بحلية الملك لا سيما في القيام ولا سيما في السحر؛ وسر ترتيبها أنه لما ذكر ما بين العبد والخالق في التوحيد الذي هو العدول أتبعه ما بينه وبين الخلائق في الإحسان، ولما ذكر عبادة القلب والمال ذكر عبادة البدن الدالة على الإخلاص في الإيمان، ولما ذكر عبادة البدن مجردًا بعد عبادة المال مجردًا ذكر عبادة ظاهرة مركبة منهما، شعارها تعرية الظاهر، ثم أتبعه
[ ٤ / ٢٨٦ ]
عبادة بدنية خفية، عمادها تعرية الباطن، فختم بمثل ما بدأ به، وهو ما لا يطلع عليه حق الاطلاع إلا الله ﷾.
ولما أخبر سبحانه وتعال بوحدانيته في أول السورة واستدل عليها وأخبر عما أعد للكافرين واستدل عليه بما دل على الوحدانية وختم بالإخبار بما أعد للمتقين مما جر إلى ذكره تعالى بما يقتضي الوحدانية أيضًا من الأوصاف المبنية على الإيمان أنتج ذلك ثبوتها ثبوتًا لا مرية فيه، فكرر تعالى هذه النتيجة على وجه أضخم من الماضي كما اقتضته الأدلة فقال - وقال الحرالي: لما أنهى تعالى الفرقان نهايته ببيان المحكمين والمتشابهين في الوحي والكون انتظمت هذه الشهادة التي هي أعظم شهادة في كتاب الله بآية القيومية التي هي أعظم آية الوجود لينتظم آية الشهود بآية الوجود، انتهى.
فقال ﷾: ﴿شهد الله﴾ أي الملك الأعظم الذي لا كفوء له ﴿أنه﴾ قال الحرالي: فأعاد بالإضمار ليكون الشاهد والمشهود له ﴿لا إله إلا هو﴾ فأعاد بالهوية لمعنى الوحدانية في الشهادة ولم يقل: إلا الله، لما يشعر به تكرار الاسم في محل الإضمار من التنزل
[ ٤ / ٢٨٧ ]
العلي - انتهى. والمعنى أنه ﷾ فعل فعل الشاهد في إخباره عما يعلم حقيقته بلفظ الشهادة جريًا على عادة الكبراء إذا رأوا تقاعس أتباعهم عما يأمرون به من المهمات في تعاغطيهم له بأنفسهم تنبيهًا على أن الخطب قد فدح والأمر قد تفاقم، فيتساقط حينئذ إليه الأتباع ولو أن فيه الهلاك تساقط الذباب في أحلى الشراب، وإلى ذلك ينظر قول وفد ثقيف: ما لمحمد يأمرنا بأن نشهد له بالرسالة ولا يشهد هو لنفسه! فكان ﷺ بعد لا يخطب خطبة إلا شهد لنفسه الشريفة ﷺ الشهادة لله فيها بالرسالة، فكأنه قيل: إن ربكم الذي أسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة قد نصب لكم الأدلة بخلق ما خلق على تفرده بحيث انتفى كل ريب فكان ذلك أعظم شهادة منه سبحانه
[ ٤ / ٢٨٨ ]
لنفسه، وإليه أومأ من قال:
ولله في كل تحريكة وتسكينة أبدًا شاهد
وفي كل شيء له آية تدل على أنه واحد
ثم شهد بذلك لنفسه بكلامه جمعًا بين آيتي السمع والبصر فلم يبق لكم عذرًا. قال الحرالي: وهذه الشهادة التي هي من الله لله هي الشهادة التي إليها قصد القاصدون وسلك السالكون وإليه انتهت الإشارة، وعندها وقفت العبارة، وهي أنهى المقامات وأعظم الشهادات، فمن شهد بها فقد شهد شهادة ليس وراءها مرمى، ومن شهد بما دونها كانت شهادته مشهودًا عليها لا شهادة، يؤثر أن النبي ﷺ لم يزل يوم الجمعة وهو قائم بعرفة منذ كان وقت العصر إلى أن غربت الشمس في حجته التي كمل بها الدين وتمت بها النعمة يقول هذه الآية لا يزيد عليها، فأي عبد شهد لله بهذه الشهادة التي هي شهادة الله لله ﷾ بالوحدانية فقد كملت شهادته، وأتم الله ﷾ النعمة عليه، وهي سر كل شهادة من دونها، وهي آية علن التوحيد الذي هو منتهى المقامات وغاية الدرجات في الوصول إلى محل الشهود الذي منه النفوذ إلى الموجود بمقتضى الأعظمية التي في الآية الفاتحة - انتهى.
[ ٤ / ٢٨٩ ]
ولما أخبر ﷾ عن نفسه المقدسة أخبر عمن يعتد به من خلقه فقال مقدمًا لأن المقام للعلم لمن هم أعلم به ﷾ ممن أطلعهم من الملك والملكوت على ما لم يطلع عليه الإنسان ولا شاغل لهم من شهوة ولا حظ ولا فتور: ﴿والملائكة﴾ أي العباد المقربون المصفون من أدناس البشر، الذين لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون. ولما خص أهل السماوات عم فقال: ﴿وأولوا العلم﴾ وهم الذين عرفوه بالأدلة القاطعة ففعلوا ما فعل العظيم من الشهادات ليكون ذلك أدعى لغيرهم إليه وأحث عليه، ولما كانت الشهادة قد تكون على غير وجه العدل نفى ذلك بقوله: ﴿قائمًا﴾ وأفرد ليفهم أنه حال كل من المذكورين لا المجموع بقيد الجمع، ويجوز - وهو الأقرب - أن يكون حالًا من الاسم الشريف إشارة إلى أنه ما وحد الله ﷾ حق توحيده غيره، لأنه لا يحيط به أحد علمًا. وقال الحرالي: أفرد القيام فاندرج من ذكر من الملائكة وأولي العلم في هذا القيام إفهامًا، كما اندرجوا في الشهادة إفصاحًا، فكان في إشعاره أن الملائكة وأولي العلم لا يقاد منهم فيما يجريه الله ﷾ على أيديهم، لأن أمرهم قائم بالقسط من الله، يذكر أن عظيم عاد لما كشف له عن الملائكة في يوم النقمة قال
[ ٤ / ٢٩٠ ]
لهود ﵊: يا هود! ما هذا الذي أراهم في السحاب كأنهم البخاتي؟ فقال: ملائكة ربي، فقال له: أرأيت إن آمنت بالهك أيقيدني منهم بمن قتلوا من قومي؟ قال: ويحك! وهل رأيت ملكًا يقيد من جنده - انتهى. ﴿بالقسط﴾ أي العدل السواء الذي لا حيف فيه أصلًا بوجه من الوجوه، وقد ثبت بهذه الشهادة على هذا الوجه أن التوحيد في نفس الأمر على ما وقعت به الشهادة، ويجوز أن يراد مع ذلك أن قيامه بالعدل فعله في خلقه فإنه عدل وإن كان من بعضهم إلى بعض ظلمًا، فإنه تصرف منه سبحانه في ملكه الذي لا شائبة لأحد فيه، فهو إذا نسب إليه كان عدلًا، لأنه فعله بالحكمة، وإذا نسب إلى الظالم كان ظلمًا، لأنه فعله لحظه لا للحكمة فلذلك قال على طريق الاستنتاج والتعليل للقيام بالقسط والتلقين للعباد لأن يقولوها بعد ثبوتها بما تقدم وأن يكرروها دائمًا أبدًا: ﴿لا إله إلا هو﴾ وقال الحرالي: كرر هذا التهليل لأنه في مرتبة القسط الفعلي، لأن التهليل الأول في مرتبة الشهادة العلمية فاستوفى التهليلان جميع البادي علمًا وفعلًا - انتهى. وأتبعه سبحانه
[ ٤ / ٢٩١ ]
وتعالى بقوله: ﴿العزيز الحكيم *﴾ دليلًا على قسطه، لأنه لا يصح أبدًا لذي العزة الكاملة والحكمة الشاملة أن يتصرف بجور، وعلى وحدانيته، لأنه لا يصح التفرد بدون الوصفين وليسا على الإطلاق لأحد غيره أصلًا، ولما كانت الآيات كلها في الإيقاع بالكافرين قدم الوصف الملائم لذلك.
قال الحرالي: وقسط الله هو إخفاء عدله في دار الدنيا من حيث إنه خفض ورفع، يعادل خفضه رفعه ورفعه خفضه، فيؤول إلى عدل، ويراه بذلك في حال تفاوته كل ذي لب بما أنه عزيز يظهر عزته فيما يرفع، حكيم يخفي معنى حكمه فيما يخفض، فكل ما هو باد من الخلق جود فهو من الله ﷾ قسط، طيته عدل، سره سواء، فيظهر عزته فيما حكم انتقامًا وحكمته في الموازنة بين الأعمال والجزاء عدلًا - انتهى.
ولما كان ذلك علم أنه يجب أن تخضع له الرقاب ويخلص له التوحيد جميع الألباب وذلك هو الإسلام فقال معللًا للشهادة منهم بالعدل - وقراءة الكسائي بالفتح أظهر في التعليل: ﴿إن الدين﴾ واصله الجزاء، أطلق هنا على الشريعة لأنها مسببة ﴿عند الله﴾
[ ٤ / ٢٩٢ ]
أي الملك الذي له الأمر كله ﴿الإسلام﴾ فاللام للعهد في هذه الشهادة فإنها أس لكل طاعة، فلأجل أن الدين عنده هذا شهدوا له هذه الشهادة المقتضية لنهاية الإذعان.
ولما كان ذلك مصرحًا بأنه لا دين عنده غيره كان كأن قائلًا قال: فكان يجب أن يعلم بذلك الأنيباء الماضون والأمم السالفون ليلزموه ويلزموه أتباعهم! فقيل: قد فعل ذلك، فقيل: فما لهم لم يلزموه؟ فقيل: قد لزموه مدة مديدة ﴿وما﴾ ويجوز وهو أحسن أن يكون التقدير: بين الله ﷾ بشهادته ما يرضيه بآياته المرئية ثم أوضحة غاية الإيضاح بآياته المسموعة بكتبه وما ﴿اختلف الذين أوتوا الكتاب﴾ هذا الاختلاف الذي ترونه ﴿إلا من بعد ما جاءهم العلم﴾ بذلك كله، وما كان اختلافهم لجهلهم بذلك بل ﴿بغيًا﴾ واقعًا ﴿بينهم﴾ لا بينهم وبين غيرهم، بل من بعضهم على بعض للحسد والتنافس في الدنيا لشبه أبدوها ودعاو ادعوها، طال بينهم فيها النزاع وعظم الدفاع، والله ﷾ عالم بكشفها، قادر على صرفها. قال الحرالي: والبغي السعي بالقول والفعل
[ ٤ / ٢٩٣ ]
في إزالة نعم أنعم الله تعالى بها على خلق بما اشتملت عليه ضمائر الباغي من الحسد له - انتهى.
ولما كان التقدير: فمن استمر على الإيمان فإن الله عظيم الثواب، عطف عليه قوله: ﴿ومن يكفر﴾ أي يستمر على كفره ولم يقل حلمًا منه: ومن كفر ﴿بآيات الله﴾ أي المرئيات والمسموعات الدالة على إحاطته بالكمال وقوفًا مع تلك الشبه وعمى عن الدليل فالله مهلكه عاجلًا ﴿فإن الله﴾ أي المحيط بكل شيء قدرة وعلمًا ولا كفوء له ﴿سريع﴾ قال الحرالي: من السرعة وهي وحاء النجاز فيما شأنه الإبطاء - انتهى. ويحتمل أن يكون كنى بالسرعة عن القرب فالمعنى: قريب ﴿الحساب *﴾ أي عن قريب يجازيهم على كفرهم في هذه الحياة الدنيا بأيدي بعضهم وبأيدي المؤمنين، ثم ينقلون إلى حسابه ﷾ في الدار الآخرة المقتضي لعذاب الكفرة، ويحتمل أن تكون السرعة على بابها، والمراد أنه لا يتهيأ في حسابه ما يتهيأ في حساب غيره من المغالطة المقتضية للنجاة أو المطاولة في مدة الحساب المقتضية لتأخر الجزاء في مدة المراوغة
[ ٤ / ٢٩٤ ]
والله تعالى أعلم.
ومن الكفر بالآيات الكفر بعيسى ﵊ حين انتحلوا فيه الإلهية. قال الحرالي: كان آية من الله ﷾ للهداية، فوقع عندهم بحال من كفروا به، فكان سبب كفرهم ما كان مستحقًا أن يكون سبب هداية المهتدي، وكان ذلك فيه لمحل اشتباهه لأنه اشتبه عليهم خلقه بما ظهر على يديه من آيات الله ﷾، وفي التعريض به إلاحة لما يقع لهذه الأمة في نحوه ممن هو مقام الهداية فوقع في طائفة موقع آية كفروا بها، كما قال ﵊ في علي رضي الله تعالى عنه «مثلك يا علي كمثل عيسى ابن مريم أبغضه يهود فبهتوا أمه وأحبه النصارى فأنزلوه بالمحل الذي ليس به» كذلك تفرقت فرق في علي رضي الله تعالى عنه من بين خارجيهم ورافضيهم انتهى.
[ ٤ / ٢٩٥ ]