ولما نهاهم ﷾ عن متابعة العدو ذمهم بمتابعته مع أنه عدو من غير حجة بل بمجرد التقليد للجهلة فقال عاطفًا على ﴿ومن الناس﴾ معجبًا منهم: ﴿وإذا قيل﴾ أي من أي قائل كان. ولما كان الخطاب للناس عامة وكان أكثرهم مقلدًا ولا سيما للآباء أعاد الضمير والمراد أكثرهم فقال: ﴿لهم اتبعوا﴾ أي اجتهدوا
[ ٢ / ٣٢٩ ]
في تكليف أنفسكم الرد عن الهوى الذي نفخه فيها الشيطان، وفي قوله له ﴿ما أنزل الله﴾ أي الذي له العلم الشامل والقدرة التامة انعطاف على ذلك الكتاب لا ريب فيه وما شاكله ﴿قالوا بل﴾ أي لا نتبع ما أنزل الله بل ﴿نتبع﴾ أي نجتهد في تبع ﴿ما ألفينا﴾ أي وجدنا، قال الحرالي: من الإلفاء وهو وجدان الأمر على ما ألفه المتبصر فيه أو الناظر إليه ﴿عليه آباءنا﴾ أي على ما هم عليه من الجهل والعجز، قال: ففيه إشعار بأن عوائد الآباء منهية حتى يشهد لها شاهد أبوة الدين ففيه التحذير في رتب ما بين حال الكفر إلى أدنى الفتنة التي شأن الناس أن يتبعوا فيها عوائد آبائهم - انتهى.
[ ٢ / ٣٣٠ ]
ولما أبوا إلا إلف وهاد التقليد فدنوا عن السمو إلى عداد أولي العلم بالنظر السديد أنكر عليهم ﷾ ذلك فقال مبكتًا لهم: ﴿أولو﴾ أي أيتبعون أباءهم والحال أنه ﴿كان آباؤهم لا يعقلون﴾ ببصائر قلوبهم ﴿شيئًا﴾ من الأشياء المعقولة ﴿ولا يهتدون *﴾ بأبصار عيونهم إلى شيء من الأشياء المحسوسة.
ولما كان التقدير: فمثلهم حينئذ كمن تبع أعمى في طريق وعر خفي في فلوات شاسعة كثيرة الخطر عطف عليه ما يرشد إلى تقديره من قوله منبهًا على أنهم صاروا بهذا كالبهائم بل أضل لأنها وإن كانت لا تعقل فهي تسمع وتبصر فتهتدي إلى منافعها ﴿ومثل﴾ وبين الوصف الذي حملهم على هذا الجهل بقوله: ﴿الذين كفروا﴾ أي ستروا ما يعلمون من عظمة الله ﷾ وقدرته وعلمه وحكمته بما عندهم من الهوى في أنهم لا يسمعون من الدعاء إلا جرس النغمة ودوي الصوت من غير إلقاء أذهان ولا استبصار ﴿كمثل﴾
[ ٢ / ٣٣١ ]
قال الحرالي: المثل ما يتحصل في باطن الإدراك من حقائق الأشياء المحسوسة فيكون ألطف من الشيء المحسوس فيقع لذلك جاليًا لمعنى مثل المعنى المعقول ويكون الأظهر منهما مثلًا للأخفى، فلذلك يأتي استجلاء المثل بالمثل، ليكون فيه تلطيف للظاهر المحسوس وتنزيل للغائب المعلوم؛ ففي هذه الآية يقع الاستجلاء بين المثلين لا بين الممثولين لتقارب المثلين يعني وهو وجه الشبه وتباعد الممثولين، وفي ذكر هذين المثلين تقابل يفهم مثلين آخرين، فاقتضى ذلك تمثيلين في مثل واحد كأن وفاء اللفظ الذي أفهمه هذا الإيجاز مثل الذين كفروا ومثل راعيهم كمثل الراعي ومثل ما يرعى من البهائم وهو من أعلى خطاب فصحاء العرب، ومن لا يصل فهمه إلى جمع المثلين يقتصر على تأويله بمثل واحد فيقدر في الكلام: ومثل داعي الذين كفروا ﴿كمثل الذي ينعق﴾ أي يصيح، وذلك لأن التأويل يحمل على الإضمار والتقدير، والفهم يمنع منه ويوجب فهم إيراد القرآن على حده ووجهه؛ وقال: ﴿بما﴾ أي بسبب شيء من البهائم التي ﴿لا﴾ عقل لها فهو ﴿يسمع إلا دعاء﴾ أي من الناطق فيما
[ ٢ / ٣٣٢ ]
يدعي إليه من قوام غذائه ونسله ﴿ونداء﴾ فيما ساق إليه بمحل دعائه من حيث إن النداء يشعر بالبعد والدعاء يشعر بالشروع في القصد - انتهى.
فالكافرون في كونهم لا يرجعون عن غيهم لما يسمعون من الأدلة وهم أولو عقل وسمع وبصر كالبهم التي تسمع
[ ٢ / ٣٣٣ ]
وتبصر ولكنها لكونها لا تعقل لا ترجع بالكلام لأنها لا تسمع إلا ظاهر الصوت ولا تفهم ما تحته بل بالحجر والعصا، فإن الراعي إذا أراد رجوعها عن ناحية صاح بها ورمى بحجر إلى ما أمامها فترجع، فهي محل مثلهم الذي هو عدم الإدراك، والبهم في كونها لا ترجع بالنداء بل بقارع كالأصم الأبكم الأعمى الذي لا يرجع إلا بقارع يصكه في وجهه فينكص على عقبه فهو محل مثلها، وداعيهم في كونه يتكلم فلا يؤثر كلامه مع المبالغة فيه كراعي البهم فهو موضع مثله، وراعي البهم من حيث إن بهمه لا ترجع إلا بضربة بالحجر أو غيره كالسوط الذي يقمع به الأصم أو كضارب الأصم المذكور فهو محل مثله؛ فلذلك كانت نتيجة التمثيل قوله: ﴿صم﴾ أي لا يسمعون ﴿بكم﴾ أي لا ينطقون ﴿عمي﴾ أي لا يبصرون، وقد علم بهذا أن الآية من الاحتباك حذف من الأول مثل الداعي لدلالة الناعق عليه ومن الثاني المنعوق به لدلالة المدعوين عليه. ولما كان موجود إدراك العقل هو حقائق المحسوسات وقد نفى عنهم الحس المدرك للمحسوسات ترتب عليه قوله
[ ٢ / ٣٣٤ ]
﴿فهم﴾ بالفاء ربطًا وتعقيبًا وتسبيبًا ﴿لا يعقلون *﴾ لأنهم لا ينتفعون بعقولهم كما أن هذا الأصم كذلك، ونفاه بلا النافية للممتنع وصيغة المضارع المنبئة عن الدوام - قاله الحرالي.
ولما أخبر ﷾ أن الدعاء لا يزيدهم إلا نفورًا رقي الخطاب من الناس إلى أعلى منهم رتبة فقال آمرًا لهم أمر إباحة أيضًا وهو إيجاب في تناول ما يقيم البينة ويحفظها: ﴿يا أيها الذين آمنوا كلوا﴾ . وقال الحرالي: لما كان تقدم الخطاب في أمر الدين في رتبتين أولاهما ﴿يا أيها الناس اعبدوا ربكم﴾ [البقرة: ٢١] وثانيتهما ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا﴾ [البقرة: ١٠٤] فأمر الناس فيه بالعبادة وأمر الذين آمنوا بحسن الرعاية مع النبي ﷺ، كذلك هنا أمر الناس
[ ٢ / ٣٣٥ ]
بالأكل مما في الأرض ونهى عن اتباع خطوات الشيطان، وأشعر الخطاب بأنهم ممن يتوجه الشيطان نحوهم للأمر بالسوء والفحشاء والقول بالهوى، وأمر الذين آمنوا بالأكل ﴿من طيبات﴾ فأعرض في خطابهم عن ذكر الأرض لتناولهم الرزق من السماء، فإن أدنى الإيمان عبادة من في السماء واسترزاق من في السماء كما قال للسوداء:
«أين الله؟ قالت: في السماء، قال: أعتقها فإنها مؤمنة» قال ﷾: ﴿وفي السماء رزقكم﴾ [الذاريات: ٢٢]، فأطعم الأرضيين وهم الناس مما في الأرض وأطعم السماويين وهم الذين آمنوا من رزق السماء كذلك، وخص هذا الخطاب بلفظ الحلال لما كان آخذًا رزقه من السماء متناولًا طيبة لبراءته من حال مما في الأرض مما شأنه ضر في ظاهر أو أذى في باطن، ولذلك «ولو كانت الدنيا دمًا عبيطًا لكان قوت المؤمن منها حلالًا»، فالمسترزق من السماء يصير المحرم له حلالًا لأخذه منه عند الضرورة تقوتًا لا تشهّيًا، ويصير الحلال له طيبًا لاقتناعه منه
[ ٢ / ٣٣٦ ]
بالكفاف دون التشهي ﴿يسألونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات﴾ [المائدة: ٤] وفي مورد هذين الخطابين بيان أن كلمة ﴿للناس﴾ واقعة على سن من أسنان القلوب وكلمة ﴿الذين آمنوا﴾ واقعة على سن فوقه وليس يقع على عموم يشمل جميع الأسنان القلبية، فتوهم ذلك من أقفال القلوب التي تمنع تدبر القرآن، لأن خطاب القرآن يتوجه لكل أولي سن على حسب سن قلوبهم، لا يصلح خطاب كل سن إلا له يتقاصر عنه من دونه ولا يحتاج إليه من فوقه، وهي أسنان متعددة: سن الإنسان ثم سن الناس، ثم سن الذين آمنوا، ثم سن الذين يؤمنون، ثم سن المؤمنين، ثم سن المؤمنين حقًا، ثم سن المحسنين؛ هذه أسنان سبعة خطاباتها مترتبة بعضها فوق بعض، ومن وراء ذلك أسنان فوقها من سن الموقنين وما وراء ذلك إلى أحوال أثناء هذه الأسنان من حال الذين أسلموا والمسلمين ومن يوصف بالعقل والذكر والفكر والسماع وغير ذلك من الأوصاف التي تلازم تلك الأسنان في رتب متراقية لا يشمل أدناها أعلاها ولا ينهض أدناها لرتبة خطاب أعلاها
[ ٢ / ٣٣٧ ]
إلى ما وراء ذلك من خصوص خطاب النبي ﷺ فيه بما لا يليق إلا به وبمن هو منه من إله، وفي انتظام تفصيل هذه الرتب جامعة لما يقع من معناه في سائر القرآن - انتهى. ولما كانت هذه الرتبة كما تقدم أرفع من رتبة الناس خص في خطابهم بعد بيان أن ما لم يحل خبيث فقال: ﴿من طيبات﴾ ولم يأت بذلك العموم الذي تألف به ﴿الناس﴾ .
ولما كانوا في أول طبقات الإيمان نبههم على الشكر بقوله في مظهر العظمة: ﴿ما رزقناكم﴾ وأخلصناه لكم من الشبه، ولا تعرضوا لما فيه دنس كما أحله المشركون من المحرمات، ولا تحرموا ما أحلوا منها من السائبة وما معها ثم صرح به في قوله آمرًا أمر إيجاب: ﴿واشكروا لله﴾ أي وخصوا شكركم بالمنعم الذي لا نعمة إلا منه،
[ ٢ / ٣٣٨ ]
وهذا بخلاف ما يأتي في سورة المؤمنين خطابًا لأعلى طبقات الخلّص وهم الرسل.
ولما كان الشكر لا يصح إلا بالتوحيد علقه باختصاصهم إياه بالعبادة فقال: ﴿إن كنتم إياه﴾ أي وحده ﴿تعبدون *﴾ فإن اختصاصه بذلك سبب للشكر، فإذا انتفى الاختصاص الذي هو السبب انتفى الشكر، وأيضًا إذا انتفى المسبب الذي هو الشكر انتفى الاختصاص لأن السبب واحد، فهما متساويان يرتفع كل واحد منهما بارتفاع الآخر. وقال الحرالي: ولما كان هذا الخطاب منتظمًا لتناول الطيب والشكر وحقيقته البذل من الطيب فشكر كل نعمة إظهارها على حدها من مال أو جاه أو علم أو طعام أو شراب أو غيره وإنفاق فضلها والاقتناع منها بالأدنى والتجارة بفضلها لمبتغى الأجر وإبلاغها إلى أهلها لمؤدي
[ ٢ / ٣٣٩ ]
الأمانة لأن أيدي العباد خزائن الملك الجواد «دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض» . فلما كان ذلك لا يتم إلا بمعرفة الله ﷾ المخلف على من أنفق كما قال ﴿وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه﴾ نبهوا على عهدهم الذي لقنوه في سورة الفاتحة في قوله ﴿إياك نعبد وإياك نستعين﴾ فقيل لهم: كلوا واشكروا إن كنتم إياه تعبدون؛ فمن عرف الله بالكرم هان عليه أن يتكرم ومن عرف الله بالإنعام والإحسان هان عليه أن يحسن وهو شكره لله، من أيقن بالخلف جاد بالعطية - انتهى.
ولما قيد الإذن لهم بالطيب من الرزق افتقر الأمر إلى بيان الخبيث منه ليجتنب فبين صريحًا ما حرم عليهم مما كان المشركون يستحلونه ويحرمون غيره وأفهم حل ما عداه وأنه كثير جدًا ليزداد المخاطب شكرًا فقال: ﴿إنما حرم عليكم﴾ . وقال الحرالي: ولما كان إدراك المؤمنين لمقتضى الخطاب فوق إدراك الناس خاطبهم تعالى بذكر ما حرم عليهم فناظر ذلك ما نهى عنه الناس من اتباع خطوات
[ ٢ / ٣٤٠ ]
الشيطان فقال: ﴿إنما حرم﴾ [البقرة: ١٧٣] وأجرى إضماره على الاسم العظيم الأول إعلامًا بأن الذي أذن لهم إنما حرم عليهم ما لا يصلح لهم بكل وجه لشدة مضرته عليهم في إحاطة ذواتهم ظاهرها وباطنها، لما ذكر أن المحرم إما لحرمته علوًا كالبلد الحرام وتحريم الأمر، أو لحرمته دناءة كتحريم هذه المحرمات، ففي كلمة «إنما» نفي لمتوهمات ما يلحقه التحريم بما دون المذكور هنا كأن قائلًا يقول: حرم كذا وحرم كذا من نحو ما حرمته الكتب الماضية أو حرمته الأهواء المختلفة أو حرمه نظر علمي كالذي حرمه إسرائيل على نفسه، فكان الإفهام لرد تلك المحرمات كلها - انتهى. فالمعنى والله ﷾ أعلم أنكم حرمتم الوصيلة والسائبة وغيرهما مما أحله الله وأحللتم الميتة والدم وغيرهما حرمه الله ﷾ ولم يحرم الله عليكم من السائبة وما معها مما حرمتموه ولا غيره مما استحللتموه إلا ما ذكرته هذه الآية؛ وإذا راجعت ما في قوله ﷾ في الأنعام
﴿فكلوا مما ذكر اسم الله عليه﴾ [الأنعام: ١١٨] وقوله ﴿ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه﴾ [الأنعام: ١٢١] وقوله ﴿قل لا أجد فيما أوحي إليّ محرمًا﴾ [الأنعام: ١٤٥]
[ ٢ / ٣٤١ ]
من كتابي هذا عرفت المراد من هذه الآية. وقال ﴿الميتة﴾ أي التي سماها بذلك أهل العرف، وهي ما فارقه الروح من غير ذكاة شرعية وهو مما يذكى. قال الحرالي: وهي ما أدركه الموت من الحيوان عن ذبول القوة وفناء الحياة، وهي أشد مفسد للجسم لفساد تركيبها بالموت وذهاب تلذذ أجزائها وعتقها وذهاب روح الحياة والطهارة منها. ﴿والدم﴾ أي الجاري لأنه جوهر مرتكس عن حال الطعام ولم يبلغ بعد إلى حال الأعضاء، فهو ميتة من خاص حياته مرتكس في جوهره إلاّ من طيب الله كليته كما في محمد ﷺ وفيمن نزع عنه خبث الظاهر والباطن طبعًا ونفسًا. ﴿ولحم الخنزير﴾ لأذاه للنفس كما حرم ما قبله لمضرتهما في الجسم، لأن من حكمة الله في خلقه أن من اغتذى
[ ٢ / ٣٤٢ ]
جسمه بجسمانية شيء اغتذت نفسه بنفسانية ذلك الشيء «الكبر والخيلاء في الفدادين أهل الوبر، والسكينة في أهل الغنم» فلما جعل في الخنزير من الأوصاف الذميمة حرم على من حوفظ على نفسه من ذميم الأخلاق؛ واللحم ما لحم بين أخفى ما في الحيوان من وسط عظمه وما انتهى إليه ظاهره من سطح جلد، وعرف غلبة استعماله على رطبة الأحمر، وهو هنا على أصله في اللغة يجمع اللحم الأحمر والشحم والأعصاب والعروق إلى حد الجلد وما اشتمل عليه ما بين الطرفين من أجزاء الرطوبات، وإذا حرم لحمه الذي هو المقصود بالأكل وهو أطيب
[ ٢ / ٣٤٣ ]
ما فيه كان غيره من أجزائه أولى بالتحريم.
ولما حرم ما يضر الجسم ويؤذي النفس حرم ما يرين على القلب فقال: ﴿وما أهل﴾ والإهلال رفع الصوت لرؤية أمر مستعظم ﴿به﴾ أي رفع رافع الصوت بسببه ذابحًا ﴿لغير الله﴾ أي الذي لا كفؤ له بوجه. قال الحرالي: لأن ما لم يذكر عليه اسم الله أخذ من يد من ذكر عليه اسمه وليس ذلك خالقه ومالكه، إنما خالقه ومالكه الله الذي جعل ذكر اسمه عليه إذنًا في الانتفاع به وذكر على إزهاق الروح من هي من نفخته لا من لا يجد للدعوى فيها
[ ٢ / ٣٤٤ ]
سبيلًا من الخلق. وذكر الإهلال إعلام بأن ما أعلن عليه بغير اسم الله هو أشد المحرم، ففي إفهامه تخفيف الخطاب عما لا يعلم من خفي الذكر «قالوا: يا رسول الله! إن ناسًا يأتوننا بلحام لا ندري أسموا الله عليها أم لا. فقال رسول الله ﷺ:» سموا الله أنتم وكلوا «»
فكان المحرم ليس ما لم يعلم أن اسم الله ذكر عليه بل الذي علم أن غير اسم الله قد أعلن به عليه، وفي تقدم إضمار المحرم في قوله ﴿به﴾ تأكيد لمعناه لأنهم يقدمون ما هم به أهم وهم ببيانه أعنى، قال ﷺ: «ابدؤوا بما بدأ الله به»، فلما كانت هذه الآية جامعة أي التحريم أظهر فيها تقديم العناية بالمحرم وهي في الإبلاغ أنهى معنى من الذي أخر فيها هذا الضمير.
ولما كان هذا الدين يسرًا لا عسر فيه ولا حرج ولا جناح رفع حكم هذا التحريم عن المضطر، ولما كان شأن الاضطرار أن يشمل جمعًا من الخلق أنبأهم تعالى بأن هذا الذي رفع عنهم من التحريم لا يبرأ
[ ٢ / ٣٤٥ ]
من كلية الأحكام بل يبقى مع هذه الرخصة موقع الأحكام في البغي والعدوان فقال: ﴿فمن اضطر﴾ أي أحوجه محوج وألجأه ملجىء بأي ضرورة كانت إلى أكل شيء مما حرم بأن أشرف على التلف فأكل من شيء منه حال كونه ﴿غير باغ﴾ أي قاصد فسادًا بمكيدة يكيد بها لضعفه آخذًا من تلك الميتة هو أقوى منه كأن يحيله على غيرها خداعًا منه ليستأثر عليه بالأحسن منها ﴿ولا عاد﴾ على غيره بأن يكون أقوى منه فيدفعه عنها، ولا مجاوز لسد الرمق وإزالة الضرورة؛ ويدخل في الآية أن من بغى على إمام أو قصد بضربه في الأرض فسادًا أو عدا على أحد ظلمًا فحصل له بسبب ذلك مخمصة لا يحل له ما كان حرامًا لأن في ذلك إعانة له على معصيته، فإن تاب استباح ﴿فلا إثم عليه﴾ لا من التحريم الأول ولا
[ ٢ / ٣٤٦ ]
من الحكم الآخر، ولو كان رفع الإثم دون هذين الاشتراطين لوقع بين المضطرين من البغي والتسلط ما مثله لا يحل لغير المضطرين، فانتفى الإثم على صحة من الأمرين وارتفاع الحكمين، ففي السعة يجتنب ما يضر وفي الضرورة يؤثر ضرورة الجسم لقوامه على حكم الكتاب في إقامته؛ وفي إفهامه أن من اضطر لشيء مما حرم عليه فأكله لم تنله مضرة، لأن الله ﷾ إذا أباح شيئًا أذهب ضره «إن الله لم يجعل شفاء أمتي فيما حرم عليها» ففيه تنبيه لتغيير هذه الأعيان للمضطر عما كانت عليه حتى تكون رخصة في الظاهر وتطييبًا في الباطن، فكما رفع عنه حكمها الكتابي يتم فضله فيرفع عنه ضرها الطبيعي.
ثم علل هذا الحكم مرهبًا مرغبًا بقوله: ﴿إن الله﴾ فأتى بهذا الاسم المحيط إشارة إلى عموم هذا الحكم للمضطر والموسع، وفي قوله: ﴿غفور﴾ إشعار بأنه لا يصل إلى حال الاضطرار إلى ما حرم
[ ٢ / ٣٤٧ ]
عليه أحد إلاّ عن ذنب أصابه، فلولا المغفرة لتممت عليه عقوبته، لأن المؤمن أو الموقن لا تلحقه ضرورة، لأن الله ﷾ لا يعجزه شيء وعبد الله لا يعجزه ما لا يعجز ربه
﴿وإن كانوا من قبل أن ينزل عليهم من قبله لمبلسين﴾ [الروم: ٤٩] فاليأس الذي يحوج إلى ضرورة إنما يقع لمن هو دون رتبة اليقين ودون رتبة الإيمان «جهز رسول الله ﷺ جيشًا ففنيت أزوادهم فأقاموا أيامًا يتقوتون بيسير حتى تقوتوا بتمرة تمرة فأخرج الله لهم العنبر دابة من البحر» فلم يحوجهم في ضرورتهم إلى ما حرم عليهم بل جاءهم في ضرورتهم بما هو أطيب ماكلهم في حال السعة من صيد البحر الذي «هو الطهور ماؤه الحل ميتته» وفي قوله: ﴿رحيم﴾
[ ٢ / ٣٤٨ ]
إنباء بأن من اضطر فأصاب مما اضطر إليه شيئًا لم يبغ فيه ولم يعد تناله من الله رحمة توسعه من أن يضطر بعدهاه إلى مثله فيغفر له الذنب السابق الذي أوجب الضرورة ويناله بالرحمة الموسعة التي ينال بها من لم يقع منه ما وقع ممن اضطر إلى مثله - انتهى؛ وتصرفت فيه. ولما كان في بيان هذه المحرمات الإشارة إلى عيب من استحلها من العرب وترك ما أمر به من الطيبات جهلًا وتقليدًا تلاها بتكرير عيب الكاتمين لما عندهم من الحق مما أنزل في كتابهم من صفة النبي ﷺ وأمر الحج وأمر القبلة وغيرها مما يصدق هذا الكتاب الذي لا ريب فيه خوفًا على انقطاع ما كان يهدي إليهم لرئاستهم من دينهم على وجه عائب لهم لاستحلالهم أكل السحت على علم مبين أنهم استحقوا الذم من وجهين: أحدهما نفس الأكل على هذا الوجه المؤدي إلى الإعراض عن الطيبات والموافقة للعرب، الثاني كونه على كتمان ما يعلمون من الحق فقال: ﴿إن الذين
[ ٢ / ٣٤٩ ]
يكتمون﴾ مؤكدًا لذمهم بأنواع التأكيد، ولقد بدع إيلاؤه لصفتي المغفرة والرحمة كما ختم آية الكتمان الأولى بوصفي التوبة والرحمة، فكان مع ما فيه من الترغيب من قبيل الاحتراس أي إنه إعانة لا يغفر لمثل هؤلاء إلا أن اتصفوا بما أشارت إليه الآية الأولى من التوبة. قوله: ﴿ما أنزل الله﴾ بإسناد الإنزال إلى اسمه الأعظم لإحاطة الكتاب بمختلفات الأحكام ﴿من الكتاب﴾ أي من حدوده وأحكامه وغير ذلك مما أشارت إليه الآية الأولى بالبينات والهدى من الحكم والأحكام.
ولما كان من الكتم ما يكون لقصد خير، فكم من كلمة حق أريد بها باطل! قيده بقوله: ﴿ويشترون به ثمنًا﴾ قال الحرالي: والثمن ما لا ينتفع بعينه حتى يصرف إلى غيره من الأعواض، فالإيعاد على ما يتضمن جهل الكاتم وحرصه باستكسابه بالعلم وإجرائه
[ ٢ / ٣٥٠ ]
في غير ما أجراه الله تعالى على ألسنة أنبيائه ﴿وما أسألكم عليه من أجر﴾
[الشعراء: ١٠٩] ولما كان كل ما لم يثبت من خير الدنيا في الآخرة وإن جل حقيرًا قال: ﴿قليلًا﴾ هذا المراد لا تقييده بالقليل.
ولما كانوا قد بعدوا عن مواطن الرحمة ببخلهم بما لا ينقصه الإنفاق أشار إليهم بأداة البعد فقال: ﴿أولئك﴾ وفي خطاب النبي ﷺ به إشعار بوقوع ذلك من طائفة من أمته حرصًا على الدنيا ﴿ما يأكلون﴾ أي في هذه الحال على ما دلت عليه ما. ولما كان الأكل يطلق على مجرد الإفساد حقق معناه بقوله: ﴿في بطونهم﴾ جمع بطن وهو فضاء جوف الشيء الأجوف لغيبته عن ظاهره الذي هو ظهر ذلك البطن ﴿إلا النار﴾ كما أحاط علمه ﷾ بالغيب إن ذلك على الحقيقة وبصره لعيون أهل الكشف الذين يرون العواقب في الأوائل والغيب في الشهادة، وفي ذكره بصيغة الحصر نفي لتأويل المتأول بكونه سببًا وصرف له إلى وجه التحقيق الذي يناله
[ ٢ / ٣٥١ ]
الكشف ويقصر عنه الحس، فكانوا في ذلك كالحذر الذي يجعل يده في الماء الحار ولا يحس به فيشعر ذلك بموت حواس هؤلاء عن حال ما تناولوه.
ولما قدم الوعيد في الثمن لكونه الحامل على الكتم أتبعه وعيد نفس الكتم فقال: ﴿ولا يكلمهم الله﴾ أي الملك الأعظم الذي من كلمه أقبل كل شيء عليه كلامًا يدل على مرضى لكونهم لم يكلموا الناس بما كتب عليهم وقال: ﴿يوم القيامة﴾ تأكيدًا لما أشارت إليه ما من أن المراد بالذي قبله الحال ﴿ولا يزكيهم﴾ أي يطهرهم من دنس الذنوب أو يثنى عليهم أو ينمي أعمالهم بما يحصل لهم من الميثاق في يوم التلاق كما يزكي بذلك من يشاء من عبادة لأنهم كتموا عن العباد ما يزكيهم وفي هذا تعظيم لذنب كتموا العلم ﴿ولهم﴾ مع هذا العذاب ﴿عذاب أليم﴾ لما أوقعوا فيه الناس من التعب بكتمهم عنهم ما يقيمهم على المحجة السهلة.
[ ٢ / ٣٥٢ ]
ولما ذكر جزاءهم أتبعه ترجمة حالهم مؤكدًا لبعدهم فقال: ﴿أولئك الذين اشتروا﴾ أي لجاجًا وتماديًا في الغي ﴿الضلالة﴾ عن طريق الخير ﴿بالهدى﴾ ولما ذكر حالهم في الدنيا أتبعه أمر الآخرة فقال: ﴿والعذاب﴾ بارتكابهم هذه الموبقة ﴿بالمغفرة﴾ التي كانت تنجيهم إذا محت صغائرهم لو سلموا من هذه العضلة التي كانت سببًا لضلال خلق كثير فكان عليهم وزرهم. ولما جعل ﷾ أول مأكلهم نارًا وآخر أمرهم عذابًا وترجمة حالهم عدم المغفرة فكان بذلك أيضًا أوسط حالهم نارًا سبب عنه التعجيب من أمرهم بحبسهم أنفسهم في ذلك الذي هو معنى الصبر لالتباسهم بالنار حقيقة أو بموجباتها من غير مبالاة فقال: ﴿فما أصبرهم﴾ أي ما أشد حبسهم أنفسهم أو ما أجرأهم ﴿على النار﴾ التي أكلوها في الدنيا فأحسوا بها في الأخرى - ذكر كثيرًا من ذلك الحرالي غير أني تصرفت فيه؛
[ ٢ / ٣٥٣ ]
وإذا جعلته مجازًا كان مثل قولك لمن عاند السلطان: ما أصبرك على السجن الطويل والقيد الثقيل! تهديدًا له.
ولما ذكر جزاءهم وشرح حالهم والتعجيب من أمرهم ذكر السبب الموجب لهذا الإبعاد العظيم والتهديد الكبير فقال: ﴿ذلك﴾ مشيرًا بأداة البعد ﴿بأن الله﴾ فذكر الاسم الأعظم أيضًا الذي معناه أن له جميع صفات الكمال تعظيمًا للمقام ﴿نزّل الكتاب﴾ أي الجامع لأنواع الهدى ﴿بالحق﴾ منجمًا تقريبًا للأفهام وتدريبًا للخاص والعام، وهو صالح لإرادة القرآن والتوراة أي الثابت الكامل في الثبات، فمن كتمه فقد حاول نفي ما أثبته الله تعالى فقد ضاد الله في ملكه، ومن خالف فيه وهو الذي لا شبهة تلحقه فقد عد الواضح ملبسًا فقد أبعد المرمى.
ولما كان التقدير: فاختلفوا، أتبعه قوله: ﴿وإن الذين اختلفوا﴾ أي خالف بعضهم بعضًا ﴿في الكتاب﴾ نفسه أي لا في فهمه، وهذه العبارة تدل على أن الاختلاف قول بعض في الكتاب كله
[ ٢ / ٣٥٤ ]
أو في شيء منه هو باطل والإقرار ببعض أحكامه والإنكار لبعضها وتحريف الكلم عن مواضعه ونحو هذا ﴿لفي شقاق﴾ لكون كل واحد منهم في شق ﴿بعيد﴾ جدًا عن شق أهل الحق، ولذلك خاف الصحابة رضوان الله تعالى عليهم من اختلاف أهل هذا الدين في القرآن كما اختلف اليهود والنصارى فجمعوهم على مصحف واحد، فليس الاختلاف في وجوه الروايات وأنحاء الفهم من ذلك؛ وقد وقع كما ترى تنبيه المشركين من العرب بدون ما تضمنه تنبيه بني إسرائيل من التقريع والتوبيخ لفرقان ما بينهم، لأن كفر المشركين عن جهل وكفر أولئك عن تعنت بعد تكرر مشاهدة الآيات، ومن تدبر القرآن وطالع التوراة علم طول مكث موسى ﵊ فيهم يتلو عليه التوراة على حسب تنزيلها شيئًا فشيئًا وأنهم كانوا مع ذلك كلما شاهدوا آية أحدثوا كفرًا وخلعوا شكرًا وسألوا غيرها
[ ٢ / ٣٥٥ ]
عنادًا ومكرًا ﴿وجعلنا قلوبهم قاسية﴾ [المائدة: ١٣] وقد مر من أول السورة عن التوراة كثير من ذلك وسيأتي إن شاء الله تعالى بقيته في المواضع اللائقة به من آيات القرآن. وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: ومتى بين شيء في الكتاب العزيز من أحوال النصارى فليس على ما ورد من مثله في اليهود لما ذكر أي من أن كفرهم تعنت، وخطاب مشركي العرب فيما أشير إليه دون خطاب الفريقين إذ قد تقدم لهم ما لم يتقدم للعرب وبشروا في كتبهم وليس لمشركي العرب مثل ذلك؛ والزيغ عن الهدى شامل للكل وليسوا في شيء من الصراط المستقيم مع أن أسوأ الأحوال حال من أضله الله على علم؛ وهنا انتهى ذكر ما حذر منه ونهى عنه من أراد سلوك الصراط المستقيم وبيان حال من حاد عنه وتنكبه وظن أنه على شيء وضم مفترق أصناف الزائغين في أصناف ثلاثة وهم اليهود والنصارى وأهل الشرك، وبهم يلحق سائر من تنكب فيلحق باليهود منافقو أمتنا ممن ارتاب بعد إظهار إيمانه وفعل أفاعيلهم من المكر والخديعة والاستهزاء، ويلحق بالنصارى من اتصف بأحوالهم، وبالمشركين من جعل لله ﷾ ندًا واعتقد فعلًا لغيره على غير طريقة الكسب.
[ ٢ / ٣٥٦ ]
عنادًا ومكرًا ﴿وجعلنا قلوبهم قاسية﴾ [المائدة: ١٣] وقد مر من أول السورة عن التوراة كثير من ذلك وسيأتي إن شاء الله تعالى بقيته في المواضع اللائقة به من آيات القرآن. وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: ومتى بين شيء في الكتاب العزيز من أحوال النصارى فليس على ما ورد من مثله في اليهود لما ذكر أي من أن كفرهم تعنت، وخطاب مشركي العرب فيما أشير إليه دون خطاب الفريقين إذ قد تقدم لهم ما لم يتقدم للعرب وبشروا في كتبهم وليس لمشركي العرب مثل ذلك؛ والزيغ عن الهدى شامل للكل وليسوا في شيء من الصراط المستقيم مع أن أسوأ الأحوال حال من أضله الله على علم؛ وهنا انتهى ذكر ما حذر منه ونهى عنه من أراد سلوك الصراط المستقيم وبيان حال من حاد عنه وتنكبه وظن أنه على شيء وضم مفترق أصناف الزائغين في أصناف ثلاثة وهم اليهود والنصارى وأهل الشرك، وبهم يلحق سائر من تنكب فيلحق باليهود منافقو أمتنا ممن ارتاب بعد إظهار إيمانه وفعل أفاعيلهم من المكر والخديعة والاستهزاء، ويلحق بالنصارى من اتصف بأحوالهم، وبالمشركين من جعل لله ﷾ ندًا واعتقد فعلًا لغيره على غير طريقة الكسب.
[ ٢ / ٣٥٧ ]