ولما كان قول نعيم بن مسعود أو ركب عبد القيس عند الصحابة ﵃ صدقًا لا شك فيه لما قام عندهم من القرائن، فكان بمنزلة المتواتر الذي تمالأ عليه الخلائق، وكانت قريش أعلى الناس شجاعة وأوفاهم قوة وأعرقهم أصالة فكانوا كأنهم جميع الناس، كان التعبير - بصيغة في قوله: ﴿الذين قال لهم الناس﴾ أي نعيم أو ركب عبد القيس ﴿إن الناس﴾ يعني قريشًا ﴿قد جمعوا لكم فاخشوهم﴾ أمدح للصحابة ﵃ من التعبير عمن أخبرهم ومن جمع لهم بخاص اسمه أو وصفه.
[ ٥ / ١٢٩ ]
ولما كان الموجب لأقدامهم على اللقاء بعد هذا القول الذي لم يشكوا في صدقه ثبات الإيمان وقوة الإيقان قال تعالى: ﴿فزادهم﴾ أي هذا القول ﴿إيمانًا﴾ لأنه ما ثناهم عن طاعة الله ورسوله ﴿وقالوا﴾ ازدراء بالخلائق اعتمادًا على الخالق ﴿حسبنا﴾ أي كافينا ﴿الله﴾ أي الملك الأعلى في القيام بمصالحنا. ولما كان ذلك هو شأن الوكيل وكان في الوكلاء من يذم قال: ﴿ونعم الوكيل *﴾ أي الموكول إليه المفوض إليه جميع الأمور؛ روى البخاري في التفسير عن ابن عباس ﵄ قال: «هذه الكلمة قالها إبراهيم ﵇ حين ألقي في النار، وقالها محمد ﷺ حين قالوا: إن الناس قد جمعوا لكم. وقال: كان آخر كلمة قالها إبراهيم ﵇ حين ألقي في النار: حسبي الله ونعم الوكيل» . ولما كان اعتمادهم على الله سببًا لفلاحهم قال ﴿فانقلبوا﴾ أي فكان ذلك سببًا لأنهم انقلبوا، أي من الوجه الذي ذهبوا فيه مع النبي ﷺ ﴿بنعمة﴾ وعظمها بإضافتها إلى الاسم الأعظم فقال: ﴿من الله﴾ أي الذي له الكمال كله ﴿وفضل﴾
[ ٥ / ١٣٠ ]
أي من الدنيا ما طاب لهم من طيب الثناء بصدق الوعد ومضاء العزم وعظيم الفناء والجرأة إلى ما نالوه. عند ربهم حال كونهم ﴿لم يمسسهم سوء﴾ أي من العدو خوفوه ولا غيره ﴿واتبعوا﴾ أي مع ذلك بطاعتهم لرسول الله ﷺ بغاية جهدهم ﴿رضوان الله﴾ أي الذي له الجلال والجمال فحازوا أعظم فضله ﴿والله﴾ أي الذي لا كفوء له ﴿ذو عظيم *﴾ أي في الدارين على من يرضيه، فستنظرون فوق ما تؤملون، فليبشر المجيب ويغتم ويحزن المتخلف، ولعظم الأمر كرر الاسم الأعظم كثيرًا.
ولما جزاهم سبحانه على أمثال ذلك بما وقع لهم من فوزهم بالسلامة والغنيمة بفضل من حاز أوصاف الكمال وتنزه عن كل نقص بما له من رداء الكبرياء والجلال، ورغبهم فيما لديه لتوليهم إياه، أتبع ذلك بما يزيدهم بصيرة من أن المخوف لهم مَن كيده ضعيف وأمره هين خفيف واهٍ سخيف وهو الشيطان، وساق ذلك مساق التعليل لما قبله من حيازتهم للفضل وبعدهم عن السوء بأن وليهم الله وعدوهم
[ ٥ / ١٣١ ]
الشيطان فقال التفاتًا إليهم بزيادة في تنشيطهم أو تشجيعهم وتثبيتهم: ﴿إنما ذلكم﴾ أي القائل الذي تقدم أنه الناس ﴿الشيطان﴾ أي الطريد البعيد المحترق.
ولما نسب القول إلأيه لأنه الذي زينه لهم حتى أشربته القلوب وامتلأت به الصدور، كان كأنه قيل: فماذا عساه يصنع؟ فقال: ﴿يخوف﴾ أي يخوفكم ﴿أولياءه﴾ لكنه أسقط المفعول الأول إشارة إلى أن تخويفه يؤول إلى خوف أوليائه، لأنه أولياء الرحمن إذا ثبتوا لأجله أنجز لهم ما وعدهم من النصرة على أولياء الشيطان، وإلى أن من خاف من تخويفه وعمل بموجب خوفه ففيه ولاية له تصحح إضافته إليه قلت أو كثرت.
ولما كان المعنى أنه يشوش بالخوف من أوليائه، تسبب عنه النهي عن خوفهم فقال: ﴿فلا تخافوهم﴾ أي لأن وليهم الشيطان ﴿وخافون﴾ أي فلا تعصوا أمري ولا تتخلفوا أبدًا عن رسولي ﴿إن كنتم مؤمنين *﴾ أي مباعدين لأولياء الشيطان بوصف الإيمان.
ولما مدح ﷾ المسارعين في طاعته وطاعة رسوله ﷺ وختم ذلك بالنهي عن الخوف من أولياء الشيطان،
[ ٥ / ١٣٢ ]
أعقبه بذم المسارعين في الكفر والنهي عن الحزن من أجلهم.
ولما كان أكثر الناس - كالمنافقين الراجعين عن أحد، ثم المقاتلين القائلين: هل لنا من الأمر من شيء - أرجفوا إلى أبي عامر وعبد الله بن أبيّ لأخذ الأمان من أبي سفيان، ثم ركب عبد القيس أو نعيم بن مسعود، ثم من استجاب من أهل المدينة وأرجف بما قالوا في ثبط المؤمنين، وكان ذلك مما يخطر بالبال تمادي أيام الكفر وأهله غالبِين، ويقدح في رجاء قصر مدته، ويوجب الحزن على ذلك، قال تعالى قاصرًا الخطاب على أعظم الخلق وأشفقهم وأحبهم في صلاحهم ﴿ولا يحزنك الذين يسارعون﴾ أي يسرعون إسراع من يسابق خصمًا ﴿في الكفر﴾ ثم علل ذلك بقوله: ﴿إنهم لن يضروا الله﴾ أي الذي له جميع العظمة ﴿شيئًا﴾ أي دينه بإذلال أنصاره والقائمين به، وحذف المضاف تفخيمًا له وترغيبًا فيه حيث جعله هو المضاف إليه.
ولما نفى ما خيف من أمرهم كان مظنة السؤال عن الحاكم لهم على المسارعة فقيل جوابًا: ﴿يريد الله﴾ أي الذي له الأمر كله ﴿ألاّ يجعل لهم حظًا﴾ أي نصيبًا ﴿في الآخرة﴾ ولما كانت المسارعة في ذلك عظيمة ختمت الآية بقوله: ﴿ولهم عذاب عظيم *﴾ قد عم
[ ٥ / ١٣٣ ]
جميع ذواتهم، لأن المسارعة دلت على أن الكفر قد ملأ أبدانهم ونفوسهم وأرواحهم.
ولما كان قبول نعيم وركب عبد القيس لذلك الجعل الذي هو من أسباب الكفر شرى الكفر بالإيمان عقب بقوله: ﴿إن الذين اشتروا الكفر﴾ أي فأخذوه ﴿بالإيمان﴾ أي فتركوه، وأكد نفي الضرر وأبده فقال: ﴿لن يضروا الله﴾ أي الذي لا كفوء له ﴿شيئًا﴾ لما يريد ﷾ من الإعلاء للإسلام وأهله، وختمها بقوله: ﴿ولهم عذاب أليم *﴾ لما نالوه من لذة العوض في ذلك الشرى كما هي العادة في كل متجدد من الأرباح والفوائد.
ولما كان مما اشترى به الكفر رجوع المنافقين عن أحد الذي كان سببًا للإملاء لهم قال ﷾: ﴿ولا يحسبن الذين كفروا﴾ أي بالله ورسوله ﴿إنما نملي﴾ أي أن إملاءنا أي إمهالنا وإطالتنا ﴿لهم خير لأنفسهم﴾ ولما نفى عنهم الخير بهذا النهي تشوفت النفس إلى ما لهم فقال: ﴿إنما نملي لهم﴾ أي استدراجًا ﴿ليزدادوا إثمًا﴾ وهو جميع ما سبق العلم الأزلي بأنهم يفعلونه، فإذا بلغ النهاية أوجب
[ ٥ / ١٣٤ ]
الأخذ. ولما كان الرجوع المسفر عن السلامة مظنة لعزهم في هذه الدار الفانية عند من ظن حسن ذلك الرأي؛ عوضوا عنه الإهانة الدائمة فقال ﷾: ﴿ولهم عذاب مهين *﴾ .
[ ٥ / ١٣٥ ]