ولما أتم ﷾ البيان لما أراده مما شرعه في شهر الصوم ليلًا ونهارًا وبعض ما تبع ذلك وكان كثير من الأحكام يدور على الهلال لا سيما أحد قواعد الإسلام الحج الذي هو أخو الصوم وكانت الأهلة كالحكام توجب أشياء وتنفي غيرها كالصيام والديون والزكوات وتؤكل بها الأموال حقًا أو باطلًا وكان ذكر الشهر وإكمال
[ ٣ / ٩٧ ]
العدة قد حرك العزم للسؤال عنه بين ذلك بقوله تعالى: ﴿يسئلونك﴾ وجعل ذلك على طريق الاستئناف جوابًا لمن كأنه قال: هل سألوا عن الأهلة؟ فقيل: نعم، وذلك لتقدم ما يثير العزم إلى السؤال عنها صريحًا فكان سببًا للسؤال عن السؤال عنها، وكذا ما يأتي من قوله ﴿يسئلونك ماذا ينفقون﴾ [البقرة: ٢١٥] ﴿يسئلونك عن الشهر الحرام﴾ [البقرة: ٢١٧] ﴿يسئلونك عن الخمر والميسر﴾ [البقرة: ٢١٩] بخلاف ما عطف على ما قبله بالواو كما يأتي، وسيأتي إن شاء الله تعالى في سورة الأنعام ما ينبغي من علم النجوم وما لا ينبغي ﴿عن الأهلة﴾ أي التي تقدم أنه ليس البر تولية الوجه قبل مشارقها ومغاربها: ما سبب زيادتها بعد كونها كالحظ أو الخيط حتى تتكامل وتستوي ونقصها بعد ذلك حتى تدق
[ ٣ / ٩٨ ]
وتنمحق؟ قال الحرالي: وهي جمع هلال وهو ما يرفع الصوت عند رؤيته فغلب على رؤية الشهر الذي هو الهلال - انتهى.
ولما كان كأنه قيل: ما جوابهم؟ قيل: ﴿قل﴾ معرضًا عنه لما لهم فيه من الفتنة لأنه ينبني على النظر في حركات الفلك وذلك يجر إلى علم تسيير النجوم وما يتبعه من الآثار التي تقود إلى الكلام في الأحكام المنسوبة إليها فتستدرج إلى الإلحاد وقد ضل بذلك كثير من الأمم السالفة والقرون الماضية فاعتقدوا تأثيرها بذواتها وقد قال ﵊ ناهيًا عن ذلك لذلك: «من اقتبس علمًا من النجوم اقتبس بابًا من السحر زاد ما زاد» أخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجه
[ ٣ / ٩٩ ]
عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما؛ وقال علي رضي الله تعالى عنه: «من طلب علم النجوم تكهن» مرشدًا ﷾ إلى ما فيه صلاحهم: ﴿هي مواقيت﴾ جمع ميقات من الوقت وهو الحد الواقع بين أمرين أحدهما معلوم سابق والآخر معلوم به لاحق. وقال الأصبهاني: والفرق بين الوقت والمدة والزمان أن المدة المطلقة امتداد حركة الفلك من مبدئها إلى الزمان، والزمان مدة مقسومة، والوقت الزمان المفروض لأمر ما. ﴿للناس﴾ في صومهم كما تقدم ومعاملاتهم ليعلموا عدد السنين والحساب ﴿والحج﴾ صرح به لأنه من أعظم
[ ٣ / ١٠٠ ]
مداخلها. قال الحرالي: وهو حشر العباد إلى الموقف في شهور آخر السنة، فهو أمر ديني مشعر بختم الزمان وذهابه لما فيه من آية المعاد - انتهى.
ولما كانوا قد اعتادوا في الحج فعلًا منكرًا وكان ترك المألوفات أشق شيء على النفوس، ولذلك قال أهل الطريق وسادات أهل التحقيق: ملاك القصد إلى الله تعالى خلع العادات واستجداد قبول الأمور المنزلات من قيوم السماوات والأرض، وبذلك كان الصحابة رضي الله تعالى عنهم سادات أهل الإسلام، قال تعالى عاطفًا على ﴿ليس البر﴾ مقبحًا لذلك الفعل عليهم منبهًا على أنهم عكسوا في سؤالهم كما عكسوا في فعالهم، ويجوز أن يكون معطوفًا على حال دل عليها السياق تقديرها: والحال أنه ليس البر سؤالكم هذا عنها ﴿وليس البر﴾ وأكد النفي بزيادة الباء في قوله: ﴿بأن تأتوا البيوت﴾ أي لا الحسية ولا المعنوية ﴿من ظهورها﴾ عند القدوم من الحج أو غيره كما أنه
[ ٣ / ١٠١ ]
ليس البر بأن تعكسوا في مقالكم بترك السؤال عما يعنيكم والسؤال عما لا يعنيكم بل يعنيكم.
ولما نفي البر عن ذلك كما نفي في الأول استدرك على نهج الأول فقال: ولكن البر﴾ قال الحرالي: بالرفع والتخفيف استدراكًا لما هو البر وإعراضًا عن الأول، وبالنصب والتشديد مع الالتفات إلى الأول لمقصد طرحه - انتهى. ﴿من اتقى﴾ فجعل المتقي نفس البر إلهابًا له إلى الإقبال على التقوى لما كانت التقوى حاملة على جميع ما مضى من خلال الإيمان الماضية اكتفى بها. ولما كان التقدير: فاتقوا فلا تسألوا عما لا يهمكم في دينكم عطف عليه: ﴿وأتوا البيوت
[ ٣ / ١٠٢ ]
من أبوابها﴾ حسًا في العمل ومعنى في التلقي، والباب المدخل للشيء المحاط بحائط يحجزه ويحوطه - قاله الحرالي. وتقدم تعريفه له بغير هذا.
ولما كان الأمر بالتقوى قد تقدم ضمنًا وتلويحًا أتى به دالًا على عظيم جدواها ذكرًا وتصريحًا دلالة على التأكيد في تركهم تلك العادة لاقتضاء الحال ذلك لأن من اعتاد شيئًا قلّ ما يتركه وإن تركه طرقه خاطره وقتًا ما فقال: ﴿واتقوا الله﴾ أي الملك الأعظم في كل ما تأتون وما تذرون ووطنوا النفوس واربطوا القلوب على أن جميع أفعاله تعالى حكة وصواب من غير اختلاج شبهة ولا اعتراض شك في ذلك حتى لا يسأل عنه لما في السؤال من الإيهام بمفارقة الشك، ثم علله بقوله: ﴿لعلكم تفلحون *﴾ أي لتكون حالكم حال من يرجى دوام التجدد لفلاحه وهو ظفره بجميع مطالبه من البر وغيره، فقد دل سياق لآية على كراهة هذا السؤال؛ وذكر الحرالي أن أكثر ما يقع فيه سؤال يكون مما ألبس
[ ٣ / ١٠٣ ]
فتنة أو شرب محنة أو أعقب بعقوبة ولذلك قال تعالى: ﴿لا تسألوا عن أشياء﴾ [المائدة: ١٠١] وكره رسول الله ﷺ المسائل وعابها وقال: «دعوني ما تركتكم فإنما أهلك من كان قبلكم كثرة سؤالهم» الحديث ومنه كره الرأي وتكلف توليد المسائل لأنه شغل عن علم التأصيل وتعرض لوقوعه كالذي سأل عن الرجل يبتلي في أهله فابتلى به، ويقال: كثرة توليد مسائل السهو أوقع فيه.
وقال: وهذه الآية كالجامعة الموطئة لما ذكر بعدها من أمر توقيت القتال الذي كانوا عليه كما كان من أمر الجاهلية حكم التحرج من القتال في الأشهر الحرم والتساهل فيه في أشهر الحل مع كونه عدوى بغير حكم حق فكان فيه عمل بالفساد وسفك الدماء - انتهى وفيه تصرف. فمحا سبحانه ما أصلوه من ذلك بما شرعه من أمر القتال لكونه جهادًا فيه لحظ من حظوظ الدنيا.
[ ٣ / ١٠٤ ]
ولما ذكر سبحانه الحج في هذه السورة المدنية وكان سبيله إذ ذاك ممنوعًا عن أهل الإسلام بأهل الحرب الذين أخرجوهم من بلدهم ومنعوهم من المسجد الذي هم أحق به من غيرهم وكان الحج من الجهاد وكان كل من الصوم والجهاد تخليًا من الدنيا «سياحة أمتي الصوم، ورهبانية أمتي الجهاد» وكانت أمهات العبادات موقتة وهي الصلاة والزكاة والصوم والحج وغير موقتة وهي الذكر والجهاد وهو قتال أهل الحرب خلافًا لما كان عند أهل الجاهلية من توقيته مكانًا بغير الحرم وزمانًا بغير الأشهر الحرم وكان القتال في الأشهر الحرم وفي الحرم في غاية المنع فكيف عند المسجد وكان سبحانه قد ذكر العبادات الموقتة أتبعها بغير الموقتة وهي الجهاد الذي هو حظيرة الموقتة الذي لا سلامة لها بدونه التفاتًا إلى الظالمين بالمنع عن المسجد الحرام والإخراج منه فأمر بأن يفعل معهم مثل ما فعلوا من القتال والإخراج فعل الحكيم الذي يوصي بالشيء العظيم فهو يلقيه بالتدريج في أساليب البلاغة وأفانين البيان تشويقًا إليه وتحريضًا عليه بعد أن أشار لأهل هذا الدين أولًا بأنه يخزي ظالميهم وثانيًا بأن المقتول منهم حي يرزق
[ ٣ / ١٠٥ ]
وثالثًا بمدحهم على الصبر في مواطن البأس بأنهم الذين صدقوا وأنهم المتقون فلما شوقهم إلى جهاد أهل البغي والعناد ألزمهم القتال بصيغة الأمر لتيسير باب الحج الذي افترضه وسبيله ممنوع بأهل الحرب فقال تعالى وقيل: إنها أول آية نزلت في القتال، قاله الأصبهاني: ﴿وقاتلوا في سبيل الله﴾ أي الذي لا كفوء له إشعارًا بذكره على سبيل الإطلاق بعد الموقت بالهلال إلى أنه غير موقت به. قال الحرالي: من حيث إنه حظيرة على دين الإسلام المقيد بالمواقيت من
[ ٣ / ١٠٦ ]
حيث إن الإسلام عمل يقيده الوقت، والدفع عنه أمر لا يقيده وقت بل أيان طرق الضر لبناء الإسلام دفع عنه كما هو حكم الدفع في الأمور الدينية، فكانت الصلاة لمواقيت اليوم والليلة، والصوم والحج لمواقيت الأهلة، والزكاة لميقات الشمس، والجهاد لمطلق الميقات حيث ما وقع من مكان وزمان ناظرًا بوجه ما لما يقابله من عمود الإسلام الذي هو ذكر كلمة الإخلاص وهي لا إله إلا الله على الدوام ﴿يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرًا كثيرًا﴾
[الأحزاب: ٤١] ﴿فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم﴾ [التوبة: ٥] انتهى. وقال ﴿الذين يقاتلونكم﴾ أي من شأنهم قتالكم لا من ليس شأنه ذلك كالصبيان؛ وفيه إشعار بأن القتال عن سبب المقاتلة فهو مما يفعل عن سبب لا مما يفعل لوقت، وصيغة المضارع لم يقصد بها إلا صدور الفعل من غير نظر إلى زمان مخصوص كما قالوه في أمثاله.
ولما كان الله ﷾ قد أوجب العدل في كل
[ ٣ / ١٠٧ ]
شيء حتى في حق أعدائه قال: ﴿ولا تعتدوا﴾ فنظم ذلك ابتداء القتال لمن لم يبح له ابتداءه به إما بعهد أو بغير دعوة لمن لم يبلغه أمر الدين أو بغير ذلك من أنواع الخيانة والغدر وقتل النساء والصبيان والشيوخ الفانين الذين لا منعة فيهم ولا رأي لهم، ودوام القتال لمن ألقى السلم بعد الابتداء به، فحذف المتعلق اختصارًا فأفاد زيادة المعنى وهو من غريب أفانين البلاغة وكأنه أفهم بصيغة الافتعال التقييد بالتعمد، ثم علل ذلك بقوله: ﴿إن الله﴾ أي لما له من صفات الكمال ﴿لا يحب المعتدين *﴾ مطلقًا في هذا وغيره، أي لا يفعل بهم من الخير فعل المحب.
ولما حرم الاعتداء صرح بإباحة أصل القتال فقال: ﴿واقتلوهم﴾ أي الذين يقاتلونكم ﴿حيث ثقفتموهم﴾ أي وجدتموهم وأنتم تطمعون
[ ٣ / ١٠٨ ]
في أن تغلبوا أو حيث تمكنتم من قتلهم - قاله الأصبهاني، لأنه من ثقف بالضم ثقافة إذا صلب وثقف أي بالكسر كذلك، وأيضًا صار حاذقًا فطنًا، وثقفت الشيء ثقفًا إذا أخذته والشيء صادفته - قاله ابن القطاع. وقال الأصبهاني: والثقف وجوده على وجه الأخذ والغلبة، وأطلق الوجدان فشمل الحل والحرم من الزمان والمكان لأنهم كذلك يفعلون بالمسلمين، كانوا يؤذونهم ويفتنونهم عند البيت في
[ ٣ / ١٠٩ ]
كل وقت؛ وفي التعبير بالفعل ما يشعر بالنصر بحزب الله وبشرى بضعف العدو عن مداومة المقاومة للمجاهدين وقد ظهرت التجربة مثل ذلك وأقله أنهم إذا فروا لم يكروا.
ولما كانت الآية ناظرة إلى قصاص قال: ﴿وأخرجوهم﴾ أي فإن لم يقاتلوكم ﴿من حيث أخرجوكم﴾ أي مكة التي هي موطن الحج والعمرة ومحل الشعائر المقصودة لأهل الإسلام. ولما كان هذا مشعرًا بأنهم لم يكن منهم إليهم قتال في مكة لغير الأذى المحوج إلى الخروج من الديار على أن التقدير: فإن الإخراج من السكن أشد فتنة وقد فتنوكم به، فعطف عليه قوله: ﴿والفتنة﴾ أي العذاب بالإخراج أو غيره من أنواع الإخافة ﴿أشد﴾ تليينهم للإسلام ﴿من القتل﴾ أعم من أن يكون المراد من قتلكم إياهم في الحرم أو غيره أو قتلهم إياكم أو غير ذلك لما فيه
[ ٣ / ١١٠ ]
من مواصلة الغم القابض للنفس عن مراداتها، فلذلك سوغنا لكم قتلهم قصاصًا بسبب إخراجكم، فكان المراد بالذات إخراجهم لتمكن الحج والاعتمار ولكنه لما لم يمكن إلا بقتالهم وقتلهم أذن فيهما وقد كشف الواقع في أمر: عكرمة بن أبي جهل وصفوان بن أمية وعبد الله بن أبي ربيعة أن الإخراج من مكة لينهم للإسلام أكثر من تليين القتل فإنهم أسلموا لما أشرفوا على فراق مكة بظهور الإسلام فيها ولم يسلم أحد من قريش خوفًا من القتل، فلكون السياق لإخراجهم عبر هنا أشد.
ولما كان الإذن في الإخراج مستلزمًا في العادة للقتال وكان قد أذن في الابتداء به حيث ثقفوا خصص ذلك فقال ناظرًا إلى المقاصّة أيضًا ومشيرًا إلى ما سيقع في غزوة الفتح المشار إليها بقوله بعد ﴿وكفر به والمسجد الحرام﴾ [البقرة: ٢١٧] ﴿ولا تقاتلوهم﴾ أي هؤلاء الذين أذن لكم في إخراجهم ﴿عند المسجد الحرام﴾ أي الحرم إذا أردتم إخراجهم فمانعوكم ﴿حتى يقاتلوكم فيه﴾ أي في ذلك الموضع الذي هو عند المسجد،
[ ٣ / ١١١ ]
وكأنه عبر بفيه في الثاني وعند في الأول والمراد الحرم في كل منهما كفًا، عن القتال فيه مهما وجد إلى الكف سبيل تعظيمًا له وإجلالًا لمحله لأنه موضع للصلاة التي أعظم مقاصدها السجود لا لغيره فضلًا عن القتال. ﴿فإن قاتلوكم﴾ أي في ذلك المكان ﴿فاقتلوهم﴾ أي لا تقصروا على مدافعتهم بل اصدقوهم في الضرب المجهز ولا حرج عليكم من جهة المسجد فإن الانتهاك لحرمته منسوب إلى البادىء، وفي التعبير بالفعل في جواب المفاعلة في قراءة الجمهور أو الفعل في قراءة حمزة والكسائي بشارة بنصرة المبغي عليه وقوة إدالته، ولما كان هذا مفهمًا أنه خاص بهم عمم بقوله: ﴿كذلك﴾ أي مثل هذا الفعل العظيم الجدوى ﴿جزاء الكافرين *﴾ كلهم.
ولما كان النزوع بعد الشروع لا سيما حالة الإشراف على الظفر عسرًا على الأنفس الأبية والهمم العلية قال: ﴿فإن انتهوا﴾ أي عن القتال ومقدماته، وفيه إشعار بأن طائفة منهم تنتهي فإن العالم بكل
[ ٣ / ١١٢ ]
شيء لا يعبر بأداة الشك إلا كذلك. ولما كان التقدير: فكفوا عنهم ولا تعرضوا لهم فإن الله قد غفر لهم علله بأمر عام فقال: ﴿فإن الله﴾ أي المحيط بجميع صفات الكمال ﴿غفور رحيم *﴾ أي له هاتان الصفتان أزلًا وأبدًا فكل من تاب فهذا شأنه معه.
[ ٣ / ١١٣ ]