ولما كان المراد بما مضى من قتالهم كف أذاهم بأي فعل كان حققه بقوله: ﴿وقاتلوهم﴾ أي هؤلاء الذين نسبناهم إلى قتالكم وإخراجكم وفتنتكم أعم من أن يكونوا كفارًا أو لا ﴿حتى لا تكون فتنة﴾ أي توجد فتنة بأن لا يقدروا أن يؤذوا أحدًا من أهل الإسلام ليردوه عن دينه أو يخرجوه من داره أو يخلعوه من ماله أو يغلبوه على حقه، فقتال كل من وقع منه ذلك كفرًا أو بغيًا في سبيل الله حتى يفيء إلى أمر الله ﴿ويكون الدين﴾ أي الطاعة والعبادة. ولما كان
[ ٣ / ١١٣ ]
هذا في أوائل ما بعد الهجرة قبل أن يروا من نصر الله لهم ما يقوي عزائمهم أعراه من التأكيد فقال: ﴿الله﴾ أي الذي لا كفوء له خاصًا به بأن يكون أمر المسلمين ظاهرًا، ليس للشيطان فيه نصيب، لا يقدر أحد من أهل الكفر ولا أهل البغي على التظاهر بأذى أحد منهم، وذلك بأن لا يبقى مشرك أصلًا ولا يبقى كتابي إلا ألزم الصغار بالجزية، والحكمة في إبقائهم دون المشركين أن لهم كتبًا أمهلوا لحرمتها ولينظروا فيها فيقفوا على الحق منها فإنها وإن كانت قد وقع فيها التحريف قد بقي فيها ما يهدي الموفق لأنها لم يعمها التحريف، وأما أهل الأوثان فليس لهم ما يرشدهم إلى الحق فكان إمهالهم زيادة في شركهم مقطوعًا بها من غير فائدة تنتظر. قال الحرالي: ففي طيه إشعار بما وقع وهو واقع وسيقع من قتال طائفة الحق لطائفة البغي سائر اليوم المحمدي بما تخلص من الفتنة
[ ٣ / ١١٤ ]
ويخلص الدين لله توحيدًا ورضى وثباتًا على حال السلف الصالح وزمان الخلافة والنبوة - انتهى. ﴿فإن انتهوا﴾ أي كلفوا أنفسهم الرجوع عما استوجبوا به القتال فقد تركوا الظلم، والنهي قال الحرالي الحكم المانع من الفعل المترامي إليه بمنزلة أثر العقل المسمى نُهى لمنعه عما تهوي إليه النفس مما يستبصر فيه النهى، قال ﵊: «ليليني منكم أولو الأحلام والنهى» فمن لم يكن من أهل النهى كان نهاه النهى وهو الحكم المذكور - انتهى. ﴿فلا عدوان﴾ أي فلا سبيل يقع فيه العدو الشديد للقتال عليهم، فإنه لا عدوان ﴿إلا على الظالمين *﴾ قال الحرالي: فذكر الظلم الشامل
[ ٣ / ١١٥ ]
لوجوه إيقاع الأمر في غير موضعه من أعلى الدين إلى أدناه - انتهى. ويجوز أن يكون التقدير: فإن انتهوا عن الشرك فقد انتفى عنهم اسم الظلم فلا تعتدوا عليهم، فإن اعتديتم عليهم سلطانًا عليكم لظلمكم لهم من يعتدي عليكم، فإنه لا عدوان إلا على الظالمين الذين دخلتم في مسماهم وخرجوا من مسماهم بالانتهاء، فلا عدوان إلاّ عليكم لا عليهم، ومعنى العدوان القتال بغاية العدو والشدة والعزم.
ولما أباح تعالى القتال في كل مكان حتى في الحرم وكان فعله في الأشهر الحرم عندهم شديدًا جدًا ثار - العزم للسؤال عنه فقال معلمًا لهم ما يفعلون في عمرة القضاء إن احتاجوا على وجه عام: ﴿الشهر الحرام﴾ وهو ذو القعدة من سنة سبع إن قاتلتموهم فيه لكونهم قاتلوكم في شهر حرام ﴿بالشهر الحرام﴾ الذي قاتلوكم فيه وهو ذو القعدة سنة ست حيث صدوكم فيه عن عمرة الحديبية. ولما أشعر ما مضى بالقصاص أفصح به على وجه أعم فقال: ﴿والحرمات﴾ أي كلها وهي جمع حرمة وهي ما يحفظ ويرعى ولا ينتهك
[ ٣ / ١١٦ ]
﴿قصاص﴾ أي تتبع للمساواة والمماثلة ﴿فمن﴾ أي فتسبب عن هذا أنه من ﴿اعتدى عليكم﴾ أي تعمد أذاكم في شيء من الأشياء في أي زمان أو مكان كان ﴿فاعتدوا عليه﴾ أي فجاوزوه، سمي اعتداء مشاكلة تقوية لعزائمهم وتوطينًا لهممهم أي افعلوا وإن سماه المتعنت بغير ما يحق له ﴿بمثل ما اعتدى﴾ أي عدوانه ﴿عليكم﴾ أي بمثل الذي اعتدى عليكم به، ولعله أعاد الظرف وإن أفهمه الأول لدفع تعنت من لعله يقول: الكلام شامل لاعتدائه علي وعلى غيري فلي أن أقابله بأعلى ما وقع له من ذلك، لأن المراد ردعه ولو لم يرد الحكم هذا لقيد بما ينفيه. ولما جعل المماثلة حدًا وكان أمرها خفيًا والوقوف عنده بعد استرسال النفس بإرسالها صعبًا حذر من تعديه بعد الإذن في القصاص الذي جر أغلبه
[ ٣ / ١١٧ ]
بتسميته اعتداء على وجه نادب إلى العفو للمستبصر فقال: ﴿واتقوا الله﴾ أي المحيط علمًا بكل شيء بالتحري في القصاص حتى لا تتجاوزوا ﴿واعلموا﴾ وأظهر ولم يضمر لئلا يقيد بالتقوى في باب الاعتداء مثلًا فقال: ﴿أن الله﴾ أي الذي له جميع صفات الكمال معكم إن اتقيتم بالتحري فيه أو بالعفو فإن الله ﴿مع المتقين *﴾ ومن كان الله معه أفلح كل الفلاح «وما زاد الله عبدًا بعفو إلاّ عزًا» . قال الحرالي: ففي ضمنه إشعار وتطريق لمقصد السماح الذي هو خير الفضائل من وصل القاطع والفعو عن الظالم، ولما كان في هذه
[ ٣ / ١١٨ ]
التقوى خروج عن حظ النفس أعلمهم أنه تعالى يكون عوضًا لهم من أنفسهم بما اتقوا وداوموا على التقوى حتى كانت وصفًا لهم فأعلمهم بصحبته لهم - انتهى.
ولما كانت النفقة من أعظم دعائم الجهاد وكان العيش في أول الإسلام ضيقًا والمال قليلًا فكان ذلك موجبًا لكل أحد أن يتمسك بما في يده ظنًا أن في التمسك به النجاة وفي إنفاقه الهلاك أخبرهم أن الأمر على غير ما يسول به الشيطان من ذلك ﴿الشيطان يعدكم الفقر﴾ [البقرة: ٢٦٨] وقال الحرالي: ولمكان ما لزم العفو من العز الذي جاء على خلاف غرض النفس نظم به تعالى ما يجيء على خلاف مدرك الحس في الإنفاق الذي يحصل به الزكاء والنماء، وأيضًا لما أسس تعالى حكم الجهاد الذي هو أشق الأعمال على النفس نظم به أمر الجود والإنفاق الذي هو أشق منه على الأنفس، ومن حيث إن القتال مدافعة يشتمل على عدة وزاد لم يكن أمره يتم إلاّ
[ ٣ / ١١٩ ]
بأعمال الغريزتين: الشجاعة والجود، ولذلك كان أشد الآفات في الدين البخل والجبن، انتهى - فقال تعالى: ﴿وأنفقوا﴾ وأظهر ولم يضمر إظهارًا للاعتناء بأمر النفقة ولئلا يقيد بحيثية من الحيثيات فقال: ﴿في سبيل الله﴾ أي الملك الذي كل شيء تحت قهره كما قال:
﴿وقاتلوا في سبيل الله﴾ [البقرة: ١٩٠] وهو كل ما أمر به الله وإن كان استعماله في الجهاد أكثر، أي ولا تخافوا العيلة والضيعة فإن الله ربّكم هو الذي أمركم بذلك ﴿والله يعدكم مغفرة منه وفضلًا﴾ [البقرة: ٢٦٥] قال الحرالي: فالنظر للأموال بإنفاقها لا بإصلاحها وإثباتها فانتظم الخطابان ما في العفو من العز وما في الإنفاق من النماء، وأكد ذلك بالإعلام بما لا تصل إليه مدارك الأنفس من أن إصلاح الأموال وإمساكها تهلكة - انتهى. فقال تعالى: ﴿ولا تلقوا بأيديكم﴾ أي تسرعوا بوضعها إسراع من
[ ٣ / ١٢٠ ]
يلقي الشيء بعدم الإنفاق ﴿إلى التهلكة﴾ من الهلاك وهو تداعي الشيء إلى أن يبطل ويفنى فإن في ذلك الإخلاد إلى الدعة والتواكل فيجترىء عليكم العدو فلا يقوم لكم قائمة فإنّ البخل أسرع شيء إلى الهلاك، وهي تفعلة بضم العين مصدر هلك، وقيل: إنه لا ثاني له في كلامهم، وحقيقة أوقع الإلقاء لما ينفعه من نفسه وغيرها بيده أي بنفسه فجعل التهلكة آخذة بها مالكة لصاحبها. وقال الحرالي: إحاطة الخطاب تقتضي أن التهلكة تضييع القتال والإنفاق اللذين بتركهما تقع الاستطالة على مبنى الإسلام فيتطرق إلى هدمه، ولما كان
[ ٣ / ١٢١ ]
أمر الإنفاق أخص بالأنصار الذين كانوا أهل الأموال لتجرد المهاجرين عنها كان في ضمنه أن أكثر فصل الخطاب فيه للأنصار - انتهى. وقد روى أبو داود والترمذي - وهذا لفظه وقال: حسن صحيح - والنسائي عن أبي أيوب رضي الله تعالى عنه: «إنما نزلت هذه الآية فينا معشر الأنصار لما أعز الله الإسلام وكثر ناصروه وقال بعضنا لبعض سرًا دون رسول الله ﷺ: إن أموالنا قد ضاعت، فلو أقمنا في أموالنا! فأنزل الله هذه الآية، فكانت التهلكة الإقامة على الأموال وإصلاحها وتركنا الغزو» وروى البخاري في التفسير عن حذيفة رضي الله تعالى عنه ﴿وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة﴾ قال: نزلت في النفقة «.
ولما كانت التوسعة في أمر القتال قد تجر إلى الاعتداء فختمه بالنهي عنه وبأن الله لا يحب المعتدين وكانت التوسعة في الإنفاق في سبيل الله من أعلى خلال الإيمان قال تعالى: ﴿وأحسنوا﴾ أي أوقعوا الإحسان على العموم بما أفهمه قصر الفعل
[ ٣ / ١٢٢ ]
وترك المتعلق بالإكثار من الإنفاق وظنوا بالله الحسن الجميل، وأظهر من غير إضمار لطول الفصل ولنحو ما تقدم ﴿إن الله﴾ الملك العظيم ﴿يحب المحسنين﴾ أي يفعل معهم كل ما يفعله المحب مع من يحبه من الإكرام والإعلاء والنصر والإغناء وغير ذلك من جميع ما يحتاجه كما أنه لا يحب المعتدين.
قال الحرالي: فانتظم ختم الخطابين بأن لا يقع الاعتداء في القتل وأن يقع الإحسان في المال، وفي إشعاره حض الأنصار على إنفاق أموالهم يتلون به حال المهاجرين في التجرد عنها، فكما كان أمر المهاجرين أن لا ينقضوا الهجرة كان أمر الأنصار أن لا يلتفتوا إلى الدنيا، فما خرج المهاجرون عن أصله خرج الأنصار عند التمسك به عن وصفه، فكان إعراضهم
[ ٣ / ١٢٣ ]
تابعًا لترك المهاجرين أموالهم.
ولما ختم آيات القتال بالنفقة في سبيل الله لشدة حاجة الجهاد إليها وكان سبيل الله اسمًا يقع على الحج كما يقع على الجهاد كما ورد في الحديث «الحج من سبيل الله» رجع إلى الحج والعمرة المشير إليهما ﴿مثابة للناس﴾ [البقرة: ١٢٥] و﴿إن الصفا والمروة﴾ [البقرة: ١٥٨] الآية، و﴿مواقيت للناس والحج﴾ ولا سيما وآيات القتال هذه إنما نظمت ههنا بسببهما توصيلًا إليهما وبعضها سببه عمرة الحديبية التي صدّ المشركون عنها، فكان كأنه قيل: مواقيت للناس والحج فحجوا واعتمروا أي تلبسوا بذلك وإن صددتم عنه وقاتلوا في سبيل الله من قاتلكم في وجهكم ذلك لينفتح لكم السبيل، ولما كان ذلك بعد الفتح ممكنًا لا صاد عنه عبر بالإتمام فقال: ﴿وأتموا *﴾ أي بعد فتح السبيل بالفتح
[ ٣ / ١٢٤ ]
﴿الحج والعمرة﴾ بمناسكهما وحدودهما وشرائطهما وسننهما. ولما تقدم الإنفاق في سبيل الله والقتال في سبيل الله نبه هنا على أن ذلك كلّه إنما هو لتقام العبادات التي هي مبنى الإسلام له ﷾ فقال: ﴿لله﴾ الملك الذي لا كفوء له أي لذاته، ولم يضمر لئلا يتقيد بقيد.
ولما كان ﷾ قد أعز هذه الأمة إكرامًا لنبيها ﷺ فلا يهلكها بعامة ولا يسلط عليها عدوًا من غيرها بل جعل كفارة ذنوبها في إلقاء بأسها بينها أومأ إلى أنه ربما يقطعها عن الإتمام قاطع من ذلك بقوله بانيًا للمفعول لأن الحكم دائر مع وجود الفعل من غير نظر إلى فاعل معين معبرًا بأداة الشك إشارة إلى أن هذا مما يقل وقوعه: ﴿فإن أحصرتم﴾ أي منعتم وحبستم عن إتمامها، من الإحصار وهو منع العدو المحصر عن متصرفه
[ ٣ / ١٢٥ ]
كالمرض يحصره عن التصرف في شأنه - قاله الحرالي ﴿فما﴾ أي فالواجب على المحصر الذي منع عن إكماله تلافيًا لما وقع له من الخلل في عملهما ﴿استيسر﴾ أي وجد يسرة على غاية السهولة حتى كأنه طالب يسر نفسه، واليسر حصول الشيء عفوًا بلا كلفة ﴿من الهدي﴾ إذا أراد التحلل من الحج والعمرة من الإبل والبقر والغنم يذبحه حيث أحصر ويتصدق به وقد رجع حلالًا
[ ٣ / ١٢٦ ]
ولما كان الحاج هو الشعث التفل أشار إلى حرمة التعرض لشعره بقوله: ﴿ولا تحلقوا رؤوسكم﴾ أي شعرها إذا كنتم محرمين بحج أو عمرة، من الحلق.
قال الحرالي: وهو إزالة ما يتأتى للزوال بالقطع من الآلة الماضية في عمله، والرأس مجتمع الخلقة ومجتمع كل شيء رأسه - انتهى. ﴿حتى يبلغ﴾ من البلاغ وهو الانتهاء إلى الغاية ﴿الهدي﴾ أي إن كان معكم هدي ﴿محله﴾ أي الموضع الذي يحل ذبحه فيه، إن كنتم محصرين فحيث أحصرتم وإلا فعند المروة أو في منى ونحوهما. قال الحرالي: والهدي ما تقرب به الأدنى للأعلى وهو اسم ما يتخذ فداء من الأنعام بتقديمه إلى الله ﷾ وتوجيهه إلى البيت العتيق، وفي تعقيب الحلق بالهدي إشعار باشتراكهما في معنى واحد وهو الفداء، والهدي في الأصل فداء لذبح الناسك نفسه لله سنة إبراهيم في ولده عليهما الصلاة والسلام، وإزالة الشعر فداء من جزاء لرأس لله، ولذلك لما سئل النبي ﷺ
[ ٣ / ١٢٧ ]
عن تقديم أحدهما على الآخر قال: «افعل ولا حرج»، لأن الجميع غاية بالمعنى الشامل للفداء - انتهى.
ولما كان الإنسان محلًا لعوارض المشقة وكان الله ﷾ قد وضع عنا الآصار ببركة النبي المختار ﷺ فجعل دينه يسرًا قال: ﴿فمن كان﴾ وقيده بقوله: ﴿منكم﴾ أيها المحرمون ﴿مريضًا﴾ يرجى له بالحلق خير ﴿أو به أذى﴾ ولو قل، والأذى ما تعلق النفس أثره ﴿من رأسه﴾ بقمل أو غيره ﴿ففدية﴾ أي فعلية بحلق رأسه أو المداواة بما نهى المحرم عنه فدية ﴿من صيام﴾ لثلاثة أيام ﴿أو صدقة﴾ لثلاثة آصع من طعام على ستة مساكين، لأن الصدقة كما قال الحرالي عدل الصيام عند فقده كما
[ ٣ / ١٢٨ ]
تقدم. ولليوم وجبتا فطر وسحور، لكل وجبة مُدَّان فلكل يوم صاع ﴿أو نسك﴾ أي تقرب بذبح شيء من الأنعام وهذه فدية مخيرة.
ولما كان الله ﷾ بسعة حمله وعظيم قدرته وشمول علمه قد أقام أسبابًا تمنع المفسدين على كثرتهم من التمكن من الفساد أشار إلى ذلك بأداة التحقيق بعد تعبيره عن الإحصار بأداة الشك فقال: ﴿فإذا أمنتم﴾ أي حصلتم في الأمن فزال الإحصار
[ ٣ / ١٢٩ ]
والمرض، وبني الفعل هنا للفاعل إشارة إلى أنه كأنه آت بنفسه تنبيهًا على أنه الأصل بخلاف الإحصار حثًا على الشكر ﴿فمن تمتع﴾ أي تلذذ باستباحة دخوله إلى الحرم بإحرامه في أشهر الحج على مسافة القصر من الحرم ﴿بالعمرة﴾ ليستفيد الحل حين وصوله إلى البيت ويستمر حلالًا في سفره ذلك ﴿إلى الحج﴾ أي إحرامه به من عامة ذلك من مكة المشرفة من غير رجوع إلى الميقات ﴿فما﴾ أي فعليه ما ﴿استيسر﴾ وجد اليسر به ﴿من الهدي﴾ من النعم يكون هذا الهدي لأجل ما تمتع به بين النسكين من الحل وهو مسافر، هذا للمتمتع وأما القارن فلجمعه بين النسكين في سفر واحد وشأنهما أن يكونا في وقتين وقت حل ووقت حرم، وفي العبارة إشعار بصحة إرداف الحج على العمرة لأنه ترق من إحرام أدنى إلى إحرام أعلى.
ولما أفهم التقييد باليسر حالة عسر بينها بقوله: ﴿فمن لم
[ ٣ / ١٣٠ ]
يجد﴾ أي هديًا، من الوجد وهو الطول والقدرة ﴿فصيام﴾ أي فعليه بدل الهدي صيام ﴿ثلاثة أيام في الحج﴾ أي في أيام تلبسه به فلا يصح قبله ويجب أن يكون قبل يوم عرفة بحيث يكون فيه مفطرًا، ﴿و﴾ صيام ﴿سبعة﴾ أي من الأيام ﴿إذا رجعتم﴾ إلى بلادكم فلا تصح قبل الوصول، ولم يفرد ليفهم أن العبرة إمكان الرجوع لا حقيقة رجوعه، فلو أقام بمكة مثلًا صام بها، ولو فاتته الثلاثة في الحج فرق بينها وبين السبعة في الوطن بقدر مدة إمكان العود وزيادة أربعة أيام التشريق والعيد ليحكي القضاء الأداء. قال الحرالي: فيكون الصوم عدلًا للهدي الذي يطعمه المهدي كما كان الإطعام عدلًا للصوم في آية ﴿وعلى الذين يطيقونه﴾ انتهى.
ولما كان للتصريح مزية ليست لغيره قال: ﴿تلك﴾
[ ٣ / ١٣١ ]
أي العدة النفسية المأمور بصومها ﴿عشرة﴾ دفعًا لاحتمال أن تكون الواو بمعنى «أو» أو أن يكون المراد بالسبع المبالغة دون الحقيقة وليحضر العدد في الذهن جملة كما أحضره تفصيلًا؛ والعشرة: قال الحرالي: معاد عد الآحاد إلى أوله.
ولما كان زمن الصومين مختلفًا قال: ﴿كاملة﴾ نفيًا لتوهم أن الصوم بعد الإحلال دون ما في الإحرام، والكمال: قال الحرالي: الانتهاء إلى الغاية التي ليس وراءها مزيد من كل وجه، وقال: فكما استوى حال الهدي في انتهائه إلى الحرم أو الحل كذلك استوى حال الصوم في البلد الحرام والبلد الحلال ليكون في إشارته إشعار بأن الأرض لله مسجد كما أن البيت الحرام لله مسجد فأظهر معنى استوائهما في الكمال في حكم الأجر لأهل الأجور والقبول لأهل القبول والرضاء لأهل الرضاء
[ ٣ / ١٣٢ ]
والوصول لأهل الوجهة كل عامل على رتبة عمله - انتهى. ولو قال: تامة، لم يفد هذا لأن التمام قد يكون في العدد مع خلل بعض الأوصاف.
ولما كان ربما وقع في الفكر السؤال عن هذا الحكم هل هو خاص أو عام استأنف تخصيصه بمن هو غائب عن حرم مكة على مسافة القصر فقال: ﴿ذلك﴾ أي الحكم المذكور العلي في نفعه الحكيم في وضعه ﴿لمن لم يكن أهله﴾ من زوجته أو أقاربه أو سكان وطنه. وقال الحرالي: والأهل سكن المرء من زوج ومستوطن ﴿حاضري﴾ على مسافة الحضر بأن يكون ساكنًا
[ ٣ / ١٣٣ ]
في الحرم أو من الحرم على دون مسافة القصر وكل من كان هكذا فهو حاضر من الحضور وهو ملازمة الوطن لا على مسافة السفر من ﴿المسجد الحرام﴾ أي الحرم بل كان أهله على مسافة الغيبة منه وهي مسافة القصر.
قال الحرالي إفصاحًا بما أفهمه معنى المتعة: وذلك لأن الله ﷿ إذا تولى إبانة عمل أنهاه إلى الغاية في الإفصاح - انتهى. وعبر عن الحرم بالمسجد إجلالًا وتعظيمًا لما قرب من الحرم، كما عظم الحرم بقربه من المسجد، وعظم المسجد بمجاورة الكعبة؛ لأنه جرت عادة الأكابر أن يكون لبيوتهم دور، ولدورهم أفنية، وحول تلك الأفنية بيوت خواصهم؛ وأما حاضروه فلا دم عليهم في تمتع ولا قران فرقًا بين خاصة الملك وغيرهم.
ولما كثرت الأوامر في هذه الآيات وكان لا يحمل على
[ ٣ / ١٣٤ ]
امتثالها إلا التقوى أكثر تعالى فيها من الأمر بها. قال الحرالي: لما تجره النفوس من مداخل نقص في النيات والأعمال والتنقلات من الأحكام إلى أبدالها فما انبنى على التقوى خلص ولو قصر - انتهى. ولما كان من الأوامر ما هو معقول المعنى ومنها ما هو تعبدي وكان عقل المعنى يساعد على النفس في الحمل على امتثال الأمر ناسب اقتران الأمر به بالترغيب كما قال: ﴿واتقوا الله واعلموا أن الله شديد العقاب﴾ [البقرة: ١٩٦] ولما كان امتثال ما ليس بمعقول المعنى من عند قوله: ﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾ [البقرة: ١٩٦] شديدًا على النفس مع جماحها عن جميع الأوامر ناسب اقترانه بالتهديد فكان ختامه بقوله: ﴿واتقوا﴾ أي فافعلوا جميع ذلك واحملوا أنفسكم على التحري فيه والوقوف عند حدوده ظاهرًا وباطنًا واتقوا ﴿الله﴾ أي اجعلوا بينكم وبين غضب هذا الملك الأعظم وقاية، وأكد تعظيم المقام بالأمر
[ ٣ / ١٣٥ ]
بالعلم وتكرير الاسم الأعظم ولئلا يفهم الإضمار تقييد شديد عقابه بخشية مما مضى فقال: ﴿واعلموا﴾ تنبيهًا على أن الباعث على المخافة إنما هو العلم، ﴿أن الله﴾ أي الذي لا يداني عظمته شيء ﴿شديد العقاب﴾ وهو الإيلام الذي يتعقب به جرم سابق؛ هذا مع مناسبة هذا الختام لما بعده من النهي عن الرفث وما في حيزه، ومن تدبر الابتداء عرف الختم ومن تأمل الختم لاح له الابتداء. قال الأستاذ أبو الحسن الحرالي في كتاب المفتاح في الباب الخامس في تنزلات القرآن بحسب الأسماء: اعلم أن خطاب الله يرد بيانه بحسب أسمائه ويجمعها جوامع أظهرها ما ترى آياته وهو اسمه الملك وما يتفصل إليه من الأسماء القيمة لأمر الحكم والقضاء والجزاء نحو العزيز الحكيم الذي يختم به آيات الأحكام ﴿نكالًا من الله والله عزيز حكيم﴾ [المائدة: ٣٨] ثم ما تسمع آياته من اسمه الرحمن الرحيم وما يتفصل من الأسماء من
[ ٣ / ١٣٦ ]
معنى الرحمة المنبئة عن الصفح والمغفرة الذي تختم به آيات الرحمة
﴿ويتوب الله على المؤمنين والمؤمنات وكان الله غفورًا رحيمًا﴾ [الأحزاب: ٧٣] فلكل تفصيل في مورد وجهي العدل والفضل أسماء يختص به بناؤها ولذلك قال ﵊ ما لم يختم آية رحمة بعذاب أو آية عذاب برحمة، ثم ما توجد آياته وجدانًا في النفس وهي الربوبية وما ينتهي إليه معنى سواء أمرها من ﴿الحمد لله رب العالمين﴾ [الفاتحة: ٢] وما يتفصل إليه من الأسماء الواردة في ختم الإحاطات نحو ﴿الواسع العليم﴾، فمن تفطن لذلك استوضح من التفصيل الختم واستشرح من الختم التفصيل. وقد كان ذلك واضحًا عند العرب فاستعجم عند المتعربين إلا ما كان ظاهر الوضوح منه ولتكرار الأسماء بالإظهار والإضمار بيان متين الإفهام في القرآن - انتهى.
[ ٣ / ١٣٧ ]