ولما كان للمؤمنين من أهل الكتابين - مع التشرف بما كانوا عليه من الدين الذي أصله حق - حظٌّ من الهجرة، فكانوا قسمًا ثانيًا من المهاجرين، وكان إنزال كثير من هذه السورة في مقاولة أهل الكتاب ومجادلتهم والتحذير من مخاتلتهم ومخادعتهم والإخبار - بأنهم
[ ٥ / ١٦٥ ]
يبغضون المؤمنين مع محبتهم لهم، وأنهم لا يؤمنون بكتابهم، وأنهم سيسمعون منهم أذى كثيرًا إلى أن وقع الختم في أوصافهم بأنهم اشتروا بآيات الله ثمنًا قليلًا - ربما أيأس من إيمانهم؛ أتبع ذلك مدح مؤمنيهم وغير الأسلوب عن أن يقال مثلًا: والذين آمنوا من أهل الكتاب - إطماعًا في موالاتهم بعد التدريب بالتحذير منهم على مناواتهم وملاواتهم فقال: ﴿وإن من أهل الكتاب﴾ أي اليهود والنصارى ﴿لمن يؤمن بالله﴾ أي الذي حاز صفات الكمال، وأشار إلى الشرط المصحح لهذا الإيمان بقوله: ﴿وما أنزل إليكم﴾ أي من هذا القرآن ﴿وما أنزل إليهم﴾ أي كله، فيذعن ملا يأمر منه باتباع هذا النبي العربي، وإليه الإشارة بقوله جامعًا للنظر إلى معنى من تعظيمًا لوصف الخشوع بالنسبة إلى مطلق الإيمان: ﴿خاشعين لله﴾ أي لأنه الملك الذي لا كفوء له، غير مستنكفين عن نزل المألوف ﴿لا يشترون بآيات الله﴾ أي التي متى تأملوها علموا أنه لا يقدر عليها إلا من أحاط بالجلال والجمال، الآمرة لهم بذلك ﴿ثمنًا قليلًا﴾ بما هم عليه من الرئاسة ونفوذ الكلمة - كما تقدم قريبًا في وصف معظمهم، فهم يبينونها ويرشدون إليها ولا يحرفونها.
[ ٥ / ١٦٦ ]
ولما أخبر تعالى عن حسن ترحمهم إليه أخبر عن جزائهم عنده بما يسر النفوس ويبعث الهمم فقال: ﴿أولئك﴾ أي العظيمو الرتبة ﴿لهم أجرهم﴾ أي الذي يؤملونه ثم زادهم فيه رغبة تشريفة بقوله: ﴿عند ربهم﴾ أي الذي رباهم ولم يقطع إحسانه لحظة عنهم، كل ذلك تعظيمًا له من حيث إن لهم الأجر مرتين.
ولما اقتضت هذه التأكيدات المبشرات إنجاز الأجر وإتمامه وإحسانه، وكان قد تقدم أنه تعالى يؤتي كل أحد من ذكر وأنثى أجره، ولا يضيع شيئًا، ويجازي المسيء والمحسن، وكانت العادة قاضية بأن كثرة الخلق سبب لطول زمن الحساب، وذلك سبب لطول الانتظار، وذلك سبب لتعطيل الإنسان عن مهماته ولضيق صدره بتفرق عزمه وشتاته كان ذلك محل عجب يورث توهم ما لا ينبغي، فأزال هذا التوهم بأن أمره تعالى على غير ذلك لأنه لا يشغله شأن عن شأن بقوله: ﴿إن الله﴾ أي بما له من الجلال والعظمة والكمال ﴿سريع الحساب *﴾ ولما كثر في هذه الآيات الأمر بمقاساة الشدائد وتجرع مرارات الأذى واقتحام الحروب واستهانة عظائم الكروب، والحث على المعارف الإلهية والآداب الشرعية من الأصول والفروع انخلاعًاَ من المألوفات
[ ٥ / ١٦٧ ]
إلى ما يأمر به سبحانه من الطاعات، وختم بتجرع فرقة من أهل الكتاب لتلك المرارات كانت نتيجة ذلك لا محالة قوله تعالى منبهًا على عظمة ما يدعو إليه لأنه شامل لجميع الآداب: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ أي بكل ما ذكرنا في هذه السورة ﴿اصبروا﴾ أي أوقعوا الصبر تصديقًا لإيمانكم على كل ما ينبغي الصبر عليه مما تكرهه النفوس مما دعتكم إليه الزهراوان ﴿وصابروا﴾ أي أوجدوا المصابرة للأعداء من الكفار والمنافقين وسائر العصاة، فلا يكونن على باطلهم أصبر منكم على حقكم ﴿ورابطوا﴾ أي بأن تربطوا في الثغور خيلًا بإزاء ما لهم من الخيول إرهابًا لهم وحذرًا منهم - هذا أصله، ثم صار الرباط يطلق على المكث في الثغور لأجل الذب عن الدين ولو لم تكن خيول، بل وتطلق على المحافظة على الطاعات، ثم أمر بملاك ذلك كله فقال: ﴿واتقوا الله﴾ أي في جميع ذلك بأن تكونوا مراقبين له، مستحضرين لجميع ما يمكنكم أن تعلموه من عظمته بنعمته ونقمته ﴿لعلكم تفلحون *﴾ أي ليكون حالكم حال من يرجى فلاحه وظفره بما يريد من النصر على الأعداء والفوز بعيش الشهداء، وهذه الآية - كما ترى - معلمة بشرط استجابة الدعاء بالنصرة على الكافرين،
[ ٥ / ١٦٨ ]
المختتم به البقرة
﴿فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون﴾ [البقرة: ١٨٦] داعية إلى تذكير أولي الألباب بالمراقبة للواحد الحي القيوم الذي لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء في اتباع آياته ومعاداة أعدائه، كما أن التي قبلها فيمن آمن بجميع الكتب: هذا القرآن المصدق لما بين يديه والتوراة والإنجيل، كل ذلك للفوز بالفرقان بالنصر وتعذيب أهل الكفر بأيديهم تمكينًا من الله - والله عزيز ذو انتقام - ردًّا للمقطع على المطلع على أحسن وجه - والله أعلم بالصواب وعنده حسن المآب.
مقصودها الاجتماع على التوحيد الذي هدت إليه آل عمران، والكتاب الذي حدت عليه البقرة لأجل الدين الذي جمعته الفاتحة تحذيرا مما أراده شأس بن قيس وأنظاره من الفرقة، وذه السورة من أواخر ما نزل، روى البخاري في فضائل القرآ، " عن يوسف بن ماهك أن عراقيا سأل أم المؤمنين عائشة ﵂ أن تريه مصحفها، فقالت: لم؟ قال لعلي: أؤلف القرآن عليه، فإنه يقرأ
[ ٥ / ١٦٩ ]
غير مؤلف، قالت: وما يضرك أيه قرأت قبل، إنما نزل أول ما نزل منه سورة من المفصل، فيها ذكر الجنة والنار حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام نزل احلال والحرام، ولو نزل أول شيء لا تشربوا الخمر، لقالوا: لا ندع الخمر أبدا، ولو نزل لا تزنوا لقالوا: لا تدع الزنى أبدا، لقد نزل بمكة على محمد وإني لجارية ألعب) بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر) [القمر: ٤٦] وما نزلت سورة البقرة والنساء إلأا وأنا عنده، قال: فأخرجت له المصحف فأملت عليه آي السورة انتهي. وقد عنت بهذا رضي الله عنعا أن القرآن حاز أعلى البلاغة في إنزاله مطابقا لما تقتضيه الأحوال بحسب الأزمان، ثم رتب على أعلى وجوه البلاغة بحسب ما تقتضيه المفاهيم من المقال، كما تشاهده من هذا الكتاب البديع البعيد المنال
[ ٥ / ١٧٠ ]